حلقة نقاشية من مهرجان كوبنهاجن للأفلام الوثائقية عام 2019.

مصدر الصورة: الصفحة الرسمية للمهرجان.

مهرجان كوبنهاجن للأفلام الوثائقية: قاعات السينما لم تعد فقط للترفيه

وقد يكون من المخجل طبعًا ألا نتكلم حتى الآن عن حركة Metoo# التي جعلت المهرجان "فيفتي فيفتي" بين صانعي الأفلام من الرجال والنساء.

من حضروا مهرجان كوبنهاجن للأفلام الوثائقية يشعرون بالاطمئنان على مستقبل الأفلام الوثائقية، فقاعات السينما لم تعد لأفلام الترفيه فقط.

امتلأت شوارع العاصمة الدنماركية بلافتات المهرجان ذات اللون الأزرق المميز، هذا بالإضافة إلى الدعاية على أتوبيسات المدينة.

أقف أمام مكتبة Cinemateket بشارع Gothersgade التي تحتوى على مكتبة وقاعتي سينما وكافيه ومطعم، أحمل كتابًا من 400 صفحة يحتوي المعلومات التي يمكن الرجوع لها من أجل التجول بين 25 مساحة فنية تتضمن قاعات عرض داخل المدينة، سينمات ومكتبات ومسارح.

يحظى المهرجان المستقل الذي بدأ عام 2003 بعشرات الداعمين والشركاء من داخل أوروبا وخارجها، رعاة للجوائز، ومساهمون، شركاء جزء من الصناعة مثل شركة كانون التي تسوق كاميراتها، وشركاء عالميون، ومتعاونون. كل هؤلاء داعمين بمسميات لا حصر لها، وكانت مشاركة جيمسون، شركة الويسكي الأيرلندي الشهير، جديرة بأن يوضع اسمها ضمن الشركاء على الصفحة الأولى للكتاب.

سيارة جيمسون أمام مبنى شارلتونبيرج الرئيسي للمهرجان. تصوير: محمد طارق

أوفدت الشركة العريقة ميكروباص فولكس يوزع الويسكي الممزوج بعصير الجنزبيل والليمون، أمام شالتونبيرج المبنى الرئيسي للمهرجان، تصعد فتاتان على السيارة وتصبان الكؤوس بين فيلم وآخر أمام المبنى الرئيسي، يتزاحم الجمهور القادم من كل مكان في العالم أمام السيارة انتظارًا لمشروب يدفع الدفء في العروق خلال ليالي كوبنهاجن الباردة.

شالتونبيرج، الصرح القديم الذي يقع فيه قسم المعلومات والمساعدة، هو واحد من أهم مراكز الفن في كوبنهاجن، مبنى للمحاضرات، وآخر به قاعة لأماكن سينما تشاهد فيها الأفلام على أرائك وثيرة، وبالأسفل البار والمطعم.

لا تتعدى أعمار العاملين في المهرجان 30 سنة، أغلبهم من الطلبة، يساعدون الجمهور في حجز التذاكر وترشيح الأفلام، ويرحبون بهم أيضًا، بجانب مئات الطلبة الأوربيين هناك طلبة من جنسيات أخرى من خارج القارة.

مارية فتاة كوبية، جاءت منذ ستة أشهر لتدرس الإدارة الدولية بكوبنهاجن، بالنسبة لها الدنمارك مثال في إدارة العلاقات الخارجية ونموذج للديمقراطية، وهي ترى نفسها محظوظة من بين سكان بلدها كوبا حيث يمكنها أن تكون واحدة من الشهود على الحراك الذي تشهده أوروبا 2019.

تتسلق الأشجار على مبنى شارلتونبيرج، المبنى الرئيسي للمهرجان. مصدر الصورة: الموقع الرسمي للمهرجان.

من حركة السترات الصفراء في فرنسا ضد السياسات التقليدية للأنظمة الأوربية القديمة إلى ما هو أبعد. في بروكسل على سبيل المثال؛ حركة طلابية قوية من أجل إنقاذ العالم من التغيرات المناخية. موضوع التغيرات المناخية له نصيب كبير هنا في المهرجان، هناك عدد من الأفلام التي تناقش مشكلة التغير المناخي وكذلك محاضرات لتدريس طريقة تطبيق الموضوع في أفلام وثائقية.

يرحب مهرجان كوبنهاجن بالمشاهدين في عام البريكزيت، لا تهتم الدنمارك أو مهرجان كوبنهاجن، لنكن دقيقين، بما سيحدث في البريكزيت، فهو حدث أقل من أن يشكك في حلم أوروبي أصبح واقعًا بين مجموعة من البشر من جميع أنحاء القارة، صارت المسألة أبعد من البلدة الصغيرة التي أتى كل واحد منها.

السينما لا تنعزل عن السياسية هنا في المهرجان، والديمقراطية دائمًا تأخذ حيزًا مهمًا، في الصفحة الأولى للتعريف بالمهرجان كتب عن التغيير الاجتماعي وتحول العالم إلى منظمات مجتمع مدني.

هذه الأيديولوجية الأوروبية المتجسدة في أغلب حاضري المؤتمر لا تنعزل عن الأفلام المشاركة. وقد يكون من المخجل طبعًا ألا نتكلم حتى الآن عن حركة Metoo# التي جعلت المهرجان "فيفتي فيفتي" بين صانعي الأفلام من الرجال والنساء.

كذلك فقضايا المهاجرين حظيت بنصيب مهم من الأعمال الجيدة المشاركة بالمهرجان، خصوصًا فيلم The rest للمخرج آي وي وي، الذي يعرض للمرة الأولى بالمهرجان، وهو فيلم وثائقي 79 دقيقة، إنتاج صيني ألماني، يناقش قضية المهاجرين من منظور إنساني، وثق أي وي وي من أجل إخراجه أكثر من 900 ساعة في مخيمات اللاجئين باليونان وتركيا وإيطاليا وألمانيا وفرنسا، وكان شاهدًا على حوادث هجرة غير شرعية قادمة عبر البحر.

بوستر فيلم the rest الذي يوثق ما حدث في مخيمات اللاجئين في جنوب أوروبا. مصدر الصورة: الموقع الرسمي للمهرجان. 

ينظم المهرجان هذا العام خمس جوائز، الأولى جائزة DOX ينافس عليها 12 فيلمًا اختيروا هذا العام على أساس الرؤية الشخصية لصانع الفيلم وجودة فيلمه وإصراره على الدفاع عن الديمقراطية سواء في أفلامه أو في الواقع.

سيفوز واحد من الأفلام المرشحة بجائزة 5000 يورو مقدمة من راديو الدنمارك، وينافس فيلم The rest على جائزة Dox مع 11 فيلمًا آخر بينهم فيلم الأرواح الصغيرة من للمخرجة الفلسطينية دينا ناصر.

يحكي فيلم الأرواح الصغيرة عن فتاة سورية لجأت مع أهلها إلى العيش في مخيم بالأردن كان من المفترض أن يكون مؤقتًا حتى صار دائمًا.

نفس قيمة جائزة Dox مخصصة لجائزة Vision Award التي بدأت مع بداية المهرجان في 2004، وهي جائزة مهداة للرؤية الشخصية عن الفنانين بين الأعمال الوثائقية والفنية.

ستتنافس على هذه الجائزة أفلام ذات إنتاج مشترك، تعتمد على الإبداع الفني في التوثيق، ومشاركة تطور المعرفة عند صانعي الأفلام. هذا بالإضافة إلى العمل تحت عناوين معينة من الموضوعات التي تهتم بها الجائزة مثل التشدد والتحدي الذي يواجه الإنسان.

يظهر تنوع الجوائز في المهرجان مستقبل الأفلام الوثائقية أيضًا، جائزة الموجة الجديدة للأفلام بالمهرجان اعتمدت 15 فيلمًا بينهم فيلم إبراهيم للمخرجة الشابة لينا العابد، العمل الذي أخرجته بجدية والتزام شديدين.


اقرأ أيضًا: الأوسكار للملونين والمثليين والنساء: جوائز الأكاديمية وضرورة التمييز الإيجابي


أقبل العرب على فيلم إبراهيم الذي يتحدث عن الدور الأسود لمنظمة التحرير الفلسطينية. الصورة من صفحة الفيلم.

يحكي فيلم لينا عن رحلة بحثها عن والدها الذي اختفي خلال مهمة أوفدته لها منظمة التحرير الفلسطينية في الثمانينات، يطرح الفيلم تساؤلات حول نزاهة المنظمة وعن الاشتباه في مسؤوليتها عن اختفاء والدها.

هناك فيلم عربي أخر من إخراج مروة زين، المصرية السودانية، ويناقش الفيلم حق النساء في ممارسة الرياضة بالسودان.

بجانب الإنسانيات، وهو أكثر ما يميز مهرجان كوبنهاجن، الاعتماد على الأفلام العلمية التي تناقش قضايا البيئة والصحة والإسكان، وهو أكثر ما يميز التنوع في الأفلام، حيث اتسعت قماشة الأفلام الوثائقية وسمحت بالتعاون مع جميع الأكاديميين.


اقرأ أيضًا: نبضات الفيتيش في سينما سعيد مرزوق