البلدوزر الذي دهس أحلامه.. توهج وانطفاء عمرو زكي
في خريف عام 2008، وقفت إنجلترا، تلك الجزيرة التي تعتبر نفسها مهدَ كرة القدم وحارسةَ أسرارها، منبهرةً أمام ظاهرة اقتحمت قاموس الدوري الإنجليزي الممتاز بلا استئذان، وتصدّرت عناوين الصحف الرياضية وأحاديث الجمهور، اسمها عمرو زكي، ذلك المصري الوافد حديثًا إلى نادي ويجان أتلتيك، مقتحمًا دفاعات الفرق الكبرى بلا رهبة.
في الأسابيع العشرة الأولى من موسم 2008-2009، اعتلى "الفرعون" صدارة هدافي أقوى دوري في العالم، مُتفوِّقًا على أسماء كانت قيمتها السوقية تعادل ميزانيات أندية بأكملها. ولعل اللحظة الفارقة التي حفرت اسمه في ذاكرة الجماهير جاءت في أنفيلد. هناك، حيث ترتبك حتى أقدام النجوم، سجل زكي هدفين في شباك ليفربول. لم يكونا هدفين عاديين؛ أحدهما جاء بضربة مقصية جانبية مذهلة، بدت وكأنها لقطة سينمائية مكتملة العناصر، والثاني جاء من انقضاض مباغت على قلب الدفاع جعله في مواجهة الحارس منفردًا.
في تلك اللحظة الخاطفة، بدا زكي للعالم واحدًا من أكثر المهاجمين فاعلية وقوة. حتى أنه ذكّر ديف ويلان، رئيس نادي ويجان آنذاك، بآلان شيرر في ذروة عطائه، مُشيدًا بقوته البدنية وقدرته التهديفية. وذهبت تقارير صحفية إنجليزية وإسبانية للحديث عن اهتمام أندية كبرى بمتابعته، من بينها ريال مدريد، وإن ظلت في إطار الاهتمام الإعلامي أكثر من كونها مفاوضات رسمية موثقة.
كان المشهد أقرب إلى حلم كروي نادر: لاعب خرج حديثًا من الدوري المصري، ليجد نفسه محل متابعة من أحد أعظم أندية العالم. لكن، ومثلما تنتهي بعض الأحلام بصفعة مفاجئة، تهاوى كل شيء بالسرعة التي بدأ بها.
قصة زكي ليست مجرد حكاية لاعب لم ينجح في تثبيت أقدامه أوروبيًا، وإنما تبدو أقرب إلى تراجيديا كروية تكشف اختلالات متجذرة لدى بعض اللاعبين المصريين في التعامل مع الاحتراف الخارجي، وتطرح السؤال المؤلم الذي يتكرر عبر الأجيال: لماذا يمتلك اللاعب المصري موهبة فنية وبدنية لافتة، لكنه يعجز في أحيان كثيرة عن الحفاظ عليها داخل منظومة الاحتراف الصارمة؟
من المنصورة إلى قمة إفريقيا
لفهم ظاهرة زكي، ولماذا كان سقوطه مدويًا، يجب العودة إلى البدايات. لم يخرج زكي من مدارس الناشئين في الأهلي أو الزمالك، لكن أُصقلت موهبته في بيئة مختلفة حين انتقل من ناشئي نادي المريخ البورسعيدي إلى نادي المنصورة، حيث صعد إلى الفريق الأول مبكرًا، مستفيدًا من نضجٍ بدنيٍّ سبق عمره المدوَّن في الأوراق الرسمية.
كان زكي يمثل، بالمعنى الحرفي، قوة هجومية طبيعية: كتلة عضلية وسرعة متفجرة وشجاعة كبيرة في الالتحامات، بلغت أحيانًا حد المجازفة. لم يعتمد على المهارة الناعمة أو اللمسة الفنية الرشيقة على طريقة محمد أبو تريكة، ولا على الحضور الذكي داخل منطقة الجزاء مثل عماد متعب، بدلًا من ذلك لجأ لأسلوب أقرب إلى القتال، يعتمد على القوة والاندفاع والإصرار.
هذا الحضور البدني الاستثنائي لفت أنظار المدير الفني حسن شحاتة، الذي منحه فرصةً مع منتخب الشباب ثم المنتخب الأول قبل أن ينتقل إلى إنبي، حيث بدأت مسيرته في التبلور محليًا وقاريًا.
لم تكن قصة عمرو زكي نتاج مؤامرة أو ظلم كروي بقدر ما كانت درسًا قاسيًا في طبيعة الاحتراف الحديث
وتبرز المفارقة الكبرى في مسيرة زكي مع منتخب مصر، حيث تحول إلى أحد أبرز أسلحة الفريق الهجومية. ففي نصف نهائي كأس الأمم الإفريقية 2006، شارك بديلًا أمام السنغال في الواقعة الشهيرة لرفض ميدو التبديل، وسجل هدف الفوز الحاسم. ثم أكد حضوره في بطولة 2008 بغانا، عندما سجل أربعة أهداف في البطولة، بينها هدفان مهمان في انتصار مصر على كوت ديفوار في نصف النهائي الذي شهد صراعًا بدنيًا مع دفاعات قوية ضمت نجومًا كبارًا.
كانت رسالته الدولية واضحة: مهاجم يمتلك أدوات عالمية. لكن ما لم يكن ظاهرًا آنذاك أن النجاح الدولي، القائم على الحماس الجماهيري والتركيز القصير المدى، يختلف جذريًا عن متطلبات الاحتراف الأوروبي طويل النفس، الذي يعتمد على منظومة حياة كاملة خارج الملعب وداخله.
يربط كثيرون بداية الانهيار بتجربة زكي في الدوري الإنجليزي، لكن المؤشرات الأولى ظهرت قبل ذلك، حين انتقل عام 2006 إلى لوكوموتيف موسكو. كانت خطوة بدت واعدة، لكنها انتهت سريعًا دون أن يخوض اللاعب مباريات رسمية تذكر.
واجه زكي صعوبات في التأقلم مع بيئة جديدة، قاسية بالنسبة له، من حيث الطقس واللغة وطبيعة التدريبات، لينتهي الأمر بعودته إلى مصر وانتقاله إلى الزمالك، في صفقة تبعتها نزاعات قانونية بين الأندية. مرَّ الحدث وقتها بوصفه تعثرًا عابرًا، بينما كان في الواقع مؤشرًا مبكرًا على صعوبة تكيُّف اللاعب مع ضغوط الاحتراف الخارجي.
إلى جانب ذلك، لعب غياب منظومة إدارة احترافية متكاملة لمسيرته دورًا مؤثرًا في تعقيد تجربته الأوروبية. فإدارة العلاقة بين التزامات اللاعب مع المنتخب وناديه، وتنظيم الجوانب الإعلامية والتسويقية والسلوكية خارج الملعب، تعد من المهام التي تتولاها عادة فرق متخصصة في إدارة المسار الرياضي للاعبين المحترفين. ومع غياب هذا الإطار التنظيمي، تحولت بعض الأزمات الإدارية إلى عوامل ضغط إضافية أثرت على استقرار مسيرته.
وهج ويجان
عندما انتقل زكي إلى ويجان أتلتيك في الدوري الإنجليزي عام 2008، بدا وكأن اللاعب وجد البيئة المثالية لإطلاق قدراته. تألق سريعًا، وكسب ثقة المدير الفني ستيف بروس والجماهير. غير أن العلاقة بدأت في التوتر مع تكرار تأخر اللاعب في العودة إلى ناديه بعد فترات التوقف الدولي، وهو ما تسبب في أزمات انضباطية متكررة.
أطلق بروس تصريحات انتقد فيها احترافية اللاعب الذي كان يغلق هاتفه في كل مرة يسافر فيها إلى مصر للمشاركة مع المنتخب الأول ولا يعود إلى إنجلترا في الموعد المحدد سلفًا، واعتبر أن سلوكه خارج الملعب أثّر على استمراريته داخل الفريق. ومع تراجع المستوى البدني والذهني، فقد زكي مكانه تدريجيًا في التشكيل الأساسي.
في عام 2010، حصل زكي على فرصة جديدة في الدوري الإنجليزي عبر هال سيتي، لكن التجربة جاءت أقل تأثيرًا بكثير من سابقاتها، إذ عانى من الإصابات وتراجع الجاهزية البدنية، ولم يتمكن من تسجيل أهداف خلال فترة لعبه مع الفريق.
بعد ذلك، دخل مرحلة تنقلات سريعة بين عدة أندية، منها إيلازيجسبور التركي، والسالمية الكويتي، والرجاء المغربي، والعهد اللبناني، دون أن يتمكن من استعادة مستواه أو استقراره الفني.
وكان المشهد الأخير لمسيرته الاحترافية حين عاد إلى الدوري المصري عبر المقاولون العرب عام 2015، لكن التجربة لم تستمر طويلًا، ليعلن اعتزاله بعدها بفترة قصيرة، في سن كان من المفترض أن تمثل مرحلة نضجه الكروي.
الموهبة والمنظومة
قد تبدو المقارنة مع محمد صلاح قاسية، لكنها تكشف فارقًا جوهريًا في فهم الاحتراف. امتلك زكي قدرات بدنية وتهديفية فطرية استثنائية، خصوصًا في مركز رأس الحربة، بينما بنى صلاح مسيرته عبر تطور تدريجي طويل المدى، قائم على الانضباط البدني والنفسي.
تعامل صلاح مع الاحتراف باعتباره منظومة حياة متكاملة تشمل التدريب والتغذية والراحة والانضباط السلوكي، بينما ظل زكي أقرب إلى نموذج اللاعب الذي يعتمد على الموهبة الفطرية والانفجار اللحظي في الأداء.
اليوم، عندما تُستعاد أهداف عمرو زكي في الدوري الإنجليزي عبر السوشيال ميديا، يختلط الشعور بين الفخر والحسرة؛ فالفخر بلاعب مصري تمكن في فترة قصيرة من ترك أثر قوي في أحد أقوى الدوريات العالمية، والحسرة على مسيرة كان يمكن أن تمتد لسنوات أطول لو اقترنت الموهبة بالاستقرار والانضباط.
لم تكن قصة صعود وانهيار زكي نتاج مؤامرة أو ظلم كروي بقدر ما كانت درسًا قاسيًا في طبيعة الاحتراف الحديث. فالطريق إلى القمة قد يبدأ بموهبة استثنائية، لكن الحفاظ عليها يتطلب منظومة ذهنية وسلوكية تدرك أن النجاح ليس لحظة عابرة، لكنه مشروع عمر كامل.
انهيار تجربة زكي لم يكن نتيجة فقدان الموهبة أو تراجع القدرات البدنية فقط، لكن جاء نتيجة خلل في تحقيق التوازن بين التألق اللحظي ومتطلبات النجاح طويل الأمد. فقد امتلك اللاعب أدوات هجومية مميزة منحته صعودًا سريعًا نحو القمة، لكنه افتقد اللياقة النفسية والقدرة على التنظيم التي تفصل بين الانفجار الفني المؤقت والاستمرارية، وهو ما جعل سقوطه يبدو أكثر حدة مقارنة بلاعبين ربما امتلكوا موهبة أقل لكنهم نجحوا في بناء منظومة احترافية متكاملة تحمي مسيرتهم على المدى الطويل.
