محمد صفوت. صورة مفتوحة المصدر- ويكيبيديا

المصنف اﻷول في التنس بمصر.. عن النجاة من قارب الفساد وحلم "الجراند سلام"

لن ينسى محمد صفوت شهر أغسطس من العام الحالي طوال حياته؛ ﻷنه شهد تأهله لأولمبياد طوكيو 2020، ليكون بذلك أول لاعب مصري في التاريخ يشارك في دورة الألعاب الأولمبية.

لا يعيش التنس المصري أفضل أحواله في الوقت الحالي، إذ تغيب مصر عن قائمة الـ 100 الأوائل رجال وسيدات، حسب آخر تصنيف صادر عن الاتحاد الدولي للعبة.

ومع ذلك؛ يحاول بعض اللاعبين تحريك المياه الراكدة، والبداية كانت في المغرب، وتحديدًا في دورة الألعاب الأفريقية الأخيرة، حيث حصد التنس المصري 10 ميداليات، بواقع 4 ذهبيات، وفضيتين، و4 برونزيات، ليحتل المركز التاسع ضمن الألعاب الأكثر تحقيقًا للميداليات في البعثة المصرية.

ومن بين هؤلاء اللاعبين الذين شاركوا في الألعاب الأفريقية، محمد صفوت، المصنف الأول في مصر، والثاني عربيًا، والذي استطاع بدوره حصد الذهب؛ ليتأهل رسميًا لأولمبياد طوكيو 2020، كأول لاعب مصري في التاريخ يصل البطولة اﻷقدم في التاريخ، رفقة ميار شريف، التي حصدت الذهب أيضًا في منافسات السيدات، فضلًا عن وصوله للدور قبل النهائي في بطولة التشالنجر المقامة حاليًا في الصين.

المنصة تحدثت مع صفوت، عن التأهل للأولمبياد في طوكيو، ومنافسات كأس ديفيز الأخيرة، بالإضافة إلى وضع التنس المصري بشكل عام، وما يطمح إليه في المستقبل.

البداية في المنصورة

مارس صفوت التنس في سن الثامنة، في مسقط رأسه في المنصورة، ومما سهل اﻷمر هو دعم أسرته له، فوالده ووالدته لاعبيّ تنس معتزلين.

ومع شغفه بالتنس بدأ صفوت قصته من نادي جزيرة الورد. ويقول صفوت عن تلك الفترة "عندما كنت في الثالثة عشر من عمري، كنت لاعبًا في نادي جزيرة الورد، في هذا الوقت، كان رئيس اتحاد التنس، هو اللواء محمد حلاوة، الذي لاحظ موهبتي، وقدم لي دعمًا كبيرًا؛ حتى إنه دعاني للتدريب مع منتخب مصر، رغم صغر سني".

في الوقت الذي يعتبر فيه صفوت روجيه فيدرير أفضل لاعب في تاريخ اللعبة، فإنه يعتبِر المتادور الإسباني، رافاييل نادال، مثلًا أعلى له، فهو يُفضّل أسلوب لعبه كثيرًا، ويحب قتاله المعتاد في المباريات.

النجاة من قارب الفساد

حقَّقت وحدة النزاهة التابعة للاتحاد الدولي للتنس مع صفوت، لعدم الإبلاغ عن معلومات أو اشتباه في ارتكاب جرائم فساد؛ وذلك بسبب تلقيه عروضًا للتلاعب بنتائج المباريات، ولم يُخبر عنها، وبما يخالف قواعد الوحدة، وذلك في جلسة الاستماع المستقلة لمكافحة الفساد، التي عُقدت في لندن ديسمبر الماضي.

وتم إصدار حكم مع إيقاف التنفيذ في حق صفوت، بالإيقاف لمدة ستة شهور، ودفع غرامة مالية قدرها خمسة آلاف دولار، وتمكن صاحب الـ 29 عامًا من مواصلة اللعب بشكل طبيعي، وتم إيقاف العقوبة الموقعة؛ نظرًا لعدم وجود مخالفات إضافية في سلوك اللاعب طوال مسيرته.

وفضَّل صفوت عدم التعقيب على هذا الأمر؛ نظرًا لسرية التحقيقات، ولعدم تعرضه للمُساءلة القانونية من وحدة النزاهة التابعة للاتحاد الدولي للعبة.

وعاقبت نفس الوحدة اللاعب المصري كريم حسام بالحرمان من ممارسة اللعبة مدى الحياة، في يوليو من العام الماضي، بالإضافة لدفع غرامة مالية قدرها 15 ألف دولار؛ لإدانته بـ 16 تهمة فساد، من ضمنها التلاعب بالمباريات وتسهيل الرهانات، والتزويد بمعلومات تعطي أفضلية، وعدم الإبلاغ عن تلك الوقائع.

حسنًا فعل صفوت بعدم الاستجابة لمغريات شبكة التلاعب هذه، التي كشفت بي بي سي عن تورط أكثر من عشرين لاعبًا في شمال أفريقيا فيها.

تأهل أولمبي وأداء مميز

لن ينسى محمد صفوت شهر أغسطس من العام الحالي طوال حياته؛ ﻷنه شهد على تأهله لأولمبياد طوكيو 2020، ليكون بذلك أول لاعب مصري في التاريخ يشارك في دورة الألعاب الأولمبية، بعد فوزه على زميله كريم مأمون في نهائي دورة الألعاب الأفريقية.

وبسؤاله عن هذا التأهل التاريخي، قال "شعور رائع أن تكون أول لاعب مصري يتأهل للأولمبياد بالطبع، وهذا الأمر ينعكس عليّ أولًا بشكل شخصي؛ حيث يدفعني لمزيد من الثقة، ومزيد من بذل الجهد، وأن أفكِّر في التدرب بطريقة مختلفة، وتحسين المستوى لدي حتى طوكيو؛ لأني لا أريد مجرد التمثيل أو المشاركة المشرفة، بل أريد ترك بصمة واضحة في أول مشاركة أولمبية".

كما يرى أنه أمر مفيد للتنس المصري بشكل عام حيث "سينعكس حتمًا عل اللعبة، فيما يخص تغير نظرة الدولة، وبالتالي دعمها بشكل أكبر خلال السنوات القادمة، أيضًا نظرة رجال الأعمال، وبدء الاستثمار في اللعبة التي أصبحت على الخريطة الأولمبية الآن، وسيصب ذلك كله في مصلحة الأجيال القادمة بالتأكيد".

ولم يكتف بهذا، إذ عاد وتألق من جديد في منافسات كأس ديفيز أمام منتخب سلوفينيا، وحقق فوزًا صعبًا على المصنف رقم 133 عالميًا، فيما خسر مباراة ثانية بصعوبة على يد المصنف رقم 76 عالميًا، ورغم الخسارة بثلاثة مباريات لواحدة لصالح منتخب سلوفينيا في النهاية، إلا أن نظرة صفوت للأمر كانت مختلفة عن النتيجة.

وقال صفوت "على مدار العامين، السابق والحالي، شهد الفريق تطورًا كبيرًا على كافة المستويات، ولعبنا مباريات قوية، وحاولنا الظهور بشكل مغاير لما كنا عليه في الأعوام الماضية"، موضحًا "العام الماضي، وصلنا لنهائي المجموعة الثانية، وكنا قريبين جدًا من الصعود للمنافسة في المجموعة الأولى، التي تضم كبار الفرق في اللعبة، ولكننا لسوء الحظ خسرنا من فنلندا بنتيجة ثلاث مباريات مقابل مباراتين".

وأضاف "هذا العام أيضًا، قدمنا مستوى كبيرًا، يعكس مدى تطورنا كلاعبين، وأننا نستطيع المنافسة في مستويات أكبر، كانت المباريات قريبة جدًا، ولا تستطيع تحديد الفائز إلا في الأشواط الأخيرة لكل مجموعة، ولولا إصابة كريم مأمون في المباراة الأولى، أعتقد أن الوضع سيكون مختلف بعض الشئ، ولكن في النهاية النتيجة لم تكن في صالحنا، وخسرنا بثلاث مباريات لمباراة واحدة".

لا نملك ثقافة دعم البطل منذ الصغر، والاستثمار فيه، بالإضافة إلى أننا لانملك مستوى تدريبي مميز في اللعبة، يستطيع خلق جيل جديد ومختلف.

التنس المصري لا يعرف الطريق

إذا تصفَّحنا صفحات التاريخ المصري في التنس، فلن نجد سوى إسماعيل الشافعي؛ الذي يُعَد العلامة المضيئة الوحيدة التي وصلت بالتنس المصري إلى مستوى بعيد، فهو أول لاعب مصري يصل إلى المرتبة رقم 36 عالميًا في سبعينيات القرن الماضي.

ومنذ ذلك الحين لم يصل أي لاعب آخر من مصر لهذا المستوى، في حين صعدت بعض الأسماء العربية من المغرب مثل يونس العيناوي، وهشام أرازي، وكريم العلمي في فترة التسعينيات، ومؤخرًا من تونس مالك الجزيري، وأنس جابر.


ويرى صفوت أن السبب في ذلك هو أننا "لا نعرف طريقة صناعة البطل في مصر، نحتاج لمن يعرف الطريق أولًا، ومن ثمَّ تنتقل تلك التجربة إلى الأجيال من بعده، وقتها سنرى أكثر من لاعب في مستويات أعلى في التنس العالمي، وهذا ماحدث مع المغرب في التسعينيات، والآن مالك الجزيري فتح الباب أمام لاعبين من تونس من أجل التقدم أكثر مثل أُنس جابر. في النهاية لن تجد لاعبًا يخرج منفردًا أبدًا، دائمًا ما تنتشر عدوى نجاحه لتنتقل للاعبين آخرين".

وأكمل"نحن لا نملك ثقافة دعم البطل منذ الصغر، والاستثمار فيه، بالإضافة إلى أننا لا نملك مستوى تدريبي مميز في اللعبة، يستطيع خلق جيل جديد ومختلف".

و بنظرة أوسع، لا يختلف الحال كثيرًا بالنسبة للعبة التنس في القارة السمراء؛ فلا يوجد دولة تهتم باللعبة بشكل واضح ومنظم حتى الآن، وتجارب النجاح تاريخيًا تتسم بالفردية، بل بشكل أقرب إلى العشوائية.

وفقًا لأحدث تصنيف عالمي للاعبي التنس، يتواجد لاعب أفريقي وحيد ضمن قائمة الـ 100 الأوائل، وهو الجنوب أفريقي كيفن أندرسون في المرتبة الـ 18، ويأتي من بعده مواطنه لويد هاريس في المرتبة 105، ومن بعدهم التونسي مالك الجزيري في المرتبة 149، ولا يتواجد سوى هذا الثلاثي في قائمة الـ 200 الأوائل، على عكس دول أوروبا التي تحتل معظم القائمة.

ورغم هذا المستوى الكبير لصاحب الـ 33 عامًا، ووصوله في وقت سابق للمرتبة الخامسة عالميًا؛ إلا أنه في وقت نفسه يرفض اللعب باسم منتخب جنوب أفريقيا في مناسبات عديدة، مثل بطولات كأس ديفيز، ودورة الألعاب الأولمبية في ريو دي جانيرو 2016.

فكأن الدول الأفريقية، لم تعثر بعد على الخطة السرية في عملية تناقل تجاربها الناجحة في التنس، عبر أجيال متتالية، فهي دائمًا تنتهي بانتهاء التجربة الشخصية للاعب مع اللعبة.

أندريسكو وميدفيديف

تشهد خارطة التنس العالمي تغييرات كبيرة في السنوات الأخيرة، إذ ظهر أبطال جُدد على مستوى منافسات الرجال والسيدات، ولعل خير مثال في الوقت الحالي هو دانيال ميدفيديف، اللاعب الروسي الذي لعب نهائي بطولة أمريكا المفتوحة للتنس أمام الإسباني رافاييل نادال وخسر بصعوبة بالغة، بثلاث مجموعات مقابل مجموعتين.

وعلى صعيد منافسات السيدات، لا يوجد أفضل من المراهقة الكندية، بيانكا أندريسكو، التي استطاعت الفوز على سيرينا ويليامز، في نهائي بطولة أمريكا المفتوحة، لتصبح أول كندية تحرز هذا اللقب في التاريخ.

ويُرجع صفوت ذلك التغيير إلى تطور اللعبة، حيث أصبحت تعتمد على السرعة والقوة، بجانب الجزء المهاري، "اللاعب الآن بحاجة لمزيد من التعب، المباريات أصبحت تأخذ وقتًا أطول عما كانت عليه في السابق؛ وذلك يتطلب لياقة بدنية عالية، ومجهودًا ذهنيًا أيضًا".

ولمس صفوت ذلك التغير، عندما شارك لأول مرة في بطولة رولان جاروس، أحد أكبر بطولات الجائزة الكبرى (Grand Slam) في العام الماضي، وتمكن من الصعود لنهائي الأدوار التمهيدية، وشارك في الدور الرئيسي للبطولة، بعد انسحاب أحد اللاعبين من نفس الدور، وواجه المصنف الثالث وقتها جورجي ديمتروف.


وعن هذه التجربة قال "كانت تجربة مختلفة بالطبع، حيث أعطتني المزيد من الثقة، وكانت لدي فرص لكسب مجموعة في المباراة، وكنت ندًا للاعب كبير مثل ديمتروف، بالإضافة إلى أنها ساعدتني في معرفة موقعي من هؤلاء اللاعبين، وما أحتاج إلى تطويره وتحسينه في المستقبل".

أكثر من مجرد لاعب

حاليًا، يحتل صفوت المرتبة الـ 216 عالميًا، وكانت المرتبة الـ 163، هي أفضل مركز له في مسيرته حتى الآن، ولكن هذا التراجع لا يقلقه إطلاقًا؛ إذ يرى أن هذه الفئة من اللاعبين تكاد تكون في نفس المستوى، فإذا استطاع تحقيق بطولة قريبًا، فسيعود إلى أفضل مراكزه مرة أخرى.

ولا يشغل صفوت باله بالتصنيف بقدر انشغاله بالتطوير ليصل لمرتبة متقدمة كأن يصل لرقم 50 أو 30، وكيفية تحسين مستواه للحفاظ على هذه المرتبة؛ "من الممكن أن تصل إلى الـ 50 على العالم مثلًا، ولكن إن لم يكن مستواك ثابتًا فلن تستطيع الحفاظ على هذا المركز".

وأوضح "في عالم التدريب، اكتساب مهارات معينة، أو زيادة نقاط القوة، وتقوية نقاط ضعف للاعب التنس، تحتاج لشهور وسنوات، حتى تتكامل تلك الأمور، وتظهر نتائجها، وهذا هو الأهم".

ويعلم صفوت جيدًا أن التصنيف الرقمي، يعد عاملًا مهمًا للاعب التنس، إذ يسمح له باختيار البطولات التي يشارك بها، فكلما تقدمت في التصنيف كلما استطعت المنافسة في بطولات أقوى، وبالتالي يتطور مستواك بشكل أكبر؛ لذا يعمل صفوت رفقة مدربه على "إنهاء الموسم ضمن قائمة الـ 200، والوصول لأول 100 في العام القادم، وفق الخطة التي نسير عليها".

واختتم صفوت حواره مع المنصة قائلًا "على المدى البعيد، أحلم بلعب بطولات أكثر في الجراند سلام، وأنا أحاول الدخول أكثر لمقدمة الترتيب، وأن أستطيع المنافسة في بطولات أكبر؛ حتى أستطيع مساعدة الأجيال القادمة في تحقيق أحلامها في اللعبة فيما بعد".