غلاف الكتاب

غزلان وسحرة: عن الشعوذة والتكتيك في الكرة الأفريقية

في طفولتي ومراهقتي وحتى يومنا هذا، لم أشعر بوجود أي رابط بيني وبين القارة السمراء، إلا عبر نافذة واحدة هي كرة القدم.

هل نحن حقًا أفارقة؟.. يبدو السؤال، للوهلة الأولى، ساذجًا. لكن إذا تجاوزنا ذلك الحيز الجغرافي لمصر على الخريطة، حيث تقع في أقصى شمال شرق أفريقيا، و تساءلنا: إلى أي مدى يشعر المصريون بانتمائهم إلى القارة السمراء؟

إذا رأيت يومًا نفرًا من أصحاب البشرة السمراء يتجولون في شوارع القاهرة، ستسمع قطعًا من يتحدث عنهم بوصفهم أفارقة. وسواءً كان المتحدث حسن النية أم خبيثًا، فإن وصفهم بأنهم "أفارقة" يعني ضمنيًا أننا نرى أنفسنا غيرهم.

ودون استطراد في حديث الهوية هذا، فأنا في طفولتي ومراهقتي وحتى يومنا هذا، لم أشعر بوجود أي رابط بيني وبين القارة السمراء، إلا عبر نافذة واحدة هي كرة القدم. فالمنتخب المصري هو البطل التاريخي للقارة السمراء، ويخوض في سبيل الوصول إلى كأس العالم تصفيات مع منتخبات أفريقية. وأندية القمة في مصر تتنافس قاريًا مع جيرانها من أبناء القارة السمراء أيضًا.

صورة مشوشة

كل عامين تتوثق قليلًا تلك الروابط، حين تقام منافسات كأس الأمم. أكتشف حين تنطلق البطولة أنني لا أعرف إلا قشورًا عن الكرة في القارة السمراء. خطوط عريضة أحاول أن أنسج منها صورة تبدو في الأغلب مشوشة.

وحين انطلقت النسخة 32 من البطولة التي تستضيفها مصر حاليًا، وتضم للمرة الأولى 24 منتخبًا في ست مجموعات، ظهرت محاولة جيدة لتسليط الضوء على الكرة الأفريقية بتفاصيلها المختلفة.

تميمة كأس اﻷمم اﻷفريقية 2019. الصورة: الاتحاد المصري لكرة القدم- فيسبوك

هذه المحاولة تتمثل في كتابٍ أصدرته دار مسعى للنشر بعنوان "غزلان وسحرة، نافذة على كرة أفريقيا" للصحفي المصري والمراسل التليفزيوني الشاب عمرو نجيب فهمي.

نافذة كبيرة

قبل أن نقتحم فصول الكتاب، تجدر الإشارة إلى أن الكتب التي سبق وتحدثت عن الكرة الأفريقية، كان أغلبها بأقلام أجنبية من صحفيين وكتاب لا ينتمون للقارة. ونظرتهم للكرة الأفريقية، على حد وصف المؤلف، في تصريحات للمنصّة كانت أشبه بنظرة استشراقية، يتحدثون عن أفريقيا باعتبارها فقط أرض العجائب والسِحر.

وهذا ما يُثمن، من وجهة نظري، تجربة "غزلان وسحرة"، كمحاولة من كاتب عربي أفريقي لرصد الأوجه المختلفة للكرة داخل القارة السمراء.

حين تقرأ عنوان الكتاب، وتلتقط عيناك كلمة "نافذة" تشعر لوهلة أنك لن تُبحر في خضم الكرة الأفريقية. ستنظر إليها عبر نافذة، والنافذة مهما صغرت أو كبرت، ومهما أتاحت لك رؤية واضحة وجيدة تُبقيك دائمًا على مسافة من الأحداث. وهذا الانطباع حقيقي في حالة "غزلان وسحرة"، فنحن ننظر إلى الكرة الأفريقية عبر نافذة، ترصد لنا تفاصيل عديدة دون أن نبحر في الأعماق لكن ما يميز نافذتنا هذه وضوح الرؤية وتعدد التفاصيل، ما يجعلك قادرًا على الإمساك بكل الخيوط بين يديك سريعًا عبر 212 صفحة فقط.

صورة بانورامية

يقول فهمي للمنصّة إنه حاول "تقديم صورة بانورامية للكرة اﻷفريقية، تجعل القارئ على معرفة دقيقة بالخطوط العامة، وأهم التطورات التي شهدتها الكرة داخل القارة السمراء عبر تاريخها، دون أن يشعر بالملل من كثرة التفاصيل".

بعد إشارة بسيطة إلى تاريخ نشأة اللعبة في القارة السمراء، بَرَع المؤلف حين قرر تقسيم القارة إلى خمسة أقاليم كبرى: شمال وجنوب وشرق وغرب ووسط، ثم شرع في رسم شخصية دقيقة لكلٍ من هذه الأقاليم.

وتلك الشخصية الكروية لكل إقليم تستند إلى مجموعة من العوامل المتشابكة، فلا يمكن على سبيل المثال فصل تفوق الشمال كرويًا، عن حصول أبنائه على الاستقلال في فترات مبكرة قياسًا بدول أخرى داخل القارة، أو عن قربه الجغرافي من أوروبا وسهولة التواصل معها ملاحيًا عبر البحر المتوسط "ما جعل من السهل انتقال الخبرة العلمية للكوادر الإدارية والفنية إلى دول الشمال الأفريقي".

تفوق تكتيكي للشمال

وكذلك فإن التفوق الخططي والتكتيكي الذي يشتهر به لاعبو شمال أفريقيا، قد يستند أيضًا إلى نقطة ضعفهم الرئيسة وهي البنية الجسدية الضعيفة مقارنة بدول جنوب الصحراء أو قلب أفريقيا. لم يكن أمام عرب الشمال إلا أن يطوروا طرق اللعب حتى يتفوقوا على جيرانهم فنيًا طالما عجزوا عن مجاراتهم بدنيًا.

وكان مميزًا أن يسلط المؤلف في كل إقليم الضوء على العوامل الاقتصادية التي ساهمت في تقدم أو تأخر دول هذا الإقليم كرويًا، وكذلك ما مرت به الدول من حروب واضطرابات وانعكاس كل هذا على المنافسات الكروية.

غزلان شاردة

لا خلاف أن "اللاعب هو الفاعل الأول في منظومة كرة القدم أينما كانت"، واللاعب الأفريقي المعروف بـ"القوة والسرعة والمهارة" متهم أيضًا بالعشوائية والارتجال، لذلك وصفه الكاتب بـ"الغزال" فهو سريع وماهر وقوي، لكنّه "كثيرًا ما يشرد دون أن يفكر في تبعات ذلك على فريقه".

ولم يكن هذا الشرود نقطة الضعف أو السلبية الوحيدة في اللاعب الأفريقي، فهناك أيضًا سلبيات أخرى مثل البحث الدائم عن المال قبل كل شيء، والتهديد في أحيان كثيرة بعدم خوض المباريات الرسمية مع منتخب بلاده إلا بعد الحصول على مستحقاته كاملةً، وهو أمر تكرر في النسخة الحالية من البطولة التي تستضيفها مصر. كذلك أزمة التزوير في الأعمار أو "التسنين" كما نطلق عليها في مصر.

على الطرف الآخر، هناك نقاط قوة وتميز يمتلكها اللاعب الأفريقي، لعل أبرزها انخفاض القيمة المالية للمواهب الأفريقية، ما يعظّم من الأرباح المتوقعة حال تألق اللاعب في أوروبا وبيعه لاحقًا، مع الإشارة إلى أن الفريق بإمكانه الحصول على نسبة من البيع الثاني للاعب.

وإضافة إلى ذلك، هناك نقطة قوة أخرى للاعب الأفريقي، أو صاحب الأصول الأفريقية، تتمثل في تفوقه في بعض المراكز داخل الملعب عن أقرانه من أبناء القارات الأخرى، وتحديدًا مركز لاعب الارتكاز في وسط الملعب، هذا الذي يحتاج إلى بذل جهد كبير طوال المباراة.

خيط رفيع

في قارتنا إشكالية كروية كبيرة تتعلق بالمدربين، أيهما أفضل الوطني أم الأجنبي؟ وبعد سرد مكثّف لأبرز النجاحات على مستوى المدربين في تاريخ القارة، توصّل المؤلف إلى النتيجة التالية "الحقيقة أن لا إجابة قاطعة في هذا الصدد، فقياسًا على الإنجازات التي حققتها المنتخبات، يتضح أنها موزعة بين المدربين الوطني والأجنبي".

وتأكيدًا على هذا المعنى، وأقصد تساوي كفة المدربين الوطني والأجنبي، سرد المؤلف أسبابًا عديدة تجعل المدرب الوطني الخيار المثالي كإجادة اللغة وفهم عادات اللاعبين وترك مساحة كبيرة أمامهم للإبداع الفردي والتعبير عن هويتهم الكروية، ثم سرد أسبابًا لتفضيل المدرب الأجنبي ومن أهمها قدرته على تحييد المنصب "وعدم السقوط في الحسابات الضيقة الخاصة بعدد اللاعبين الذين ينبغي ضمهم إلى المنتخب من الأندية الكبرى أو بالخلفيات العِرقية، فقد يُتهم مدرب محلي بالانحياز إلى أبناء قبيلته".

الفصول التالية كان إيقاعها سريعًا جدًا. لم يدع الكاتب بابًا إلا وطرقه لكنّ الطرق كان سريعًا جدًا، وغلب أيضًا على تلك الفصول السرد التاريخي للأحداث، وتراجعت المساحة المخصصة للشرح والتحليل.

شعوذة وإهمال

تحدث عن السحر الذي اشتهرت به القارة السمراء. وسرد أبرز وأشهر القصص التي تتحدث عن سحرة ومشعوذين استعانت بهم المنتخبات والفرق السمراء، عن سوء الإدارة الكروية في أغلب دول القارة، ونبّه إلى أحد أبرز تجليات سوء الإدارة حين سقطت طائرة المنتخب الزامبي قبالة سواحل الجابون في أبريل/ نيسان 1993، وتشير التفاصيل إلى أن طائرة المنتخب الزامبي عانت من العديد من الأعطال قبل هذه الرحلة، وأن اللاعبين تذمروا لكنّ لم يهتم المسؤولون، ما أدى إلى مقتل 25 لاعبًا كانوا يمثلون جيلًا ذهبيًا للكرة الزامبية.

نُصب تذكاري لضحايا حادث طائرة منتخب زامبيا في لوساكا. صورة مفتوحة المصدر: ويكيبيديا

الكرة وجبهة التحرير

واستفاض الكاتب قليلًا حين وصل إلى "ملعب السياسة" أو إلى تلك المساحة التي "تتقاطع فيها كرة القدم مع السياسة". وذكر أمثلة على محاولة استغلال الساسة والزعماء لكرة القدم لزيادة شعبيتهم ولفت الأنظار إلى بلادهم، لكنّ القصة الأبرز هنا من وجهة نظري، تلك التي صدّر بها هذا الفصل، حين تحدث عن لاعبي الجزائر الذين هربوا من فرنسا عام 1957 وتركوا أنديتهم وتسللوا إلى سويسرا ثم إيطاليا قبل السفر إلى تونس لتشكيل فريق جبهة التحرير.

هذا الفريق الذي لم يعترف به الاتحاد الدولي لكرة القدم لكنّه جاب دولًا مختلفة وخاض العديد من المباريات بعيدًا عن راية المستعمر الفرنسي "واختصر على بلاده عشر سنوات من الكفاح في طريق نيل الاستقلال" وفقًا للقيادي بجبهة التحرير، فرحات عباس.

بعد ذلك، تطرق المؤلف إلى الحديث عن أبرز الأجيال في تاريخ الكرة الأفريقية، وعن أبرز الوجوه المنسية، إضافة إلى فصل آخر بعنوان ومضات يضم قصصًا شتّى مشّوقة لا يجمعها رابط بعينه.

هذا السرد المكثف يعكس جهدًا كبيرًا في جمع المعلومات، مع الإشارة هنا إلى أن التحقق من الكثير من المعلومات الخاصة بالكرة الأفريقية ليس يسيرًا في ظل ندرة المعلومات المتاحة، وعدم وجود قواعد بيانات دقيقة في كثير من الدول.

مهمة صعبة

هذا التحقق كان "المهمة الأصعب" لإنجاز هذا الكتاب على حد قول المؤلف للمنصة. وأضاف فهمي: "بعض المعلومات لم تكن متاحة إلا باللغات المحلية وترجمتها كانت صعبة ومعقدة، لذا لجأت إلى بعض الصحفيين الأفارقة المجيدين لتلك اللغات المحلية لترجمة المعلومات والتحقق منها".

ولفت انتباهي أن الكاتب حاول خلال تعرضه للنقاط الخلافية والجدلية، وكذلك حين أشار إلى الاتهامات الموجهة للاعب الأفريقي، حاول أن يسير على خط رفيع دقيق للغاية بحيث لا يقع أسيرًا للصورة النمطية السلبية عن الكرة في القارة السمراء، ولا يبدو محابيًا أو مجاملًا لها. لكن هل نجحت هذه المحاولة؟

تجيب السطور الأولى من مقدمة الكتاب عن هذا التساؤل. يقول المؤلف: "حين تكون بصدد مشاهدة مباراة كرة قدم أحد طرفيها على الأقل من أفريقيا، فإنك تسمع كلمتين فقط كتفسير لأي سلوك غير تقليدي، سواءً على أرضية الملعب أو في المدرجات أو حتى في الأنشطة الإعلامية المصاحبة. هاتان الكلمتان هما "الكرة الأفريقية"، وكأن الحديث عن كرة القدم في القارة أقرب ما يكون إلى لعبة أخرى غير تلك التي يمارسها ويتابعها بقية سكان المعمورة بما يستوجب هضم أي شذوذ عن المألوف.. فـ"هذه هي الكرة الأفريقية يا عزيزي".

انحياز محلي

هذه المقدمة ولّدت لدىّ شعورًا أن المؤلف يقف في جانبٍ بعينه، منحازًا إلى قارته التي ينتمي إليها. ولمست هذا الانحياز حين عدّد أسبابًا كثيرة لتفضيل المحلي ثم ذكر أسبابًا أقل بكثير لتفضيل المدرب الأجنبي، لكنني في المقابل لم ألمسه أو حتى أشم رائحته من بعيد حين عدّد عيوب اللاعب الأفريقي (وهي كثيرة بالقطع) ثم مر إلى نقاط القوة والتميّز التي بدت أقل كثيرًا من العيوب.


اقرأ أيضًا: عائد إلى الاستاد: ذكريات أبو تريكة والعساكر وفُسحة الدرجة الأولى الممتازة


نجح فهمي في غرضه الرئيس من تأليف الكتاب "الاقتراب أكثر من الكرة الأفريقية بحيث لا تكون هاتان الكلمتان مبهمتين عند سماعهما، فلا يسود التعميم بسطحيته، بل يتوفر بدلًا منه فهم أفضل للعبة في القارة وإلمام بأهم محطات تاريخها".

ونجح أيضًا في أن يسد فراغًا كبيرًا في المكتبة الرياضية العربي التي لم تشهد، فيما أعرف، أي محاولة سابقة لقراءة المشهد الكروي في القارة السمراء. وربما لو تحرر المؤلف قليًلا من خوفه الشديد من أن يمل القارئ وينصرف عن القراءة، لخرج الكتاب بشكل أكثر تفصيلًا ودقة ولنالت بعض فصوله القدر الوافي من التفسير والتحليل، ولو لم "يترك حبل الكلمات على غاربها" على حد قوله لربما أيضًا خرج الكتاب بشكل أفضل من حيث التبويب.