جانب من ملتقى ميدفيست وجه قبلي - الصورة من إدارة المهرجان

مؤسس ملتقى ميدفيست مصر: التواصل بين الطب والسينما يخلق مزيدًا من الدراما

"أنا استفدت بنفسي كطبيب من المهرجان، لأن الطبيب يبحث في النفس الإنسانية من المريض والجانب الإنساني من المرض، والملتقى أستطاع أن يخلق ذلك بشكل عميق خلال 3 أعوام". هكذا يرى النجار تجربته الشخصية مع ميدفيست مصر

يرى الفنان والطبيب مينا النجار أن الحالة الطبية لأي شخص هي "نقطة درامية بامتياز". واستنادًا على ذلك ومن أجل إيجاد أرضية مشتركة بين الطب والأفلام السينمائية، أسس عام 2017 ملتقى ميدفيست مصر السينمائي، الذي شهدت مدن في صعيد مصر مطلع هذا الشهر نسخته الأخيرة والتي ناقشت ما يتعلق بصحة المرأة، حيث يحتشد الجمهور بصحبة نخبة من المتخصصين في السينما وعدد من الأطباء، لاستكشاف كيف يمكن أن تصبح السينما وسيلة للنجاة.

يحاول ميدفيست مصر السينمائي استكشاف ذلك؛ متأثرًا بنسخته البريطانية، ليصبح النسخة العربية الوحيدة والملتقى الأول عن الطب في الأفلام، بتقديم مجموعة من الورش الفنية بجانب عروض الأفلام السينمائية المختارة ومناقشتها وتحليلها، والتي امتدت جولاتها الأخيرة في محافظات أسيوط وسوهاج والأقصر مطلع سبتمبر/ أيلول الجاري.

شهدت الدورة الأخيرة من الملتقى عرض تسعة أفلام من خمس دول مختلفة تتعلق بصحة المرأة، كان من بينهم الفيلمان المصريان صباح الفل، ابن بنوت، والأميركي Push، ومن الإمارات فيلم أمنية.

لماذا في مصر؟

جانب حضور مهرجان ميدفست مصر وجه قبلي، مصدر الصورة من إدارة المهرجان

يوضح النجار في مقابلة مع المنصة أهمية "وجود مساحة تواصل بين صناع الأفلام والأطباء، لأن الحالة الطبية هي نقطة تحول درامية بالأساس، ومن الطبيعي أن تجد عدة أفلام تحتوي على معلومات طبية هامة وتفاصيل مؤثرة في الأحداث".

مينا النجار طبيب بشري، يعمل أخصائيًا للتغذية العلاجية، كما أنه عضو الجمعية الأوروبية للتغذية. بالإضافة إلى ذلك فقد شارك كممثل في العديد من المسلسلات والأفلام، وحصل كمخرج على العديد من الجوائز.

دَفعته خلفيته الطبية والفنية لتأسيس ملتقى يجمع السينما والطب في مصر، موضحًا "خبرتي في مجال الفن أعطت لممارستي الطبية بعدًا إنسانيًا، فضلاً عن تأثري بعملي في الطب ووعي بالحالة الطبية للإنسان، التي أضفت بعدًا اَخر أيضًا خاص بتناول الدراما".

ولكن عندما نقل النجار تجربة ميدفيست من بريطانيا إلى مصر نقلها ببعض الاختلافات، موضحًا أن "ميدفيست المملكة المتحدة يقام داخل أروقة الكلية الملكية للطب النفسي للأطباء فقط؛ على أن يعرض عدد قليل من الأفلام يتراوح ما بين ثلاثة أو أربعة أفلام في النسخة الواحدة، على عكس ما يحدث في ميدفيست مصر".

تابع موضحًا أن النسخة العربية من المهرجان، والتي عقدت فعالياتها داخل وخارج مصر، على مدار ثلاث سنوات، تهتم بعرض مجموعة كبيرة من الأفلام، التي حازت على جوائز دولية أو ذات قيمة فنية عالية، ومن ثمَّ يعقبها نقاشات بين الأطباء والفنانين وصناع الأفلام والجمهور.

لم يستهدف ميدفيست مصر طلاب الطب فحسب، بل هو يهتم بالفنانين والكتاب والمنتجين والجمهور العام؛ حيث يعتقد النجار أن مساحة التواصل التي يخلقها الملتقى بين الأطباء والفنانين وصناع الفن، تخلق نوعًا آخر من الدراما "نحتاج إليه في مصر بدرجة كبيرة"، مشيرًا إلى أن نسخته العربية تتسع لجمهور أوسع.

اللا مركزية

انطلقت جولات النسخة العربية من مهرجان ميدفيست السينمائي خلال العاميين الماضيين، في مصر وتونس وإنجلترا والولايات المتحدة، حيث تركت نسختها الثالثة أثرًا هامًا في جولاتها بمارس الماضي لعام 2019 في محافظات القاهرة والإسكندرية والمنيا أيضًا.

النسخة الثالثة للمهرجان تتبّعت ذات الخطى، بالتوجه إلى محافظات الوجه القبلي، وبالفعل نجحت في إقامة عدة لقاءات سينمائية طبية جديدة، واستقطاب شريحة مختلفة عن جمهور نسخ ميدفيست السابقة.

خريطة ميدفست مصر وجه قبلي

يقول مينا في السياق ذاته إن نسخة وجه قبلي "كانت حلمًا منذ عام ونصف تقريبًا"، موضحًا أن التوجه للمحافظات بهدف طرح أسئلة وتقديم فن جيد عن طريق خلق حوارات وأسئلة في مجتمعات ليست بالضرورة لديها كميات ونوعيات الفنون المختلفة، ليخلقوا الحالة التي يثيرها الملتقى؛ سواء بتقديم المعلومات الطبية أو الفنية السينمائية، فور عقد فعالياته في أماكن أخرى، بعيدة عن مركزية العاصمة القاهرة.

بدأت التحضيرات الفعلية للتنفيذ منذ يوليو/ تموز الماضي، وعُقدت الفعاليات في محافظة أسيوط في الرابع من سبتمبر، ومحافظة سوهاج في السادس من سبتمبر، واختتمت الفعاليات بمحافظة الأقصر في الثامن من سبتمبر، حيث شملت عرض 9 أفلام قصيرة، من مصر، والولايات المتحدة، وفرنسا، وأيرلندا، والإمارات، بجانب الجلسات النقاشية التي حضرتها مجموعة من السينمائيين والأطباء والمعالجين النفسيين.

استعدادات ميدفست وجه قبلي، مصدر الصورة إدارة المهرجان

الجمهور المستهدف

يؤكد النجار لـ المنصة اهتمامهم بجذب الجمهور بنسب مقدرة ضمن استراتيجية المهرجان، قائلاً "يقدر ميدفيست مصر استهداف 40% من طلاب الطب؛ لفتح أسئلة ونقاشات مرتبطة بالجانب النفسي والإنساني للمرض، ويكون له تأثير مباشر في حياتهم العملية، و30% لصناع الأفلام؛ للتفاعل مع الأطباء المهتمين بالفنون؛ لخلق مساحات للتواصل، تنتج عنها فيما بعد أفلام روائية أو قصيرة موثقة بمعلومات طبية دقيقة".

يتابع "إلى جانب 30 % من الجمهور العام، الذي يهتم الملتقي بتوعيتهم في مجتماعتهم الخاصة بهم، ومساعدتهم على رؤية السينما بأشكال مختلفة، ويتيح المهرجان لهم حضور الأيام ومشاهدة الأفلام والمشاركة مجانًا".

يضيف النجار موضحًا أن هناك اهتمام بهذه النسب في كل نسخ الملتقى ودوراته، لافتًا إلى أن كل عروض الأفلام التي تقدمها دورات ميدفيست مصر متاحة لمَن تزيد أعمارهم عن 18 عامًا، ممتدة لكل الأعمار، مشيرًا إلى أن النسخ السابقة شهدت حضورًا لافتًا من كبار السن الذين تتجاوز أعمارهم الـ 70، منوهًا أن أكثر شريحة يحرص المهرجان على استقطابها؛ هم الذين تتراوح أعمارهم من 18 لـ 35 أو 40 عامًا؛ نظرًا لامتلاكهم قدرة أو مساحة أكبر على التغيير.

جانب من الحضور مهرجان ميدفست وجه قبلي، مصدر الصورة إدارة المهرجان

حضور لافت

نخبة من نجوم الفن والمجتمع، حرصوا على حضور فعاليات ميدفيست وجه قبلي؛ من بينهم الممثلة المصرية إنجي وجدان والمخرجة كاملة أبو ذكري، والمخرج هاني خليفة، إلى جانب المخرجة هالة جلال، وأميمة الجبالي أستاذة الصحة العامة بكلية طب جامعة أسيوط، والممثل المساعد لصندوق الأمم المتحدة للسكان في مصر جيرمان حداد، ودكتورة منى أبو الغار أستاذ أمراض النساء والتوليد جامعة القاهرة وإستشاري عقم وأطفال أنابيب المركز المصري لأطفال الأنابيب، ودكتور ألكسندر بوديروزا ممثل صندوق الأمم المتحدة للسكان في مصر، ودكتورة إيناس الجزار مستشارة الدعم النفسي.

المخرجة هالة جلال من فعاليات ميدفست مصر وجه قبلي، مصدر الصورة إدارة المهرجان

أكدت أبو ذكري، خلال حضورها الملتقى أن مستوى الأفلام جيد جدًا وتحرك المشاعر، بينما عبّر خليفة عن سعادته بتجربته في ملتقى ميدفيست في سوهاج، لافتًا إلى أن هذا الوجه القبلي في مصر بحاجة إلى المزيد من التوعية بالطب وأيضًا بالسينما.

المخرجة كاملة أبو ذكري أثناء حضور ملتقى ميدفست مصر السينمائي، مصدر الصورة إدارة المهرجان

وجاءت كلمة إنجي في الملتقى، معبرة عن قوة تأثير مثل تلك العروض والفعاليات، مشيرة إلى أن الكلمة مهما كانت صغيرة جدًا، فمن الممكن أن تحدث تأثيرًا كبيرًا وتكبر بداخل الطفل وتستمر معه طوال حياته، منوهة أنه يجب الانتباه لكل كلماتنا بحسب ما الكلمة الصغيرة تفرق كثيرًا في تربية الأطفال ونموهم وتشكيل أخلاقياتهم وعقولهم.

الفنانة إنجي وجدان أثناء حضور ملتقى ميدفست مصر وجه قبلي، مصدر الصورة إدارة المهرجان

يؤمن النجار أن السينما تفتح آفاقًا جديدة نحو فهم البشرية بصورة أعمق وأشمل وأكثر إنسانية؛ بعيدًا عن أعراض المرض أو الإصابة التي يعاني منها الفرد، فهي تقدم نموذجًا عن حال الأهل والمجتمع الذي يعيش فيه المريض، بحكاياتها الدرامية المختلفة.

وفي هذا الصدد، يقول النجار لـ المنصة، إن هدف الدورة الأولى لميدفيست وجه قبلي، التابعة للنسخة الثالثة لجولات مهرجان ميدفيست السينمائي لعام 2019، هو استقطاب شرائح مختلفة من جمهور المحافظات للملتقى "لأن ثقافتنا تختلف كلما اتجهنا جنوبًا أو شمالاً نحو محافظة الإسكندرية، تغييرات بسيطة تطرح تساؤلات جديدة ومختلفة مرتبطة بالبيئة والثقافة؛ وهو الأمر الذي يهتم فريق "ميدفست" بمعرفته وإدراكه بصفة دائمة، إلى جانب خلق نوع مختلف من الانتشار".

جانب من جمهور ميدفست مصر وجه قبلي، مصدر الصورة إدارة المهرجان

أوضح كذلك أنهم حرصوا على تقديم تلك الرؤى الفنية في محافظات الصعيد، قائلاً "أغلبية محافظات وجه قبلي لا تمتلك دور عرض سينمائي باستثناء الأقصر"، مشيرًا إلى أنهم لم يستطيعوا عقد ورشات عمل فنية خاصة، إلى جانب عروض الأفلام ومناقشاتها وتحليلها في نسخة ميدفيست وجه قبلي لعام 2019، مثل التي تم تنفيذها بالفعل في القاهرة في الدورات السابقة، ولكنهم يحرصون على إقامة ذلك في دورات محافظات وجه قبلي العام المقبل أو ما بعده.

التيمة الطبية

يتميز مهرجان ميدفيست مصر باختيار تيمة طبية مختلفة لأفلامه كل عام؛ حيث تناولت نسخته الأولى الطب النفسي، أما النسخة الثانية فركزت على صحة المرأة، واهتمت النسخة الثالثة في مارس/ آذار المنصرم لعام 2019، بتناول صحة الطفل ومشاكله النفسية.

وجاءت اهتمامات التيمة الطبية الخاصة لدورة ميدفيست وجه قبلي، التي انطلقت بدعم من صندوق الأمم المتحدة للصحة والسكان، بمناسبة مرور 25 عامًا على مؤتمر الإسكان، والمؤسسة الألمانية للتعاون الدولي، بالصحة النفسية للمرأة بالتحديد.

وبسؤال النجار عن السبب في ذلك، أوضح أنه أثناء انعقاد نسخة ميدفيست مصر، المعنونة بـ "عنها" في العام الماضي بالمنيا، كانت هناك نية لفريق ميدفيست لأن تمتد الفعاليات لبقية محافظات صعيد مصر، ولكنهم كانوا لا يملكون دعمًا ماديًا كافيًا للتحرك لبقية المحافظات وقتذاك، لافتًا إلى أن قلة الدعم المادي كانت تعد إحدى المعوقات التي تواجههم، إلى جانب صعوبة جذب النجوم للمشاركة، ولكنهم أستطاعوا أن يتجاوزوا ذلك مع كل دورة جديدة من المهرجان.

تابع موضحًا "عندما جاء الدعم من صندوق الأمم المتحدة للصحة والسكان التزمنا بما اتفقنا معهم عليه منذ العام الماضي؛ وهو مناقشة صحة المرأة كخطوة أولية قبل صحة الطفل في محافظات وجه قبلي".

اَلية اختيار الأفلام

هناك العديد من التحضيرات البحثية التي يجريها فريق ميدفيست السينمائي لاختيار تيمة كل دورة من المهرجان. يوضح مينا أكثر "نجري استطلاعات رأي ما بين طلاب الطب في كليات مختلفة، على إحتياجات المجتمع الخاص بهم؛ ووفقًا للاحتياجات ونوعية الأفلام المتاحة، يتم خلق مساحة خاصة تجمع بينهما"، لافتًا إلى أنه عندما يتم اختيار التيمة الطبية المناسبة يتم "تكسيرها لمواضيع أصغر" بحسب وصفه، من أجل توفير أفلام تطرح عدة تساؤلات في تلك المنطقة الخاصة.

على هامش فعاليات ميدفست وجه قبلي، مصدر الصورة إدارة المهرجان

تكرر عرض بعض تلك الأفلام في النسخة السابقة لدورات ميدفيست مصر السينمائي، و فسر النجار ذلك قائلًا إن "نسخة ميدفيست وجه قبلي تعد امتدادًا للنسخة السابقة، وبالتالي تكررت بعض العروض، بالإضافة إلى أن تيمة الدورة تفرض علينا تلك الاختيارات أيضًا"، كما أن العرض لجمهور مختلف كل مرة، وبالتالي يمكن عرض نفس الفيلم.

على هامش فعاليات مهرجان ميدفست وجه قبلي، مصدر الصورة إدارة المهرجان

تفاعل رواد ميدفست

لاحظ النجار خلال دورات ميدفيست "جوع" الفنانين والأطباء لمثل تلك الملتقيات، إلى جانب احتياج كبير للتواصل بصفة دائمة؛ وهو ما أكد له أهمية استمرار الملتقى والعروض والنقاشات التحليلية إلى جانب الرغبة في تطويره بأشكال مختلفة عن طريق إنشاء ورش عمل، واصفًا المناقشات مع الجمهور بـ "العبقرية".

أوضح قائلاً إن "اختلاف الجمهور والبيئة التي يخرج منها، تطرح حالة عامة من التساؤل، يمكن أن تؤرق شريحة كبيرة من الجمهور ولا يستطيع التعبير عنها"، موضحًا أن مساحة الحوار بين الجانب الفني والطبي؛ تجعلهما يتأثران ببعضهما البعض؛ مؤكدًا أن "الخيال في الطب سيؤثر في المجال بشكل واضح، كما أن المعلومات الطبية يمكنها أن تخلق دراما حقيقية".

أثناء عروض أفلام ميدفست وجه قبلي، مصدر الصورة إدارة المهرجان

"أنا استفدت بنفسي كطبيب من المهرجان، لأن الطبيب يبحث في النفس الإنسانية من المريض والجانب الإنساني من المرض، والملتقى أستطاع أن يخلق ذلك بشكل عميق خلال 3 أعوام". هكذا يرى النجار تجربته الشخصية مع ميدفيست مصر، لافتًا إلى أنه يطمح في خلق مساحة أكبر لطلاب طب والأطباء المهتمين بالفنون، وللفنانين المهتمين بالتحديات المجتمعية والصحية التي تواجهها الناس خلال النسخ المقبلة، على أن تطرح في الدراما ليس بشكل توعوي لكن بشكل درامي؛ موضحًا أن وجود التحدي المجتمعي لأي مشروع هو أمر هام وجيد.

ختام مهرجان ميدفست وجه قبلي عام 2019، مصدر الصورة إدارة المهرجان