سيارة نصر. المصدر: ويكيبيديا.

سيارة مصرية 100%.. هل لدى مصر ما يكفي لتحقيق أحلامها؟

أغلب إنتاج الهيئة من السيارات لم يتعدّ المكوّن المحلي فيه 90%، وفي كل الأحوال فإن المكون المحلي لم يشمل أبدًا أية مكونات تكنولوجية خاصة بمحرك السيارة.

"إحنا كنا بننتجها، نصر، وكانت شغالة، والعربية رمسيس كانت بتنتج في مصر إنتاج مصري 100%"، هكذا بدأ الفريق عبد المنعم التراس رئيس الهيئة العربية للتصنيع إجابته عن سؤال المذيع أحمد موسى حول تأخر ظهور سيارة مصرية، قبل أن يعلن أن الهيئة الآن في طريقها لإنتاج سيارة مصرية الصنع 100%.

تحدث التراس في حواره مع موسى، والذي أذيع على قناة صدى البلد، عن طموح الشركة لتصنيع مركبات نقل تعمل بالكهرباء كالميكروباصات والقطارات، وعن مشروع صناعة السيارة المصرية. وقال أيضًا إن ماركة سيارات ناجحة في مصر، لم يذكر اسمها، عرضت على الهيئة بدء مفاوضات لإبرام صفقة تصنيع مشترك، مضيفًا أنه ليس العرض الوحيد المقدّم للهيئة التي تريد في النهاية تقديم سيارة ركوب تناسب ذوق الطبقة المتوسطة في مصر.

سيارتا رمسيس ونصر شاهين اللتان استخدمهما التراس كمثالين للسيارات مصرية الصنع التي تريد الهيئة العربية للتصنيع إعادة إحيائها، لم يتخطَّ المكون المحلي فيهما منذ بداية إنتاجهما حاجز الـ 40%، بحسب ما يتوفر من معلومات عنهما، توضح أن مصر كانت تستورد ما يقارب 70% من مكوناتهما، لكنهما اكتسبا صفة "المصرية" على صفحات الجرائد في ذاك الوقت كواحدة من إنجازات عصر "من الإبرة للصاروخ" الذي أراده عبد الناصر لمصر. وفي السبعينات توقف إنتاجهما.

الهيئة العربية ليست بعيدة عن سوق السيارات، فهي تمتلك الشركة العربية الأمريكية للسيارات، والتي تتقاسم أسهمها مع دايملر كرايسلر. الشركة بحسب المعلومات المتاحة على الموقع الرسمي لها، والذي لم يحدّث منذ عام 2007، أنشأت عام 1977 وتستوعب طاقة إنتاجية تقدّر بـ 17600 سيارة أشهرها سيارات الجيب، لكن نسبة التصنيع المحلّي بها لا تتعدى 47%، وحتى 2014، فإن سيارات الجيب التي تقوم الشركة العربية الأمريكية للسيارات بالإعلان عن دخول صناعتها إلى مصر هي سيارات مجمّعة بالتعاون مع دايملر كريسلر مصر.

بتتبع أهم الأخبار الخاصة بالهيئة العربية للتصنيع والسيارات، فإن أغلب إنتاج الهيئة من السيارات لم يتعدّ المكوّن المحلي فيه 90%، وفي كل الأحوال فإن المكون المحلي لم يشمل أبدًا أية مكونات تكنولوجية خاصة بمحرك السيارة، كان أحدث ظهور لمنتج من الهيئة في معرض "إيجيبت أوتوموتيف"، والذي عرضت فيه الهيئة السيارة مايسترو، سيارة بثلاث عجلات تكفي لخمسة أفراد.

بحسب مقابلة فيديو قصيرة أجرتها صحيفة روز اليوسف مع أحد مسؤولي الجناح بالمعرض، لم تذكر الصحيفة اسمه، فإن مايسترو متاحة منذ عام ونصف لكنها لم تنزل الأسواق إلى الآن لأنها "لم تحصل على موافقة الإدارة العامة للمرور لتتداول العربية في السوق المصرية"، وسعرها يصل إلى 35 ألف جنيه.

لكن موقع التوكيل المهتم بأخبار السيارات ذكر إن سيارة مايسترو إنتاج مشترك بين الهيئة العربية للتصنيع وشركة إيجي تك، ويتم الترويج لها منذ العام 2010، وعرضت في معرض أوتو تك 2017 بجانب موديل آخر اسمه مايكرو، الموقع يذكر أن الشركتين لم تنجزا أية تعديلات على شكل السيارة أوالتجهيزات المقدمة بها منذ ظهورها في 2010، وطرحهما كبديل للتوكتوك المنتشر في الشوارع المصرية.

عبرت جبال الألب

التسويق لصناعة محلية 100% ليس بجديد على مصر، ففي خلال السنوات القليلة الماضية، امتلأت شاشات التلفاز وصفحات الجرائد بمسؤولين يعلنون عن عدة نسخ من تابلت مصري، مرة كان الاسم إينار وبعدها صار بلوتو، وهاتف محمول مصري سموه بـ"سيكو"، وهي منتجات تشترك في أنها تخرج من رحم شركات مصرية تأسسها أو تساعد في تأسيسها جهات حكومية وعدت بمنتج محلي 100%، وكلها منتجات لم تتخطّ نسبة المكون المحلّي فيها حاجز الـ 50%.

صناعة السيارات، حتى الوقت الراهن، ليست ببعيدة عن هذا.


اقرأ أيضًا: تابلت مصر: كيف تنافس بلوتو وإينار.. ثم انتصرت سامسونج في النهاية


يعود تاريخ صناعة السيارات في مصر إلى 1960، عام إنشاء شركة النصر لصناعة السيارات، منذ ذلك الوقت وحتى 2018، بلغ حجم الاستثمارات في هذا القطاع ثلاثة مليارات دولار، بحسب تصريحات وزير التجارة والصناعة المصري طارق قابيل، 1.6 مليار منهم تدخل في صناعة السيارات نفسها، والبقيّة تتركز في الصناعة المغذية لصناعة السيارات.

ومع قرب تطبيق الإعفاء الجمركي على السيارات الأوروبية والتركية في بداية 2019، كان تركيز الحكومة خلال الفترة الماضية على استصدار استراتيجية لصناعة السيارات، تشجّع خلالها المصانع الموجودة في مصر على زيادة نسبة المكوّن المحلّي حتى يصل إلى 45%، مقابل حوافز استثمارية.

صورة ضوئية لصحيفة مصرية تتحدث عن السيارة رمسيس

بالنسبة للحكومة المصرية، وحتى إبريل/ نيسان 2018، فإن تصنيع سيارة مصرية 100% كان مجرد حلم فات قطاره، بحسب تصريحات لوزير قطاع الأعمال المصري خالد بدوي.

تصريحات بدوي كانت نابعة من أن مصر، لكي تحقق حلمها بتصنيع سيارة مصرية 100%، بحاجة لإنفاق مليارات الدولارات على شركات تصميم السيارات العالمية للحصول على سيارة بتصميم خاص، مع وجود سوق يستوعب من 200 إلى 300 ألف سيارة سنويًا، بينما لا يزيد احتياج السوق المحلي في مصر عن 160 ألف سيارة فقط بحسب ما نقلته صحيفة التحرير على لسانه.

هتتعمل سيارات على أعلى مستوى، عبد المنعم التراس ده بتاع دفاع جوي، أنا بتاع دفاع جوي، ده راجل مش بتاع كذب والكلام ده

- عفت عبد العاطي رئيس شعبة السيارات في الغرفة التجارية بالقاهرة.

في تقرير التحرير المنشور اتفق عفّت عبد العاطي، رئيس شعبة السيارات في الغرفة التجارية بالقاهرة، مع وجهة نظر بدوي، في أن صناعة سيارة مصرية تحتاج إلى تطوير الصناعات المغذية لصناعات السيارات في مصر، كصناعة الضفائر الكهربائية والفرامل والإطارات، لكن عبد العاطي في حديثه مع المنصّة تعقيبًا على حوار التراس مع أحمد موسى كان له رأي آخر.

"المرة دي بجد"

يقول عبد العاطي "الفريق عبد المنعم التراس ما بيهزرش، مدام قال هيعمل عربية مصرية يبقى هنشوف ده في المستقبل"، مازال عبد العاطي يؤكد على أهمية التركيز على الصناعات المغذية لتوفير مستلزمات الإنتاج محليًا، لكنه يرى أنها خطوة محسوبة في خطّة التراس، خاصة مع اهتمام الرئيس عبد الفتاح السيسي "الموضوع بقى كبير"، مؤكدًا إن خلفية الفريق عبد المنعم التراس العسكرية تعطيه المصداقية الكافية "هتتعمل سيارات على أعلى مستوى، عبد المنعم التراس ده بتاع دفاع جوي، أنا بتاع دفاع جوي، ده راجل مش بتاع كذب والكلام ده".

على الرغم من أن التفاصيل الذي كشفها التراس في لقائه عن الموضوع، فإن ما سيتم إنتاجه سيشابه ما تنتجه الشركة العربية الأمريكية للسيارات بالتعاون مع دايمر كريسلر، إلا أن عبد العاطي أصر في المكالمة الهاتفية التي أجرياناها معه على جديّة ما صرّح به التراس حول محليّة التصنيع.

يبلغ حجم الاستثمارات في هذه الصناعة 3 مليار دولار، ويعمل بها 86 ألف عامل

وزير التجارة والصناعة المصري طارق قابيل

يقول عبد العاطي إن مصر تنقصها في قطاع الصناعات المغذية لصناعة السيارات عدّة صناعات تشمل صناعة المحرك وزجاج السيارات والموصلات الكهربائية والدهانات إضافة إلى التصميمات الخاصة بالسيارات "وقت ثورة 52، عبد الناصر كان عايز يصنّع سيارات لكن ما عرفش عشان صناعة السيارات بدون صناعات مغذّية غير ممكنة، لكن المرة ديه الموضوع مختلف"، لكنه استبعد أن نرى السيارة المصرية قريبًا، نظرًا لأن تشييد صناعات جميع مستلزمات الصناعة محليًا يحتاج لسنوات.

إلا أن التراس في تصريح سابق لأحمد موسى في نهاية نوفمبر/تشرين الثاني، قال إن مشروع السيارة المصرية سينطلق بداية العام 2019، مؤكدًا أن المشروع ليس تجميعًا لمكونات السيارات "إحنا النهاردة، توجيهات السيّد الرئيس، التصنيع، مافيش أسهل من التجميع"، ذاكرًا أن السيسي اطلع على مشروعهم بسيارة مصرية 100%، وعندما سأله موسى عمّا إذا كنا سنرى مصر تنافس دولاً كبيرة في هذه الصناعة، قال التراس "أنا مش عايزة أقول أسماء بس الهيئة العربية للتصنيع مؤسسة وطنية، ما ينفعش تدخل في مشروع صغيّر أو مع شريك ضعيف".

تأتي تصريحات التراس في وقت يترقّب سوق صناعة السيارات صدور استراتيجية صناعة السيارات التي كان من المفترض صدورها في بداية العام 2018 لتستطيع صناعة السيارات في مصر منافسة السيارات التركية والأوروبية، لكن حتى هذه الاستراتيجية، بحسب مصادر حكومية تحدّثت لنشرة انتربرايز وأموال الغد في يوليو/تموز 2018، لن ترى النور، لأن الحكومة وجدتها "غير مجدية"، وإن كانت وزارة التجارة والصناعة تنفي تخليها عن الاستراتيجية، مبررة التأخير بمراجعة بعض البنود، لكن المصادر أكدت لانتربرايز أن الحكومة تريد استبدال الاستراتيجية بإنشاء منطقة صناعية تجتذب كبرى شركات تجميع السيارات في العالم، وهو ما يدعم تصريح وزير الأعمال خالد بدوي، بأن الحكومة المصرية ربما قد تخلت عن حلم السيارة المصرية. ليظهر التراس بالأمس يعيد الحديث عن الموضوع مجددًا.