مئوية الثورة والغضب| بلاي ليست 1919: زغلول وقلبي مال إليه.. أنده له لما احتاج إليه

"شفت فيه لون تاني غير الألوان اللي كنا بنسمعها، وحسيت إنه واحد نقلنا من عالم نايم همدان إلى محيط تاني كله نشاط وصحة وقوة"
- نجيب الريحاني عن الشيخ سيد درويش

"يا عم حمزة إحنا التلامذة.. ميهمناش السجن ولا المحافظة.. من غير لحاف والعيش حاف.. ميهمناش يا عم حمزة" بذلك النشيد كان يتغنى طلاب المدارس في مظاهراتهم التي دشنت ثورة 1919، وفي نفس الوقت ظهر نشيد المشايخ الذي كان يردده طلبة الأزهر "اضربونا بالرصاص فالحياة في القصاص.. اضربونا بالمدافع فالأمر الله دافع" في تحدٍ لأسلحة الجيش البريطاني التي حاولت قمع المظاهرات.

يقول الدكتور عبدالمنعم إبراهيم الجميعي، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، في كتابه "تطور الموسيقى والطرب في مصر الحديثة" إن بداية الأناشيد الوطنية المصرية ترجع إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى، حيث سايرت نضج الشعور الوطني الذي نما في وجه الاحتلال الإنجليزي وفي وجه النخبة التركية الموجودة في مصر، وبرزت برجوازية مولعة بالحداثة وراغبة في التميز عن الموسيقى التركية، فانتقل فن الغناء إلى أبعد من مجرد الطرب، واقترنت النزعة القومية بنموذج قومي للغناء، وتغيرت الأذواق السمعية، وأصبحت الأناشيد الوطنية هى صوت الشعب المصري الأكثر تأثيرًا وترديدًا خلال الثورة.

من عالم نايم همدان

ارتبطت أغاني الثورة بالموسيقار سيد درويش (1892- 1923) الذي كان يقود ثورة خاصة في الموسيقى المصرية، فتمرد على المقامات التركية ونمط الأغاني ذو المقدمة الطويلة، واستعان بالنوتة الموسيقية، وحاول الاستفادة من الأوركسترا الغربية وآلة البيانو، حتى إنه خاطب الخديو عباس حلمي الثاني ليرسله في بعثة لدراسة الموسيقى في إيطاليا، إلا أن الخديو رفض طلبه.

يقول عنه نجيب الريحاني "عرفت الشيخ سيد قبل ما أشوفه وقدَّرته قبل ما أتعرف عليه، سمعت له لحن من رواية فيروز شاه.. التفت نظري بشكل عجيب وشفت فيه لون تاني غير الألوان اللي كنا بنسمعها، وحسيت إنه واحد نقلنا من عالم نايم همدان إلى محيط تاني كله نشاط وصحة وقوة".


سيد درويش الذي ولد بحي كوم الدكة الشعبي بالإسكندرية التحق بكتاب "حسن حلاوة" ثم مدرسة "شمس المدارس" بحي الجمرك، وعمل مؤذنا لمسجد الشوربجي، وانضم للمعهد الديني قبل أن يتركه بعد وفاة والده ليعمل "مناول بياض" لعمال البناء، وما لبث أن تحول إلى مغني العمال، كما تنقل بين المقاهي والمحال بالعود يكسب رزقه من الغناء.

انضم لفرقة سليم عطالله الموسيقية وسافر معهم إلى سوريا ولبنان عامي 1909 و1912وهناك تعلم بعض أسرار الموشحات والغناء العربي. ثم التقى بجورج أبيض الذي أبرم معه عقدًا لمدة ثلاث سنوات مقابل 18 جنيهًا شهريًا، وبدأ التعاون مع الممثل عمر وصفي مدير "الجوق الكوميدي المصري الراقي"، وعمل مع الريحاني والكسار ومنيرة المهدية ثم أسس فرقته الخاصة التي لم تستمر سوى عام واحد قبل أن توافيه المنية.

ثورة الموسيقى

بدأت ثورة الأغاني الوطنية في مصر مع دقات طبول الحرب العالمية الأولى، حين سخرت بريطانيا آلاف المصريين لخدمة الجيش البريطاني، فألف الشيخ محمد يونس القاضي أغنية "يا عزيز عيني" التي لحنها وغناها سيد درويش، وتقول: يا عزيز عيني بلدي يا بلدي وأنا عايز أروح بلدي.. أنا بدى أروح بلدي والسلطة خدت ولدي.. يا عزيز عيني يا حكيمباشي أنا بدي أروح بلدي تعالى اكشف على ولدي.. جبت الطبيب والحكيم قاللي الطبيب والحكيم.. يكشفوا على قلبي مالكش دوا عندي".


وبعد عزل الإنجليز للخديو عباس حلمي الثاني لحن سيد درويش مقطوعة "عواطفك دي أشهر من نار" كلمات الشيخ يونس القاضي، التي يكوِّن فيها أول حرف من كل شطر اسم عباس حلمي: عواطفك دي أشهر من نار/ بس اشمعنى جافيتني يا قلبك/ انت اللطف وليه أحتار/ سيد الكل أنا طوع أوامرك/ حالي صبح لم يرضي حبيب/ لـوم الناس زودني لهيب/ ما قالش إن الوصل قريب/ يامليكي والأمر لربك.


بلح سعد

وبعد تفجر ثورة 1919 نفت سلطات الاحتلال سعد زغلول ومنعت ذكر اسمه، فتفتق ذهن الفنان المصري عن أغنية يا "بلح زغلول يا حليوة يا بلح" من كلمات بديع خيري وغناء نعيمة المصرية، وألحان سيد درويش، وتقول كلماتها: يا بلح زغلول يا حليوة يا بلح.. يا بلح زغلول يا زرع بلدي.. عليك يا وعدي يابخت سعدي.. عليك أنادي في كل وادي.. قصدي ومرادي.. الله أكبر عليك يا سكر يا جابر اجبر.. ماعيتشي أبكي وفيه مدبر مين بس ينكر زغلول يابلح.. ياروح بلادك ليه طال بعادك تعا صون بلادك.. سعد وقال لي ربي نصرني وراجع لوطني.. زغلول يا بلح.. يا بلح زغلول يا حليوة يا بلح".


حمام منيرة

وغنت سلطانة الطرب منيرة المهدية (1885- 1965) أغنية "شال الحمام حط الحمام" من ألحان محمد القصبجي، وتتحدث الأغنية أيضًا عن سعد زغلول بأسلوب التورية، فتقول كلماتها "شال الحمام حط الحمام.. من مصر السعيدة للسودان.. زغلول وقلبي مال إليه.. أنده له لما احتاج إليه.. يفهم لغة اللي تلاغيه.. وأقول حميحم يا حمام.. عشق الزغاليل غيتي.. وحبهم من قسمتي.. والناس كمان يا فرحتي.. مالناش عوازل في الغرام.. ييجي يإيدي أطوقه.. وبين شفايفي أزققه.. وبوسة واحدة تشبعه.. ومع النديم يحلى المدام.. البدر ينظر من سماه.. ويحسدوه على علاه.. وان كان يغيب ألعب معاه..شال الحمام حط الحمام" وتختتم المطربة الأغنية بعبارة خاطفة تقطع الشك "يحيا سعد باشا".


العبارة نسل واحد م الجدود

وألف بديع خيري أيضًا نشيد الثورة الشهير "قوم يا مصري" وكان ضمن رواية "قولوله" من إخراج نجيب الريحاني، الذي شجع فيه المصريين على الثورة وتغيير الأوضاع: قوم يا مصري مصر دايمًا بتناديك.. خد بنصري نصري دين واجب عليك.. يوم ما سعدي راح هدر قدام عينيك.. عُد لي مجدي اللي ضيعته بإيديك.. شوف جدودك في قبورهم ليل نهار.. من جمودك كل عضمة بتستجار"، وأشار فيه إلى الوحدة الوطنية بين معتنقي الديانات الثلاث في مصر في ذلك الوقت (الإسلام والمسيحية واليهودية): "ايه نصارى ومسلمين قال ايه ويهود.. دي العبارة نسل واحد مـ الجدود".


سعدها أملنا

ومن أغاني الثورة التي ألفها بديع خيري "مصرنا وطننا سعدها أملنا" لشد أزر الثوار، ومن كلماتها "احنا غايتنا نرفع رايتنا.. أحرار خلقنا نأبي المذلة.. ياعيشنا سعدا يا متنا شهدا.. لنحيا مصر أمة مستقلة".


بدّك تخدم مصر

ومن الأغاني الخفيفة التي خاطب بها الشعب أغنية "أوعى يمينك" أو "السياس" من كلمات بديع خيري وغناء وتلحين سيد درويش، وفيها أكد على الوحدة بين طوائف الشعب "إن كنت صحيح بدك تخدم مصر أم الدنيا وتتقدم.. لا تقول نصراني ولا مسلم ولا يهودي ياشيخ اتعلم.. اللى أوطانهم تجمعهم عمر الأديان ماتفرقهم".


بلادي بلادي

ومن أشهر الأغاني الوطنية نشيد بلادي بلادي من تأليف الشيخ محمد يونس القاضي (1888- 1969)، الذي استوحى كلماته من خطبة لمصطفى كامل على مسرح زيزينيا بالإسكندرية 1907، ولحنه سيد درويش الذي كانت يعتزم غنائه في حفل استقبال سعد زغلول في 15 سبتمبر/ أيلول 1923 بالإسكندرية بعد عودته من المنفى، ولكن القدر كان أسرع، حيث غيب الموت سيد درويش قبل الحفل بخمسة أيام.


وفي عام 1979 اختار الرئيس أنور السادات تلك الأغنية لتصبح النشيد الرسمي لمصر، بعد تغيير "البلاد" إلى "أم البلاد".


ملف المنصة الشامل عن ثورة 1919