تصميم: يوسف أيمن

تراث الخرافات: مقابلة مع ساحر لفك أسرار الطلاسم والتعاويذ

في حي فيصل بمحافظة الجيزة، أجلس في غرفة سيئة التهوية، يحسّن هوائها قليلًا رائحة بخور معتقة، منتظرًا الشيخ سلّام، أحد ممارسي السحر أو ما أسماه "الروحانيات".

وصلت إلى الشيخ سلام. أ، عن طريق صديق قديم في منتصف الثلاثينيات من عمره، قطع نحو 500 كيلو متر من سوهاج إلى القاهرة بحثًا عن علاج لتأخر إنجابه منذ 5 سنوات، وعندما تعثّرت الحلول لدى الأطباء لجأ إلى 3 من السحرة، وكان الشيخ سلّام رابعهم.

وفقًا للباحث البريطاني جون نن، في كتابه "الطب المصري القديم" فإن المصريين القدماء لجأوا إلى تعاويذ وتعازيم سحرية طمعًا في طرد الشياطين معتقدين أنها أحد أسباب الأمراض، وهي تشابه إلى حد كبير الأفكار الشعبية الحالية حول العلاج بالسحر. ساهم هذا في خلق تراث ضخم من المصنفات والمخطوطات العربية التي عنيت بالسحر والطلاسم، وبعض تلك المصنفات يقدم وصفات طبية لبعض اﻷمراض.

الغريب أن تلك المخطوطات السحرية/ الطبية، والتي تُرجمت من ثقافات شتى، مثل كتب الطب الروحاني، ومؤلفات البوني، أو تذكرة داود الأنطاكي، أو كتب الشعوذة تشكل تراثًا ضخمًا من المصادر التي يُعتمد على أكثرها حاليًا في طقوس السحر، ومع ذلك فإن الكتابات العلمية عنها فقير جدًا.

في طريقنا إلى الشيخ سلّام مررت بين عدة حواري ضيقة في منطقة فيصل بالجيزة، ووصلت إلى منزل من خمسة أدوار عليا ودور أرضي حالك الظلمة بلا إضاءة، دعاني سلام للدخول إلى شقة بالدور الأرضي تعج بالأطفال والنسوة، وقد التهمت الرطوبة واجهات جدرانها.

جلسة سحر

كانت تلك المرة الأولى التي أزور فيها سلّام، وعندما زرته في المرة الثانية، مدعيًا أني مصاب بالسحر، اعتذر طويلًا لأنه تركني انتظر بغرفة الاستقبال خلال زيارتي الأولى، قائلا "جلسة العلاج تكون خاصة دائمًا، لا يجب أن يراها أحد.. إنها أسرار الناس".

في بداية ثلاثينات القرن الماضي، بدأ عالم الآثار المصرية أحمد فخري (1905-1973) تسجيل النصوص السحرية المستخدمة في قرى مصر، وفي أواخر عام 1934 سجل فخري 50 تعويذة، لكن في الواقع فإن التعاويذ الموجودة أكبر من هذا الرقم بكثير، واحدة منها تلك التي أطلقها سلّام.

قرأ سلّام بعض التعاويذ السريعة وردد بعض الكلمات، قبل أن تدخل الطفلة مريم، صبية تخطت بالكاد عقدها الأول، جلست بأدب على طرف كنبة مهترئة، أسرّ إليها سلام بحديث فطأطأت رأسها ثم أغمضت عينيها وبدأت تتلو شيئًا بصوت خافت، واتجه سلام إليّ قائلا "هذه بنتي، فيها بركة ومكشوف عنها.. عليها خدمة".

كانت مريم تتلو كلمات كثيرة وتعاويذ لم أفهمها، وكان سلام ينظر إليها باهتمام بالغ، ومرت لحظات لتلقي الفتاة علينا كلمات غير مرتبة وهي مغمضة العينين، كأن تقول "مدفون/ مقابر/ بنت بنوت/ سمرا/ مسكينة/ مريضة/ سمرا/ اسم أو لقب/ تعطيل/ نكد/ نحس مستمر.

استوقفها سلام مرات كثيرة ليسأل عن تفسير تلك الأشياء، وكانت في كل مرة تصمت لحظات، أحيانًا تجيب بكلمات معدودة لم أستطع تفسيرها، وأحيانا أخرى تشير برأسها بالموافقة أو الرفض، كان الأمر يبدو كتمثيلية وتماسكت كثيرًا حتى لا أضحك، إلى أن وصفت مريم منطقة المقابر في قريتنا جنوبي سوهاج بدقة شديدة، قالت إن العمل مدفون هناك، في تلك اللحظة أصابني الفزع.

طلب سلام من الصغيرة، بأسلوب بدا دراميًا، أن تصرِف خادمها وترحل، واستغرق الأمر نحو 30 ثانية قبل أن تفتح عينيها وتزيل طرحة صغيرة من على رأسها وتذهب، وبدت أكثر غضبًا من بداية دخولها الغرفة.

سألته عن معنى "الخدمة" لم يجب بشكل قاطع، لكن عندما تحدثنا عقب انتهاء الجلسة، فسر لي ما يقصد؛ يعتقد سلّام أن الخدمة هي "جن/ خادم يوكّل بشخص واحد، ويقضي له بعض الحاجات"، حسب ادعائه.

جلس سلّام بجانبي وقال "فتاة سمراء عملة لك عمل ووضعته في فرج امرأة متوفية، سيحتاج الأمر لفكه أن نذهب لقريتكم لاستخراجه ووضعه في مياه بها ملح ونتلوا عليه العزائم".

سألته عن اسم هذه الفتاة أو السيدة لكنه تهرب، أدعى أنه لا يمكن إخباري باسمها وتحجج بأنه لو أخبرني باسمها ستفشل كل الحيل جميع الحيل لفك هذا السحر.

وفقًا لبحث نشرته مجلة الفنون الشعبية عام 1997 بعنوان التعاويذ السحرية، للباحث الدكتور السيد أحمد حامد، تعود أول تعويذة سحرية اكتشفت في مصر إلى القرن السادس عشر قبل الميلاد، غير أن تلك التعويذة تشير إلى أن السحر عرف قبل ذلك العهد بألف عام، حيث وجد بها أسماء آلهة وحيوانات مقدسة وجدت لهم تماثيل قبل اكتشاف تلك المخطوطات بزمن كبير.

روشتة جيوش الجن الصالح

منحني قبل رحيلي روشتة مؤقتة لحين الذهاب إلى القرية واستخراج العمل من المقابر، طلب مني شراء 10 كيلو ملح ونثره في زوايا البيت، إلى جانب شراء ماء الورد وأنقع به ورق السدر لمدة 14 يومًا، وعند الاستحمام أضع ماء الورد على جسدي، وتلاوة آيات معينة من القرآن.

لم يكف سلام خلال حديثه عن الادعاء بقدرته على ممارسة السحر، "يتعامل مع جن صالحين، ولديه جيوشًا من الخدم يسلسل بهم مردة الشياطين ثم يجذبهم مرة واحدة فيدمرهم، أو يضربهم بسيف فيفتتهم ويفرق جمعهم". سألته؛ هل لا يزال الجن يحاربون بعضهم بالسيوف والسلاسل ولم يصنعوا أسلحة أكثر تقدمًا مثلنا، نظر لي باستياء لثوانٍ ثم أعرض عن سؤالي وقال "أعمار الجن طويلة، قد يصل عمر أحدهم ألف عام، لذا فإن بعض السحر يستمر إلى ممات أحدهم".

يزعم أن تكرار العزائم باللغة السريانية لها تأثيرًا أكثر من غيرها، لأن السريانية لغة مقدسة على حد قوله، تكرار الكمات بعدد معين دون زيادة أو نقصان، كما أن السر ليس أن تقرأ بعينيك بل أن تردد بلسانك. ويقول إن هناك أسماء وعزائم لا حصر لها في كتب السحر، وبعضها يستخدم للشيء ونقيضه، لذا يجب تعلم الروحانيات من ممارس أقدم، والاستعانة بالكتب وقت الحاجة.

عندما هممت بالرحيل، اصطحبني سلّام إلى آخر الشارع، اعتذر كثيرًا لاضطراره أخذ مائتي جنيه نظير جلسة العلاج، لأنه يشتري أشياء كثيرة "للخادم وجيوش الجن الصالح".

غادرت حي فيصل وأنا افكر في زيارة المستشرق البريطاني، إدوارد وليام لاين، لمصر في منتصف القرن التاسع عشر، في كتابه عن عادات المصريين رأى أنهم "أكثر الشعوب العربية إيمانًا بالخرافات، بل إنهم يتميزون عن بلدان الشرق بأن المسلمين والمسيحيين واليهود يتبنون خرافات بعضهم بعضًا".

قدم الكتاب الذي يوثق زيارة وليام لاين لمصر بين عامي (1825- 1828) وصفًا لبعض ممارسات السحر والشعوذة لم تتغير كثيرًا عن الممارسات التي رأيتها عن سلّام. ويبدو أن السحر من أكثر المعتقدات الشعبية مقاومة للتغير أو التطوير اللهم إلا محاولاتها على استحياء تقدم ما يناسب العصر.

التعويذة

أنتج التنوع الديني الذي مرت به مصر خرافات لا حصر لها ومع ذلك هضمها المصريون، خاصة تلك التي تجد لها سندًا دينيًا، ففي القرآن تغلب موسى على السحرة، وأبصر عيسى الأعمى، وفي السيرة السلفية، سُحِر لمحمد وأصيب بالحمى

وكنتُ شاهدُا على استدعاء قس لعلاج طفل مسلم قيل إن به مس من جن مسيحي، حسب ظن البسطاء في قريتي بجنوب الصعيد التي يحتفظ فيها الساحر بمكانة مميزة تشبه مكانة رجل الدين.

قسّم عالم الآثار المصرية أحمد فخري (1905-1973) التعاويذ إلى 4 فئات، هي النص الذي يتلوه الساحر في البداية والمسمّى بـ"صرف العامر"، ويقصد به إخلاء المكان من الكائنات السماوية المقيمة لاستدعاء كائنات أخرى، حسبما يعتقد. أما الفئة الثانية، فهي النص الذي يُتلى لاستدعاء الكائنات السماوية الأخرى أو الخادم، والتي يستعان بها على الغرض، والفئة الثالثة وهي النصوص سلبية القصد، لإلحاق ضرر بالآخرين، أما الفئة الرابعة، نصوص بقصد تحقيق الفائدة.

ويعد أحمد بن علي البوني الذي رحل 1225 ميلادية، أحد أغزر علماء العرب إنتاجًا للمصنفات التي عنيت بالسحر والطلاسم والتعاويذ، وإليه ينسب أكثر تلك الكتب أهمية ورواجًا لدى ممارسي السحر، مثل شمس المعارف ومنبع أصول الحكمة.

أدوات السحر

قرب منطقة العارف بسوهاج، التقيت الشيخ أحمد، وهو رجل تخطى عمره الستين، يشتعل الشيب في لحيته، اختار لنفسه هذا الاسم المستعار، مدعيا أنه اسم "الخادم" الذي سخره لقضاء مصالح الناس، يعتقد أنه يندمج هو وخادمه معًا ليصبحا شخصًا واحدًا، فأحيانا قد يتحدث الخادم بدلًا منه أو يتحدث هو بدل "الخادم"، حسب ادعائه.

لا يمنح الشيخ أحمد زائريه أي تقدير، كان فظًا، وعندما طلبت مقابلته وأخبرته بهويتي الصحفيه لم يمانع، طلب مني تحديد موعد ومنحني رقم هاتفه لأحدثه قبل المجيء له بيوم ورأى أنني احتاج للعلاج من السحر أكثر من المقابلة.

حين طلبت منه عبر الهاتف مقابلته وجهًا لوجه رده بـ"مش لازم نتقابل، حتى لو عايز عمل أو علاج ممكن أعالجك بالتليفون وتبعت الحساب بالبريد"، سألتُه كيف تعالج عبر التليفون؟ قال "هاتجيب كوب ماء ثم اقرأ عبر الهاتف، لأن التعويذة هي بمثابة أمر للخادم ليتحرك للخير أو للشر، المهم اسمك واسم الوالدة، وتبعت الفلوس بالبريد".

روى لي "السحر إما علوي، ويستخدم لقضاء مصالح وحاجات فيها خير أو علاج، وإما سفلي ويستخدم للأغراض الدنيئة، وإيذاء الناس". يضيف "هناك مواد أساسية للسحر، منها البخور، والحبر، والطلسم، ثم اختيار الوقت والساعة، فلكل يوم ووقت طلسم معين، وهناك ساعات نحس لا تصلح لأعمال الخير والعكس، كما تختلف الطلاسم باختلاف طالع الإنسان، مثلا ما يصلح لمن طالعهم الدلو لا يصلح لمن طالعهم الميزان".

يتابع "يستخدم لكتابة طلاسم السحر العلوي عدة مواد تخلط بالحبر منها العسل، والزعفران، وماء الورد، والمسك، أما في الأعمال السفلية فيخلط الحبر بأشياء أخرى تتناسب مع غرضه مثل دم الخفاش، دم القط، أو خلط الحبر ببول صبي أو مني رجل، أو بدم الحيض".

قبل أن ينهي الشيخ أحمد المكالمة بشكل فظ، طلب أن أحدثه مرة أخرى بعد يومين إن كنت أحتاج لعمل أو علاج.

"الفيزيتا"

في قرى مصر خاصة الصعيد، يحتفظ الساحر، الممارس لتلك المهنة كعمل إضافي، بمكانة مميزة، يلجأ إليه المرضى طلبًا للعلاج، والأصحاء الذين يطلبون إيذاء أعدائهم مثلًا، والأغنياء للاستخارة، والفقراء لجلب الحظ، فضلًا عن طالبي الزواج، وأصحاب المشكلات العابرة.

تكلف زيارة الساحر مبالغ تبدأ من مائتي جنيه وتصل إلى 3 آلاف جنيه وربما أكثر في حالات خاصة أخرى، إلى جانب ذلك، تمتد الممارسات السحرية باستخراج الآثار من الأرض، معتقدين أن لكل "لقيّة" حرّاس وملك من الجن، لذا يستعينون عليه بالسحر الذي يسترضيهم أو يهلك أولئك الحراس.

أنواع الطلاسم السحرية

تزعم عدة مراجع عربية قديمة أن بعض الطلاسم يجب أن تكتب بلغة خاصة، كما يذكر ابن وحشية النبطي في مصنفه الفريد "شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام"، ومع أن ابن وحشية تناول حل رموز اللغات القديمة، وإليه ينسب أول محاولة لحل رموز اللغة الهيروغليفية، إلا أنه يقدم أبجدية غريبة تكتب لرموز الطلاسم، ولا يقف الأمر عند هذا بل يجعل لكل كوكب أبجدية معينة.

ظهر ارتباط الحروف والأرقام بالسحر عقب ظهور علم الحروف الذي ولد في الصين بداية الألف الثانية قبل الميلاد، ومنها انتقل إلى الهند وفارس، وعندما ظهرت الفلسفة الفيثاغورية باعتبارها مدرسة مميزة في اليونان كان أبرز ما في مذهبهم اعتقادهم بأن لتلك الأعداد وجود حقيقي مستقل خارج عقولنا، ومن ثم تطورت الفكرة في استعمال الطلاسم والسحر.

أما أقدم استخدام للفظ طلسم يمكن أن نصل إليه، كان في القرن الثامن الميلادي، ذكره وهب بن منبه (654- 632 ميلادية) بمعنى تمثال في كتاب له "التيجان في ملوك حمير"، لكن ابن عربي الذي ولد في القرن الثاني عشر الميلادي قدم تفسيرات عجيبة للطلسم، منها أنه سماه كذلك من مقلوب الاسم "مسلط"، لأنه يسلط على كل من وكل به، ولما له من تسلط على العقول ومنها العلوم النبوية والأخبار الإلهية، لذا فإن كل مسلط طلسم، في ذلك الوقت كانت لفظ "طلسم" بديلًا لـ"المربعات السحرية".

وعلى الرغم من ارتباط الطلاسم بالسحر بشكل خاص، إلا أن ابن خلدون، يفرق بين الاثنين، ويعزي نشرهما في الكتابات العربية إلى جابر بن حيان، الذي تناول لأول مرة في رسائله صفة الخاتم السحري، ورسم المربعات.

ويعتمد استخدام الأرقام في عمل الطلاسم على حساب الجمل، الذي يطلق عليه أحيانا "علم أسرار الحروف"، ويعني وضع مكافئ رقمي لكل حرف من حروف الأبجدية، كما يوضح الجدول.

اقرأ أيضًا: ما وراء الأبجدية: حظك ومستقبلك ورزقك في حروف اسمك


لم يهتم حساب الجمل بمنح أية أرقام أو حروف قدسية أو مزية خاصة، لكن ثمة كتب نسبت للفيلسوف الإسلامي ابن سينا، المولود عام 980 ميلادية، اعتبرت أن رقم 7 هو أكثر الأعداد تميزًا، لأن للكون 7 أفلاك، في كل فلك كوكب، ولكل كوكب مربع سحري مخصوص، ومن ثم ينتج لنا من هذه المربعات تراكيب أخرى يصعب حصرها.

وفي القرن العاشر الميلادي، ظهر إخوان الصفا، الذين اعتبروا فيما بعد أن العدد أصل الموجودات ورتبوه على الأمور الطبيعية والروحانية، واعتمدوا في ذلك على المربعات، تيمنا بالعدد 4.

كان إخوان الصفا يرون أن لكل عدد فضل على الآخر، حتى أنهم في الرسالة الأولى يقولون إن الأمور الطبيعية جعلها الله في مربعات مثل الطبائع الأربعة، والأركان الأربعة، والأخلاط الأربعة. يكرر البوني في مصنفاته تلك أن لكل كوكب ملاك، يهتم بما يرسمه الناس من طلاسم الخير والشر، فمثلا عطارد يسكنه ميكائيل، والمشترى يسكنه إسرافيل، وزحل يسكنه عزرائيل، على حسب زعمه.

تشيع في أكثر كتب السحر نظرية الأفلاك السبعة، والتي اعتبرت أن هناك سبعة كواكب منهم الشمس والقمر، وتطورت تلك النظرية فيما بعد فظهرت مربعات مجموع صفوفها 15 و34 و65 و111 و175 و260 و369، ونسب إلى تلك المربعات فوائد لا حصر لها، وكان الشرط دائمًا لاستخدامها هو رسم المربع في وقت معين وبحبر معين، ثم يلقى تعويذة معينة وبخور يختلف باختلاف سبب السحر.

وتبدو هذه التصنيفات للكواكب السبعة السيارة مقدمة لممارسات لا حد لها، فإلى جانب أن تلك الأرقام تعتمد على حساب الجمل التي تعني استبدال كل عدد بحرف معين، فهناك أيضا الأرقام المتحابة، القليلة الوجود، واستخدمت في سحر المودة والألفة.

الحروف والأعداد "بي كان ما كان"

ومثلما تستخدم الطلاسم الأعداد لتشير إلى حروف بعينها، وترى أن لكل حرف مربع خاص، فإن ابن عربي يرى في كتابه "الفتوحات المكية"، أن الحروف أمة من الأمم، مخاطبون ومكلفون، وفيهم رسل من جنسهم، ولهم أسماء من حيث هم، ولا يعرف هذا إلا أهل الكشف.

يقول ابن عربي إن "عالم الحروف" عوالم متعددة، ولكل عالم رسول من جنسهم، ولهم شريعة يتعبدون بها، وفيهم العامة، والخاصة، وخاصة الخاصة، وصفاء خلاصة خاصة الخاصة، ويكتفي بذكر حرف واحد وهو الباء بأنه خلاصة خاصة الخاصة، لكنه لم يفسر سبب اختياره هذا الحرف تحديدًا.

ما ذكره ابن عربي بشأن الباء، يفسره كتاب نادر يحمل اسم "التحفة المرضية" نشر لأول مرة في 1886، إذ يدّعي أن معاني كتب الأنبياء جمعت في القرآن، وأن معاني القرآن جمعت في الفاتحة، وأن معاني الفاتحة جمعت في البسملة، وأن معاني البسملة جمعت في بائها، وأن الباء معناها "بي كان ما كان، وبي لا يكون ما لا يكون".

إلى جانب حرف الباء "ب" المقدس هناك أيضا حروف أخرى لم تشملها آيات سورة الفاتحة، واعتبرت تلك الحروف أن لها قدسية وأسرار خاصة، وهي سبعة أحرف؛ ف، ش، ث، خ، ظ، ز، وبحسب اعتقادهم فإن كل حرف منها يرتبط باسم من أسماء الله، فالظاء ظاهر والثاء ثابت والشين شديد وهكذا، ولكل اسم من أسماء الله خاتم "يعني طلسم"، وخادم "يعني جن" أو ملاك.

مثلًا، يعتقد البوني أن لهذه الأسماء "تصريفات خفية"، كما ترتبط بالكواكب السبعة "الأفلاك السبعة"، والكواكب السبعة هي الشمس والقمر و 5 كواكب أخرى، اعتقد العلماء قديما وجود كل كوكب منها في سماء أو فلك، باعتبار أن السماوات سبع. ولأن الكواكب سبعة والحروف سبعة، وأيام الأسبوع سبعة، فذكر البوني أن لكل حرف من تلك الحروف عمل سحري وطلسم يختص بقضاء حاجات معينة.

اعتقد البوني أن الأحرف السبعة التي لم تذكر في الفاتحة يشير كل حرف فيها إلى اسم من أسماء الله، ولكل اسم طلسم وخادم، لا يكتفي البوني بذلك بل يدعي أن لكل اسم من أسماء الله إذ حولناه إلى أرقام بحساب الجمل وكانت النتيجة رقما فرديا فإنه يصلح لأعمال القبض "الأعمال والطلاسم السيئة"، وإذا كان الناتج رقمًا زوجيا فإنه يصلح لأعمال البسط "الأعمال والطلاسم التي فيها خير".

ساحر وفلاح

(و. أ.) رجل في بداية الستين من عمره من محافظة قنا، يمارس السحر كعمل أساسي إلى جانب الزراعة، ويدّعي أن لديه "خدمة شديدة تُغيّر الأحوال"، حتى أن نجله الذي زاملني في سكن الجامعة قبل 10 سنوات، كان يربط حجاب به طلسم يعتقد أنه يجلب الحظ ويدفع الشر، وعندما تواصلت مع زميلي القديم بعد كل تلك المدة، عرفت أنه ما زال يحتفظ بنفس الحجاب.

في اتصال هاتفي يقول (و. أ) إن الطلاسم تبدأ بالمثلث "يقصد ثلاث خانات"، ثم المربع، والمخمس، إلخ، ولكل طلسم عدة طرق واستخدامات، لكن أفضلهم هو الطلسم المكون من ثلاث خانات، وهو على حالته الأصلية، حسبما يقول.

يدعى، أن هذا الطلسم المكون من ثلاث خانات، يستخدم في الخير وفي الشر، وفي حال الشر يكتب رموز وتعاويذ أخرى حول الخاتم من أعلى اليمين إلى أسفل ثم إلى أعلى شمال المربع السحري، وفي حال الشر تكتب من اليسار إلى اليمين، ويتبع ذلك بخور وتعاويذ معينة، لم يشأ أن يخبرني بها.

يتابع "لازم تكون ممارس عشان تعرف تستخدم التعاويذ والطلاسم، كل اللي بقولك عليه قشور، هناك أسرار أخرى لا يمكن لأحد أن يخبرك بها، وكمان فيه خلوات دائمة، وأذكار معينة قبل أن تعرف أسرار الروحانيات، ويكون معك الخدمة، وليس كل شخص مؤهل لذلك الأمر".

يضيف أن الأرقام تستخدم أحيانا للدلالة على اسم من أسماء الله الحسنى حسب حساب الجُمّل، مثل لفظ الجلالة الذي يساوي 66 بحساب الجمل، وقد يوزع هذا الرقم ليصبح مجموع كل صف يساوي 66، وله استخدام لنيل الهيبة والمحبة والزواج، وكما نستخدم حساب الجُمّل الصغير وهو تحويل كل حرف إلى مقابل رقمي، فهناك أيضا "حساب الجمّل الكبير" وهو تحويل الحرف نفسه إلى حروف أخرى، ثم نحول تلك الحروف إلى أرقام، مثلا حرف "أ" يصبح "أ، ل، ف" ثم تتحول تلك الحروف إلى أرقام، وهي أقوى في السحر، حسب ادعائه.

السحر والسيمياء

يذكر الدكتور سليمان محمود في بحث له "المربعات السحرية في التراث العربي" أن أكثر المصنفات السحرية تدعي أنها تقدم معارف تقع في نطاق علم السيمياء، أو الكيمياء السحرية، التي كانت غاية ما يشتغلون بها تحويل المعادن الخسيسة إلى معادن نفيسة، وفي طليعة تلك المؤلفات كتاب الروابيع الذي ترجم من اللاتينية إلى العربية عام 1200 م تقريبا، واحتوى على عدة وصفات سحرية.

يتابع أن أكثر كتب السحر والعرافة تنسب معارفها إلى مصنفات أفلاطون، باعتباره الملقن الذي يلقن أصول العرفة والتكهن بالمستقبل، استنادا إلى عمليات حسابية تطبق على الشخص، ثم تتحول التعاويذ لتسير على نفس تقسيم العناصر الأربعة، مثلا الشفاء من الحمى يلزمه تعويذة مؤلفة من الحروف الباردة أي المائية.

ومنذ القرن الخامس قبل الميلاد ظهرت نظرية العناصر الأربعة الأولية وهي: الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، التي تكون العناصر الأربعة: النار، والماء، والهواء، والتراب، وكانت نظرية العناصر هذه ذات أهمية كبيرة في أعمال السحر بما في ذلك ما يتعلق بالمربعات السحرية، وما زال يعمل بها في الطلاسم الحديثة.

سر الاسم الأعظم

يخبرنا القرآن أن الله سخر الجن لنبي الله سليمان، وعندما قرر أن يلتقي بلقيس ملكة سبأ، طلب من حاشيته أن يجلبوا له عرشها، قال أحد الجن إنه يستطيع أن يجلبه قبل أن يقوم سليمان من مقامه، لكن أحد الحضور من الإنس قال إنه يستطيع أن يجلبه قبل أن يطرف سليمان بعينه.

هذه القصة التي وردت في القرآن، ألهبت اجتهادات المفسرين، الذين اعتقدوا أن هذا الرجل الذي "جلب عرش بلقيس قبل أن يطرف سليمان بعينه" استخدم اسم الله الأعظم الذي لا يُمنح إلا لخاصة الخاصة من الأولياء، الذين بلغوا مرتبة عالية في العبادة، وبهذا الاسم يمكنهم خرق العادات وفعل المستحيلات.

على جانب آخر، خلق هذا التفسير مجالًا واسعًا أمام كتب السحر ليهتموا بأسماء معينة لله، مدعين أنها الاسم الأعظم، مثل لفظ الجلالة- الملك- هو- ذو الجلال والإكرام، إلى جانب آيات معينة لكن لا أحد يوضح لماذا هذه الأسماء وتلك الآيات بالذات.

لا تنتهي كتب الطلاسم والسحر من ادعاء أن بعض المربعات تحتوي على "الاسم الأعظم" الذي تتحقق به المعجزات، بل تضع لكل اسم مربع سحري خاص، ثم تدعي أن مجرد ذكر ذلك الاسم بعدد معين يتبعه منحة غير عادية.