صورة من صفحة إليسا على فيسبوك

النسيان عند إليسا وكونديرا وفرويد: عن معضلة الحب الأول ودوافع الانتقام

إن الرغبة في نسيان شيء لا يؤدي سوى لأن تتذكره، فإذا أردت نسيان أمر فتعمّد تذكره، والعكس..

أفقت في الصباح على صوت إليسّا داخل ميكروباص وهي تقول "وفكرة أني انسى بتفكرني بيه"، استوقفتني الجملة، فبدأت متابعة الأغنية.

تدور القصة هنا حول امرأة تنتحب على أطلال حب مضى، لا يوجد في الكلمات ما يدل على خيانة من كانت تحبه، لكن قصتهما الآن انتهت وتبكي على زوال حبها، وتعترف بأسطورية هذا الحب، "قلبي معادش هادي، ولا بحياته راضي، لو كان حب عادي، كان مقدور عليه".

اللافت في الأمر أنها لا تريد النسيان، ربما لأنها لا تريد الاعتراف بالفشل، وربما لأنها لا تريد الاقتناع بزوال ما رأته ذات يوم، وهذا إخلاص منها للحب وليس للمحبوب، فمن كانت تحبه لا يعنيها في شيء، إنما يعنيها الحب ذاته.

هي امرأة ضعيفة بلا شك، لكنها كانت مخلصة ذات يوم، وهذه دومًا عاقبة المخلصين.

يطرح موضوع أغنية إليسا "بطلي تحبيه" عدة أسئلة، هل ينسى المرء حبه السابق؟ أو هل ينسى المرء أصلًا؟ وكيف سنتعامل مع الحب الجديد، إن هو أتى، أو إن أردنا مواربة باب القلب لتنسّم هواء حب جديد؟

لن يعيننا في الإجابة على هذه الأسئلة، وفي معالجة داء الحب الأول سوى "ميلان كونديرا"، الأديب الذي دارت أغلب أعماله حول سردية "الخفة/الثقل"، وهو ذاك الأديب الذي أقام للامعنى عيدًا، واحتفى بالتفاهة، واعتبرها وسيلة خلاصنا، في عالم غليظ القلب يسير نحو حتفه بسرعة الصاروخ وهو مغمض العينين.

في "رواية الحب في زمن الكوليرا" للروائي الكولومبي، جابرييل جارسيا ماركيز، تزوجت "فيرمينا داثا" من رجل آخر غير "فلورنتينو" الذي أحبته وأحبها، لرفض أبوها أن يزوجها له، وتحوّل"فلورنتينو" بعد زواج محبوبته إلى مسرف في التردد على بيوت العاهرات.

لكن المرأة التي تحكي قصتها أغنية إليسا "بطلي تحبيه" قررت الانتحار وفاءً لحب انتهى لا نعرف سبب لانتهائه، كل ما نعرفه هو أن هذه المرأة تبكي على أطلال حب ولّى. تستهزئ المرأة في الكوبليه الأول بكل نصائح نسيان حبيبها الأول، وتعلّق قائلة "كلام سهل وبسيط بس مين اللي يعمل به؟".

قرار قهري

إذا نظرنا لرأي الفيلسوف الألماني، إريك فروم، الذاهب إلى أن الحب قرار وليس شعور، لاعتبرنا ما تقوله هذه المرأة محض مكابرة، وأن عدم رغبتها في تخطي هذا الحب نوعًا من المازوخية أو استعذاب للألم، لكن من ذاك الذي يجرؤ على اعتبار الحب بأنه قرار؟.

الحب الصادق في عمقه شعور قهري، يدفعنا للانجذاب نحو شخص معين دون سواه ومن دون معرفة السبب، وهذه هي معجزة الحب، وكل محاولة لمنح الحب أسبابًا منطقية هي محاولة فاشلة، ولن تكون مقنعة بأي حال من الأحوال.

نُدبة الحب الأول

تكمن مشكلة الحب الأول في أمرين؛ الأول انحفاره في اللاوعي (طالما فهمنا أن اللاوعي مادة خادم تتشكل من تجاربنا الأولى، كالتنشئة الاجتماعية، وذكريات الطفولة) ومن هنا تأتي صعوبة تخطيه.

ولو كان الأمر متعلقًا بالوعي أو الأسباب المنطقية لكان من السهل تخطي هذا الحب البكر، فبعد نضوجنا ندرك أن حبنا الأول كان محض سذاجة (هذا على صعيد الوعي) ومع ذلك تظل نُدبته محفورة في لاوعينا.

أما الأمر الثاني الذي تنبع منه معضلة الحب الأول، فهو ذاك المتمثل في كونه يظل عالقًا في القلب ولو على سبيل الذكرى، ومجرد تذكر المحبوب الأول حال دخولنا في حب آخر بعده خيانة.

تقول "فاكرة كل همسة، حاسة كل لمسة" وهذا ليس مؤلمًا في الحاضر فحسب، ولكن سيكون مؤلمًا أكثر فيما بعد حال تجربة حب آخر.

وهل يمكن لحب أن يزيح حبًا آخر؟

لا يقتصر الأمر عند البعض على مجرد التذكر، بل ستجري، وربما بشكل لا واعي، مقارنة بين "حبيب زمان وحبيب بعدين".

إذًا، يفسد الحب الأول القلب، ويترك فيه نُدبة، فلم يعد أخضرًا ولا غضًا كما كان، وهنا تكمن إحدى مشكلات هذا الحب حيث ينقش وشمة على القلب، ويكوي الوجدان.

إجبار التكرار والفشل اللاحق

طرح عالم النفس الألماني، سيجموند فرويد، في كتابه "ما فوق مبدأ اللذة" تجربة أسماها "إجبار التكرار" حين لاحظ على مرضاه شعور يدفعهم إلى تذكر كل الخبرات السابقة والذكريات المؤلمة، وهو الأمر الذي اعتبره بدائيًا وغير مبرر.

يكون القلب طفلًا فتنشأ العاطفة عبر الحب الأول، لأنه التجربة الأولى، من هنا جاز لنا أن نطبّق نظرية "الهابيتوس" التي اقترحها عالم الاجتماع الفرنسي الراحل بيير بورديو، فهو يرى أن هذا "الهابيتوس" هو مخزن خبراتنا في الماضي، والتي اكتسبناها، خلال مراحل النشأة الاجتماعية المختلفة، والتي نبدأ، وبشكل لا إرادي، في الاستجابة مع الوقائع والحالات المختلفة وفقًا لها.

إنها بمثابة المحرك الأساسي لتصرفاتنا، ومفتاح فهم سلوكنا برمته، وهذا (الهابيتوس) أقرب ما يكون إلى اللاوعي عند فرويد.

ووفقًا لطرح فرويد عندما نقنع أنفسنا بأننا تجاوزنا حبنا الساذج الأول، ونقرر فتح نوافذ القلب لتنسم هواء حب جديد، أتدري ما الذي سيحدث؟ لا شيء سوى تكرار ما فات، تكرار كل ما قلناه وفعلناه أثناء الحب الأول مع المحب الجديد. قد يحدث هذا على غير إرادة منا لكنه يحدث على كل حال.

لكن الأسوأ من ذلك إسقاط عيوب الماضي على حب الحاضر، نشرع في الانتقام من المحب الراهن طالما لم نستطع الأخذ بثأرنا من ذاك الذي غرس خنجرًا في قلبنا وولى، وترك ندبة في القلب والروح معًا، الأمر الذي يعني أننا سنفشل مجددًا، في كل مرة، لأن حياتنا العاطفية ستكون تنويعًا بائسًا على لحن الحب الأول.

يعبّر ميلان كونديرا في رواية الجهل عن مبدأ "إجبار التكرار" الفرويدي قائلًا "للحياة التي نخلّفها ورائنا عادة خروجًا سيئًا من الظلمات، وتقديم بعض الشكايا وفرض الأحكام علينا"(1).

هل الموت يحرر؟

موت من تحب دون أن يؤذيك سيعظّم أسطورته في قلبك، ولن يمحى حبه بل ستظل راهبًا في صومعة الوفاء له، وحتى لو لم يمت ورحل فقط دون أذى، فستظل وفيًا له ما حييت، وقد يكون من النبل أحيانًا أن نتمنى موت من نحب شفقة عليهم من جحيم الحياة، ورغبة منا في قول وفعل ما نريد بحرية تامة دون أن يكون لذلك أي وقع سلبي عليهم.

شانتال في رواية "الهوية" لميلان كونديرا، رأت أن موت ابنها الوحيد حرية، بل وهدية ربانية، فقد سمح لها هذا الموت بكره العالم الحقير الذي تمقته عن جد، فالأولاد يربطونا بالعالم، ولما لم يعد أولاد لنا يصير بوسعنا إطلاق رصاصة الكره على هذا العالم.

تقول شانتال متحدثة إلى وليدها المفقود "أريد أن أقول لك الآن بعد سنوات من رحيلك، بأنني فهمت موتك كهدية، وانتهى بي المطاف إلى قبول هذه الهدية الرهيبة"(2).

هل النسيان دواء؟ هل ممكن؟

يطرح ميلان كونديرا علاجًا لكل معضلاتنا في الحياة إلى جوار سردية الخفة التي أسرف في التلحين عليها في كل روايته، فهو ينصحنا بأن نعتبر كل شيء في الحياة مؤقتًا؛ الفرح، الحزن، الحب، الصداقة.. إلخ فيقول "لن نفهم شيئًا عن الحياة الإنسانية ما لم نصر على انتشال أول البديهيات، جميعها: أن واقعًا لا يبقى كما كان واسترداده محال"(3).

لكن إليسا تُختتم أغنيتها "وفكرة إني انسى بتفكرني بيه"، وبغض النظر عن أن هذه الجملة تضرب رأي "فروم" الذاهب إلى أن الحب قرار وليس شعور، في مقتل، فإنها تشير إلى أمر آخر وهو قهرية الحب، وحتمية التذكر.

إن الرغبة في نسيان أمرٍ لن تؤدي إلا إلى تذكره، فإذا أردت نسيان أمر فتعمّد تذكره والعكس.

وعلى كل حال، فالنسيان دواء حقيقي، والرغبة في الحذف والمحو كذلك، ولقد كان نيتشه يقول "من ينسى سليم"؛ فلا شيء أشد ألمًا، وأكثر جلْبًا للاكتئاب والضجر من التذكر.

آهٍ لو تمكنا من محو الماضي من لوحة ذاكرتنا. آهٍ لو استطعنا إيقاف وقوع الحاضر في فخ الماضي والرعب من الأبدية معًا! لأصبحنا أصحاء تمامًا.

من ينسى ليس سليمًا فحسب، بل خفيفًا كذلك، ألم تكن المشكلة التي أفسدت حياة "تامينا" في رواية الضحك والنسيان لميلان كونديرا هي عدم قدرتها على النسيان؟

لكن العلاج الذي يقدّمه كونديرا لكلٍ من تامينا وكل امرأة أو رجل أرهقته الذكريات يتمثل في "نسيان النسيان".

يقول الشاب المعجب بتامينا:
- إن النظرة الحزينة التي ينظر بها إلى الماضي لم تعد تعبيرًا عن وفاء لشخص ميت؛ لأن الميت اختفى من مجال بصرها، ولم تعد تنظر إلا في الفراغ.
- في الفراغ؟ ولكن ما الذي يُثقل نظرها إذًا؟
- إنه ليس مثقلًا بالذكريات، بل بالندم، فهي لن تغفر لنفسها أبدًا أنها نسيت.
- ما الذي يجب أن أفعل؟

يأتي الجواب على لسان الشاب والعلاج على لسان "كونديرا"
- أن تنسي نسيانك (4).

وبعدما تناولت تامينا دواء الخفة، وانتهجت سبيل التخلص من ضغط الذكريات تعافت تمامًا. ويصف كونديرا حالها بعد التعافي قائلًا "لقد عادت إلى الوراء بعيدًا، إلى فترة لم يكن فيها زوجها موجودًا، لا في الرغبة ولا في الذكرى، وحيث لا وجود لثقل ولا ندم"(5).

إنها تلك العودة مرة أخرى إلى الطفولة، طفولة القلب، وعذوبة اللاوعي، إنها رحلة العودة إلينا قبل انغراس الخناجر في قلوبنا، وقبل تشكّل الذكريات المزرية في وجداننا، وهكذا يمكننا، عبر الخفة واعتبار كل شيء مؤقت، أن ننسى، أن نعيش.


مراجع المقال

1- ميلان كونديرا. الجهل، المركز الثقافي العربي، ترجمة: رفعت عطفة، الدار البيضاء، المغرب، ط 1، عام 2000، ص 59.

2- ميلان كونديرا. الهوية، المركز الثقافي العربي، ترجمة: محمد التهامي العماري، الدار البيضاء، المغرب، ط 1، 2010م، 52.

3- ميلان كونديرا، الجهل، مرجع سابق، ص 80.

4- ميلان كونديرا، الضحك والنسيان، المركز الثقافي العربي، ترجمة: محمد التهامي العماري، الدار البيضاء، ط 2، عام 2015م، ص 180.

5- المرجع نفسه، ص 194.