القمص سيرجيوس

مئوية الثورة والغضب| القمص سرجيوس.. ضد الإنجليز والوفد والإخوان والكنيسة

نعم يحيا الإنجليز لأنهم استطاعوا بظلمهم واستبدادهم وفجاجتهم أن يجعلوا منا هذه الكتلة الموحدة المقدسة الملتهبة.

كان القمص سرجيوس في بيته عندما اندلعت ثورة 1919، سمع ضجيجًا وهتافات في الشارع فاستطلع الأمر ليتبين له أن هذه مظاهرات غاضبة بسبب اعتقال ونفي سعد زغلول. أسرع إلى الشارع وانضم إلى المتظاهرين وظل يهتف معهم حتى وصلت المظاهرة إلى الأزهر، فاعتلى منبره وأخذ يخطب.

كان عمر سرجيوس وقتها 36 سنة، إذ ولد ملطي سرجيوس عبد الملك عام 1883 في مدينة جرجا بسوهاج، وبدأ حياته التعليمية في الكتاتيب، وعندما بلغ سن السادسة عشرة من عمره انتقل من جرجا إلى القاهرة, لإكمال دراسته في المدرسة الاكليركية اللاهوتية عام 1899، وتخرج فيها عام 1903، وأصبح مدرسًا بها.

في عام 1904 تزوج، ورُسِم كاهنًا على ملوى باسم القس ملطي سرجيوس وخدم واعظًا في الزقازيق ثم سنورس (الفيوم) ثم عاد إلى ملوى، وفي عام 1907 استدعاه مطران أسيوط ورقاه إلى رتبة قمص باسم مرقس سرجيوس, وعينه وكيلًا لمطرانيتها.

وحينما استدعاه الأنبا صرابامون الإسناوي ليخدم في السودان هناك أصدر من هناك مجلة المنارة المرقسية في عام 1912 التي كان يهاجم فيها الاستعمار البريطاني وينتقد أوضاع الكنيسة، مما دعا حاكم السودان السير ريجنالد وينجت إلى ترحيله في 1915 فأقام في جرجا حتى عام 1917حتى جاء إلى القاهرة ليقيم بها وبنى كنيسة الشهيد مارجرجس بحي القللي، ومن هناك أخذ شهرته في الوعظ والخطابة.

من الأزهر

يقول القمص سرجيوس في مذكراته عن الثورة إنه عندما بدأت الثورة في 9 مارس 1919 "كنت قابعًا في بيتي عندما سمعت ضجيجًا وصخبًا في الشارع ولما بينته وجدته مظاهرة من الشباب تهتف ( يحيا سعد).. ( يحيا الاستقلال)، ولما سألت عن السبب قيل لي إن المستعمرين قد اعتقلوا سعد زغلول الذي يطالب بالاستقلال التام، وهنا تدفقت الدماء حارة إلى رأسي وكأنما براكين الدنيا كلها قد تفجرت، فأسرعت إلى الشارع وانضممت إلى المتظاهرين وسرنا نهتف ونصيح حتى انتهت بنا المظاهرة إلى الأزهر".

قاد القمص الجماهير بمظاهرة كبيرة اتجهت نحو الجامع الأزهر، فاعتلى المنبر مرتديا الملابس الكهنوتية فكان بذلك أول كاهن مسيحي يعتلي منبر الأزهر للخطابة، واستمر يخطب من هناك ثلاثة أشهر كاملة، إذ يلقي كل يوم مالا يقل عن خمس خطب في الموظفين بعد الانتهاء من الصلوات الخمس، وكان ذلك موضع ترحيب من علماء الأزهر، ولاسيما الشيخ مصطفى القاياتي، والشيخ محمود أبو العيون.

مجنون أنت يا سرجيوس!

اتبع سرجيوس الأسلوب الفكاهي والساخر في خطابته للجماهير، حتى أنه هتف مرة في مظاهرة كبرى بميدان الأوبرا "ليحيا الإنجليز"! وطالب الجماهير بالهتاف معه حتى يبدأ خطبته، التي قال فيها "نعم يحيا الإنجليز لأنهم استطاعوا بظلمهم واستبدادهم وفجاجتهم أن يجعلوا منا هذه الكتلة الموحدة المقدسة الملتهبة".

وفي سرادق أقيم للاحتفال بعودة سعد زغلول من المنفى، طلب زغلول منه أن يلقي كلمة، فبدأ خطبته بقوله "والله أنك لمجنون يا سعد!" وتابع "والله أنك لمجنون يا سعد، تُقدِم على دولة عظمى خرجت منتصرة من حرب عظمى، وتملك كل شيء، ولا تملك أنت شيئًا، ثم تنتصر عليهم أنت، والله إنك لمجنون يا سعد!" فوقف سعد ضاحكًا وقال "مجنون والله أنت يا سرجيوس!". فضج السرادق كله بالهتاف والتصفيق.

القمص سرجيوس

ومن أشهر خطاباته "إذا كان الاستقلال موقوفًا على الاتحاد، وكان الأقباط في مصر حائلًا دون ذلك، فأني مستعد لأن أضع يدي في يد إخواني المسلمين للقضاء على الأقباط أجمعين لتبقى مصر أمة متحدة مجتمعة الكلمة" وكان يبدأ خطاباته الثورية بعبارة "يحيا الهلال مع الصليب" التي أصبحت شعارًا للثورة ورمزًا للوحدة الوطنية.

إلى رفح في قطار المفاجآت

إذا كنت أنت لم تحتملني في بلادي أربعين يوما فكيف احتملناكم نحن أربعين عامًا؟

قررت السلطات البريطانية إسكات القمص سرجيوس، فاعتقلته مع الشيخ مصطفى القاياتي وآخرين في أبريل 1919، ونفته إلى رفح لمدة ثمانين يومًا، مما دعا الكنيسة إلى الاحتجاج لدى السلطان أحمد فؤاد الأول على اعتقال سرجيوس.

ونشرت مجلة المنارة المصرية- التي أصدرها من القاهرة- في العدد 17 (20 مايو 1936) مذكراته عن الاعتقال، ويبدو فيها أسلوبه الساخر جليًا "في صباح 26 أبريل 1919 قام بنا القطار من محطة القاهرة إلى حيث لا أدري.. فكنت الوحيد في القطار الذي لا يعرف مصيره، مع أن غيري من المسافرين قد تحدد سفرهم في تذاكرهم وفي أدمغتهم، أما أنا فلا تذكرة ولا دماغ رُسم فيه مصيري الذي أنتهي إليه! ولو كانت السكة الحديدية ابتدعت قطار المفاجآت لكنت أقول هي مداعبة من السلطة العسكرية كمداعبة السكة الحديدية لركاب قطر المفاجآت!".

وفي لقاء أجرته مجلة المصور تحدث فيه القمص عن بعض يومياته في المعتقل إذ قال في موقف أن ضابطًا قال له لقد صبرنا عليك أربعين يوما وأنت تخطب ضدنا . فأجابه القمص إذا كنت أنت لم تحتملني في بلادي أربعين يوما فكيف احتملناكم نحن أربعين عامًا؟ وأيضًا في إحدى المرات دخل ضابط على المعتقلين وخاطبهم قائلًا أنتم وحوش أيها المصريون لأنكم أطلقتم الرصاص على جندي كان يسير في أحد الشوارع فأجابه القمص قائلًا "إذا كنت قد غضبت لأجل جندي انجليزي قتل في الطريق فماذا تقول في ذلك العدد الكبير من القراصنة الإنجليز الذين يقتلون الأطفال والنساء والشيوخ لا لذنب جنوه سوى أنهم يطالبون بحرية بلادهم واستقلالها؟".

ضد الوفد والإخوان

بعد انتهاء ثورة 1919 وإعلان الدستور في عام 1923 هدأ نشاط القمص سرجيوس السياسي، إلا أنه ما لبث أن عاد لحلبة الصراع مرة أخرى في الثلاثينيات ودخل طرفًا في خلافات الوفد الداخلية، فدعم أحمد ماهر وفهمي النقراش (الجبهة السعدية) في مواجهة مصطفى النحاس ومكرم عبيد.

كما دخل في عداء شديد مع جماعة الإخوان المسلمين وطالب الحكومة بوقف نشاطها، ومن بين ما كتب في مجلة المنارة المصرية (24 يونيو 1949) "كأن بلادنا المصرية لا تعيش على مياه النيل، بل على الأمطار، حتى إذا امتنعت فيها أمطار السماء استمطرت عيون المسيحيين لتروي ظمأ تلاميذ حسن البنا ومعتنقي مبادئ الإخوان المسلمين".

وفي عام 1949 أعلن ترشحه لعضوية مجلس النواب لمواجهة تصاعد جماعة الإخوان المسلمين، التي رأى في منهجها ردة عن روح ثورة 1919. واختار دائرة شبرا ذات الكثافة المسيحية لتكون محل معركته الانتخابية التي اشتعلت بترشيح حزب الوفد إبراهيم فرج، الذي تنازل له سرجيوس في النهاية.

وينقل الدكتور محمد عفيفي في كتاب "الدين والسياسة في مصر المعاصرة" عن القمص بولس باسيلي الذي كان معاصرًا للأحداث إن ذلك تم في إطار صفقة انتخابية مقابل أن يعينه الوفد في مجلس الشيوخ، وهو ما لم يحدث مما زاد الضغائن التي يحملها سرجيوس للوفد.

ضد الكنيسة

ظهرت روح التمرد مبكرًا لدى سرجيوس إذ قاد تمردًا لطلاب الإكليريكية في عام 1902 لإصلاح شؤونها وأحوال الطلاب بها، عقب تخفيض البطريركية للحصة المخصصة للطالب من الخبز إلى رغيفين في اليوم بدلاً من رغيفين ونصف، وكانت مطالب المعتصمين تحسين أحوالهم المعيشية والعلمية والاهتمام بالخريجين، ولكن البطريركية استدعت البوليس لإنهاء اعتصام الطلاب ثم استخدم البطريرك سلطته الدينية بتهديد الطلاب وآبائهم بالحرمان الكنسي في حالة استمرار العصيان، وبالفعل تراجع الطلاب.

ونالت الكنيسة نصيبها من النقد اللاذع على صفحات مجلة المنارة التي كان من بين أهدافها "انتقاد أمورنا الداخلية وتقويم الإعوجاج الذي تأصل فينا كأمة وككنيسة"، فكتب مقالات انتقد فيها انتشار "السيمونية" داخل الكنيسة (أي شراء الوظائف بالأموال) وكان ينتقد عددًا من المطارنة، مما عرضه للمحاكمة أمام المجلس الإكليريكي (المختص بشؤون الكنيسة) ثم العفو عنه نظرًا لدفاع عدد آخر من المطارنة عن مواقفه.

كانت له آراء تخالف تقاليد الكنيسة الأرثوذكسية ومنها مطالبته بزواج المطارنة وأن يكون البطريرك من خارج فئة الرهبان، كما طالب بتعيين نائب بطريركي لإدارة شؤون الكنيسة بدلًا من البابا كيرلس الخامس لتقدمه في السن، مما أدى إلى صدور قرار بتجريده.

وبعد نياحة البابا كيرلس الخامس وتولي البابا يؤانس البطريركية، واصل سرجيوس كتابة مقالاته النارية في مجلة المنارة المصرية في إصدارها الثاني، وتطرق للصراع بين الكنيسة والمجلس الملي على إدارة الأوقاف القبطية.

وفي 1936 أعلن تأسيس ما أسماه "فريق الإنقاذ" الذي يتألف من الشبان والطلبة لإنقاذ الكنيسة "من أيدي العابثين بها".

وبعد محاولات للصلح مع الكنيسة أعاد البابا يؤانس له رتبته الكهنوتية، ولكن تم تجريده مرة ثانية من البابا يوساب، وهو ما ، وهو ما رفضه سرجيوس وأعلن حربًا شعواء ضده، معتبرًا أن صاحب القرار كان "مِلِكْ" خادم البابا والمتحكم في شؤون البطريركية.

وقال حفيده إدوار حلمي جرجس، في حديث لروزاليوسف في 2014، إن البابا كيرلس السادس أعاد له رتبته الكهنوتية، وأنه لم يمت محرومًا، وهذا بخلاف ما يقرره الدكتور محمد عفيفي في كتابه "الدين والسياسة في مصر المعاصرة"

وفاته

توفى القمص سرجيوس في 5 يونيو 1964 عن عمر يناهز 81 سنة، وأرسل الرئيس جمال عبد الناصر مندوبًا عنه للجنازة التي شيعت من بطريركية الأقباط الأرثوذكس بوسط القاهرة.


للعودة إلى الصفحة الرئيسية في الملف اضغط هنا.


اقرأ أيضًا: هدى شعرواي.. تحرير الوطن يبدأ من تحرير المرأة


المراجع:

  • الدين والسياسة في مصر المعاصرة: د. محمد عفيفي- دار الشروق
  • القمص سرجيوس وثورة 1919 في مصر: بحث لـ د. بشرى كاظم عودة وصفا تايه- كلية التربية بجامعة القادسية بالعراق
  • أجزاء من أرشيف مجلة المنارة المصرية على موقع الكنوز القبطية coptic-treasures.com