مظاهرات العراق. الصورة: صفحة ساحة التحرير- فيسبوك

مظاهرات العراق: ميليشيات ومطالب عادلة.. وطرف ثالث مجهول

تطور المشهد في العراق سريعًا، من اعتصام لخريجي الجامعات اعتراضًا على غياب فرص العمل، إلى مظاهرات حاشدة وأعمال عنف، راح ضحيتها أكثر من مائة متظاهر، باﻹضافة ﻵلاف المصابين. وبينما اعترفت قوات اﻷمن باستخدام القوة المفرطة في فض المظاهرات، توجهت أصابع الاتهام إلى طرف ثالث مجهول بإشعال الفتنة الطائفية، وقنص المتظاهرين ورجال الشرطة وإحراق مقرات المحطات التليفزيونية.

حق التظاهر

ظهر رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي في كلمة متلفزة للمرة الثانية، في خلال أقل من أسبوع، منذ بداية الاحتجاجات في العراق 1 أكتوبر/ تشرين اﻷول، ليؤكد للمرة الثانية على إصداره أوامرًا مشددة لقوات الأمن بعدم استخدام العنف مع المتظاهرين، كما أكد على حق العراقيين في الخروج للتعبير عن مطالبهم.


لم يقدّم عبد المهدي استقالته، كما طالبه المتظاهرون خاصة في الأيام الاخيرة للاحتجاج، ولكنه قدّم عدة إجراءات ووعود جديدة، وذكَّر العراقيين بنجاحهم في القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية، معلنًا حالة الحداد على جميع القتلى من المدنيين والعسكريين.

البداية.. حاملو الشهادات العليا

في الثلاثة شهور الماضية، خرج حاملو شهادات الماجستير والدكتوراه للتظاهر مطالبين بحقهم في التعيين في مختلف الوزارات على حسب تخصصاتهم، ووفقًا للقانون الذي سُنَّ في عام 2017 فمن المفترض أن تخصص نسبة 15% من الوظائف في الوزارات، لحاملي الشهادات العليا.

لم يحصل المتظاهرون على أي شيء، ولم يجدوا من يستمع إليهم، بعد أن أغلقت وزارة التعليم العالي العراقية أبوابها في وجوههم، فانضموا من جميع المحافظات العراقية ليصل عددهم إلى قرابة خمسة آلاف متظاهر، وقرروا الاعتصام في شارع النضال بالعاصمة العراقية بغداد، رافضين أن يُظلموا لصالح المحسوبية المنتشرة في كافة القطاعات العراقية.


بعد يومين من قرار الاعتصام، بدأت مقاطع فيديو تنشر على وسائل التواصل الاجتماعي؛ تُظهر إهانة قوات اﻷمن لحاملي الشهادات العليا في محاولة لفض اعتصامهم. تلك كانت الشرارة الأولى للاحتجاجات الأكثر دموية في السنوات الأخيرة.

القشة الأخيرة تدعى "الساعدي"

في نهاية سبتمبر، أذيع خبر نقل الفريق الركن عبد الوهاب الساعدي الرجل الثاني في جهاز مكافحة الإرهاب، إلى وظيفة مكتبية في وزارة الدفاع، وهو يحظى بشعبية كبيرة بين العراقيين، وصاحب انتصار تحرير مدينة الموصل من تنظيم الدولة الاسلامية عام 2017.

جهاز مكافحة الارهاب أو الفرقة الذهبية كما يطلق عليه، تأسس من البداية لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية، بدعم لوجستي كبير من القوات الأمريكية الموجودة في العراق، كان يحارب التنظيم في الصفوف الأولى قبل أن يتم تأسيس وحدات الحشد الشعبي، لكنه على عكس الأخير كان يحارب تحت راية العلم العراقي فقط.

وتم تدريب الجهاز على أعلى المستويات على يد القوات الأمريكية، وصُمم ليضم عددًا من القادة العسكريين العراقيين القوميين غير المنتمين إلى أي أحزاب سياسية.

في الآونة الأخيرة أخذت شعبية الفريق الساعدي في التصاعد بين العراقيين، حيث اعتبره البعض شخصًا نظيف اليد مقارنة بالسياسين والقادة العسكريين "الفاسدين".

شهرة القائد العسكري الشيعي، التي وصلت إلى حد اقامة تمثال له في مدينة الموصل ذات الأغلبية السنية (تم التراجع عن تدشينه لاحقًا)، أقلقت قادة الحشد الشعبي، خاصة الفصائل الموالية لإيران، وربما أقلقت الجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثورى الإيراني شخصيًا.


بعد قرار نقله بيوم، انتشرت الأخبار التي تفيد بأن سبب النقل هو كثرة تردد الساعدي على السفارة الأمريكية ببغداد، وشعر بعض العراقيين، خاصة المحبيين للساعدي، أن تلك الأخبار الغرض منها تشويه سمعة الجنرال، لرغبة ما لدي رئيس الحشد الشعبي، فالح الفياض، في السيطرة على مقاليد الأمور داخل القوات المسلحة العراقية، خاصة بعد القرار الحكومي الصادر بدمج قوات الحشد الشعبي داخل القوات المسلحة النظامية.

رد الساعدي على تلك اﻷنباء، مبينًا أنه ذهب مرة واحدة إلى السفارة الأمريكية من أجل الحصول على تأشيرة للدخول إلى الولايات المتحدة، لأنه مدعو للحديث عن مكافحة الإرهاب في جامعة هارفارد.

وعلى ما يبدو أن عددًا لا بأس به من محبيه اقتنعوا بتفسيره، ودعوا إلى النزول للتظاهر اعتراضًا على ما اعتبروه تنكيلًا برجل شجاع، أعطي الكثير للعراق في أصعب أوقاته.

منذ قرار نقله، دأب الساعدي على الظهور في أغلب وسائل الإعلام العراقية، ليعلن رفضه لقرار نقله، مهددًا بأنه سيتخلى عن رتبته العسكرية إذا لزم الأمر، لكنه لن يقبل تلك الإهانة، خاصة أن لا أحد في الحكومة أخبره بسبب نقله الحقيقي إلى الآن.


من جهة أخرى انتقد معارضو الساعدي ظهوره المتكرر على الشاشات، وإعلان رفضه لقرار نقله علنًا، وهو رجل عسكري، حري به تنفيذ اﻷوامر، كما خشي البعض من أن يقود الفريق انقلابًا عسكريًا.

أكتوبر.. دعوات مجهولة للتظاهر

منذ يوم الاثنين 30 سبتمبر، انتشرت قوات أمنية مكثفة في العاصمة بغداد؛ تحسبًا لوقوع أي مظاهرات في اليوم التالي، بعد أن انتشرت دعوات "مجهولة"، كما وصفها صحفي عراقي للمنصة، على وسائل التواصل الاجتماعي، تدعو إلى التجمع عند ساحة التحرير مركز الحركات الاحتجاجية مؤخرًا في العراق، احتجاجا على البطالة والفساد وسوء الخدمات الطبية والتعليمية.

يروي الصحفي العراقي، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، خوفًا من الملاحقة الأمنية، تفاصيل اليوم الأول للتظاهر، "بدأت الحركة قليلة يوم الاثنين الأول من أكتوبر، خوفًا من الدعوة إلى التظاهر، وحتى الساعة الثالثة عصرًا لم تكن هناك أى مظاهر لاستجابة المواطنين لتلك الدعوات، ولكن بعد انخفاض درجات الحرارة قليلا، بدأت الحشود في الظهور، كانت مجموعة تضم حوالي ألفي شخص، قرروا الوصول إلى جسر الجمهورية المؤدي إلى المنطقة الخضراء، لإيصال أصواتهم إلى الحكومة والبرلمان".

وبشكل مباغت تحولت الأمور بسرعة إلى عنف ومحاولات قمع مستميتة لتلك الحشود، التي كانت أعدادها قليلة نسبيًا، فأطلقت قوات الأمن الغاز المسيّل للدموع، والمياه الساخنة، حتى أنها استخدمت الرصاص المطاطي، ويبدو أن اللجوء الى العنف المبكر هو ما أشعل المظاهرات، ودفع أعدادًا كبيرة على التظاهر ومساندة من تم التنكيل بهم.

مطالب متشابهة

شهد العراق مظاهرات كثيرة من قبل، فعلى سبيل المثال في العام الماضي تظاهر عدد كبير من أهالي مدينة البصرة، إلى الحد الذي وصل إلى أعمال الشغب، احتجاجًا على تلوث مياه الشرب، والانقطاع المستمر للتيار الكهربائي.

وفي عام 2017 تظاهر أنصار رجل الدين الشيعي البارز والسياسي الشعبوي، مقتدى الصدر، لنفس الأسباب تقريبًا، ووصلوا إلى المنطقة الخضراء شديدة التحصين، التي تقع بها أغلب السفارات الأجنبية، ومقرا البرلمان والحكومة، واستطاعوا اختراقها، والوصول إلى البرلمان ونهبه، وسط صمت تام من قوات الأمن.

لدى أغلب المتظاهرين الشباب في مظاهرات أكتوبر نفس المطالب التي يرفعونها منذ الغزو الأمريكي والإطاحة بصدام حسين عام 2003، فهم يريدون الوظائف وجودة التعليم والخدمات الطبية، وإعمار البنية التحتية التي دمرتها الحروب الطائفية، والحرب ضد داعش، والأهم من كل ذلك يطالبون بالقضاء على الفساد المستشري في كافة القطاعات العراقية منذ الاحتلال الأمريكي.

نفط وفساد

في البداية لم يرفع المتظاهرون أي شعارات سياسية، هم فقط يريدون حياة كريمة، في بلد موارده تضمن لهم الرفاهية، فالعراق الذي يمتلك ثروة نفطية، هائلة تعد الرابعة على مستوى العالم، ويستفيد منها شهريًا بحوالى 6.5 مليار دولار، يحتل المرتبة الثالثة عشر في العالم ضمن قائمة البلاد التي ينتشر بها الفساد.

لم ينجح القطاع الخاص في العراق من تحقيق أي مكاسب، بسبب الفساد والمحسوبية وسيطرة الأحزاب السياسية على أساس ديني على السوق العراقي، ووصلت معدلات البطالة في العراق في عام 2018 إلى 28%، مسجلة أعلى مستوى لها منذ عام 2006.

تعاني أغلب المحافظات العراقية، من عدم توافر أي بيئة تعليمية صالحة للأطفال، لدرجة أن 90% من أطفال تلك المحافظات خاصة الجنوبية، ممن هم في سن التعليم، ليسوا مسجلين في المدارس.

لتلك الأسباب وأكثر خرج الشباب العراقي للتظاهر، رافضين اللجوء إلى أي حزب سياسي، أو أي قيادة معروفة، مطالبين فقط بحياة أفضل.

حسين يبلغ من العمر 25 عامًا، تواصل مع المنصة بصعوبة شديدة نظرًا لسوء خدمة الإنترنت حاليًا في العراق، يحكي عن أسباب نزوله الى المظاهرات قائلا "لديّ ثلاثة أخوة، جميعنا خريجو جامعات، ولم نجد أي وظيفة مناسبة، أصيبت والدتي بأمراض الكلى نتيجة المياه الملوثة، ونواب البرلمان يقضون أغلب أوقاتهم خارج البلاد، وليس لديهم وقت لسماع شكوانا".

لا حلول سحرية

ترقب العراقيون ليلة الجمعة الماضية كلمة منتظرة لرئيس الوزراء العراقي، عادل عبد المهدي، طال انتظارها لمدة ثلاث ساعات، بعد عدة أيام من الاشتباكات العنيفة بين المتظاهرين وقوات الأمن، وقطع كامل لخدمة الانترنت، وفرض حظر التجوال في بغداد وعدد من المحافظات الجنوبية.

"نحن نسير بينكم ونعرف أوجاعكم، ولن نسمح بتخريب التجربة الديمقراطية في العراق، وعودة الإرهاب، لكن لا حلول سحرية لمشاكل العراق، فلا تظلموا الحكومة".

كانت تلك الكلمات جزءًا من الكلمة المتلفزة الأولى لعبد المهدي، السياسي المستقل المخضرم، البالغ من العمر 77 عامًا، الذي كان واحدًا من أبرز قادة المعارضة في عهد صدام حسين.


أصابت كلمة رئيس الوزراء العراقيين بالإحباط، وأشعلت المزيد من الغضب، فانتشرت المظاهرات كالنار في الهشيم في أغلب المحافظات العراقية، خاصة مع استمرار قطع خدمة الإنترنت وسوء الاتصالات، في البصرة والديوانية والعمارة والحلة، وتعرّض المتظاهرون لعمليات قتل واسع النطاق بالذخيرة الحية، وانتشر عدد من القناصة فوق أسطح المنازل، بحسب ما ورد عن صحفيين ومتظاهرين.


شهدت تلك المحافظات أعمال شغب وحرق مبانٍ حكومية، ومقرات لأحزاب سياسية، خاصة تلك المحسوبة على فصائل الحشد الشعبي الموالية لإيران، مثل عصائب أهل الحق، والدعوة.

الطرف الثالث

بعد ليلة دامية قضاها العراقيون، وفي صباح يوم 7 أكتوبر، قال المتحدث باسم وزارة الداخلية العراقية، اللواء سعد معن إن حصيلة القتلى منذ بدء التظاهرات وصل إلى 104 قتيلًا، وستة آلاف مصاب، بينهم 1200 مصاب من قوات الأمن، وقال إن المحتجين أحرقوا 50 مبنى حكوميًا وثمانية من مقرات الأحزاب.

وردا على ما أسماه "شائعات وجود قناصة استهدفت المتظاهرين"، قال اللواء معن، إن معظم القتلى أصيبوا في الرأس والقلب، مما يؤكد الأخبار التي تفيد بوجود قناصة، لكنهم استهدفوا الأمن أيضًا، وهذا يعنى وجود "أيدي خبيثة" تريد إشعال العنف بين المتظاهرين وقوات الأمن.

علي، صحفي عراقي كان يغطي مظاهرات محافظة الديوانية، أكدّ للمنصة وجود قناصة استهدفوا المتظاهرين، لكنهم ليسوا أيدٍ خبيثة مجهولة كما وصفهم اللواء معن، "من بداية اليوم شهد الأهالي في الديوانية وجود قوات ترتدي زيًا عسكريًا بدون أي شارة، ملثمين، و يعتلون أسطح المنازل، عَرف اﻷهالي أنهم تابعين لفصائل من الحشد الشعبي، وبالأخص من فصيل سرايا الخراساني".

متظاهر يحمل لافتة تطالب الشرطة بعدم استخدام القوة. الصورة: صفحة ساحة التحرير- فيسبوك

ميليشيات موالية ﻹيران

بعد الغزو الأمريكي الذي أطاحت الولايات المتحدة من خلاله بصدام حسين في 2003، سارع الحرس الثوري الإيراني وخاصة فيلق القدس بتشكيل مجموعات شبه عسكرية في العراق، مدعومة بعدد كبير من السياسيين العراقيين الشيعة.

فكونت إيران جيش المهدي وقائده مقتدى الصدر قبل أن ينقلب على التبعية الإيرانية، ويتبنى خطابًا قوميًا، وكتائب حزب الله، وكتائب سيد الشهداء، ومنظمة بدر، وسرايا الخراساني، التي تعد أحدث تلك الجماعات المسلحة، التي أنشئت برعاية إيرانية، والمتهمة بقتل المتظاهرين في الاحتجاجات الأخيرة.

تعد سرايا الخراساني الأكثر ولاءً لإيران من بين الفصائل الأخرى، حتى أنها صممت الشعار الخاص بها ليكون متشابهًا مع شعار الحرس الثوري اﻹيراني، كما تتمتع بعدد كبير من المقاتلين المجهزين بشكل جيد.

وإذا كانت وزارة الداخلية وصفت وجود قناصة لقتل المتظاهرين بأنهم طرف ثالث، مندسون من الخارج لزعزعة استقرار العراق، فهناك سياسيون اتهموا إيران مباشرة؛ بأنها هي من تلعب دور الطرف الثالث من خلال الحشد الشعبي.

النائب البرلماني أحمد الجبوري اتهم رئيس الحشد الشعبي فياض الفالح، والجنرال قاسم سليماني بالوقوف وراء عمليات قنص المتظاهرين.

اقتحام المحطات التليفزيونية

لم يقتصر عمل القوات المجهولة على قتل المتظاهرين فقط، بل امتد ليشمل اقتحام لكافة المحطات التلفزيونية الفضائية المحلية والأجنبية، مثل قناة العربية التابعة للمملكة العربية السعودية.

يروي أحد الصحفيين العراقيين للمنصة، ترويع تلك القوات لهم، فيقول "اقتحمت قوات ملثمة، لا تملك أي شارة نعرف من خلال إلى أي قوة ينتمون، القنوات المحلية وكسرت كافة أجهزة البث، وأصدروا أوامر للإعلاميين بالمغادرة وعدم العودة لمقرات المحطات مرة أخرى".

وصل الأمر إلى حد تفجير محطة دجلة التلفزيونية بالكامل، وبعد استهداف واسع النطاق للصحفيين والنشطاء، سافر من استطاع منهم إلى اقليم كردستان خشية على حياتهم.

مدينة الصدر والخوف من صراع مسلح

يبدو أن القمع الشديد والاستخدام المفرط للقوة، قلل من زخم المظاهرات في العاصمة، لكن على أطرافها في مدينة الصدر، التي يبلغ عدد سكانها ثمانية ملايين نسمة، التي تعد من أفقر المدن العراقية، بجانب أن الحكومة تخشاها، فهناك يعيش أتباع التيار الصدري، الذي يقوده رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر، رئيس أكبر كتلة برلمانية تسيطر على 54 مقعدًا.

دعم مقتدى الصدر الاحتجاجات العراقية في البداية، لكنه لم يأمر أتباعه مباشرة بالانضمام إلى المظاهرات بحجة عدم رغبته في تسييس الاحتجاجات، لكنه بعد ثلاثة أيام من التظاهر دعا الى استقالة الحكومة بشكل واضح وصريح.

حصلت تلك المدينة يوم الثلاثاء 8 أكتوبر على نصيبها من عنف الدولة، فشهدت خروج أعداد كبيرة من المتظاهرين، لكن قوبلت تلك المظاهرات بوابل من الرصاص الحي، مما أسفر عن مقتل 14 شخصًا، في ليلة واحدة.

مدينة الصدر قادت مقاومة مسلحة ضد القوات الأمريكية في عام 2003، وبحسب الباحثة الاجتماعية العراقية، زهراء عباس، فإن أهالي تلك المدينة لن يتخلوا عن فكرة الأخذ بثأر أولادهم، الذين قُتلوا على أيدي قوات الجيش، وعلى الحكومة أن تكون مستعدة لذلك.

نعم، استخدمنا القوة المفرطة

في الساعات الأولى من صباح يوم الأربعاء 9 أكتوبر، أمرت الحكومة قوات الجيش بإخلاء المدينة، وأن تحل قوات الشرطة بدلًا منها، يبدو أنهم ادركوا فداحة خطأ قتل أبناء مدينة الصدر.

ولأول مرة منذ اندلاع المظاهرات في أول أكتوبر، اعترفت قوات الأمن في بيان لها أنها "استخدمت العنف المفرط خارج قواعد الاشتباك" ضد المتظاهرين، وأنها ستحاسب كل القادة المتسببين في هذا الخطأ.

أين السيستاني؟

تحدث موقع ألترا عراق عن واقعة فريدة من نوعها، حيث وقف شاب في ممر أحد المستشفيات حيث ترقد جثث قتلى المظاهرات، وصرخ هاتفًا ضد المرجعية الشيعية الأكبر في العراق، آية الله العظمى علي السيستاني.

هذا الأمر يعد شيئًا نادرًا، فآية الله لاسيستاني يتمتع باحترام كبير بين المسلمين الشيعة داخل وخارج العراق، لكن يبدو أن هذا الحراك العفوي، الذي رفض الاستماع إلى أي من الأحزاب والمرجعيات الدينية، مختلف عن أي حراك سابق.

في أول صلاة جمعة بعد بدء الاحتجاجات انتظر جميع العراقيين، كلمة آية الله السيستاني ليعلن موقفه من المظاهرات، لكنه خيب أملهم.


في خطبته التي ألقاها بدلًا منه ممثله أحمد الصافي، اكتفى السيستاني بإدانة قتل المتظاهرين وأفراد الأمن، بالإضافة إلى إدانته عمليات حرق المتظاهرين للمباني الحكومية والمقرات الحزبية.

قدم السيستاني مقترحًا بتشكيل لجنة للتحقيق فيما حدث، ملقيًا باللوم على البرلمان فقط دون الحكومة، مما اعتبره البعض ردًا جافًا وباردًا في ظل تلك الأحداث.

إنهم يتآمرون على أربعين الحسين

منذ اليوم الأول للاحتجاجات العراقية، وإيران تتهم الولايات المتحدة، المملكة العربية السعودية، وإسرائيل باستغلال تلك المظاهرات، لزعزعة استقرار العراق، وإفساد العلاقة بين طهران وبغداد.

في 6 أكتوبر نشر الحساب الرسمي على تويتر للمرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي تغريدة يؤكد فيها على قوة العلاقات بين البلدين، رغم محاولات الأعداء لبث الفتنة، مؤكدا على أن حب الامام الحسين اقوى رابط بين العراق وإيران.

وصرّح رئيس القضاء الإيراني، إبراهيم رئيسي قائلا "لقد ظهرت الفتنة في العراق من أجل التقليل من حدث الأربعين الكبير، سوف يتجاوز العراق الفتنة الأمريكية السعودية لإفساد زيارة الأربعين".

توالت تصريحات كبار المسؤولين في المؤسسة الإيرانية على نفس المنوال، وامتدت نظرية المؤامرة الى وسائل الاعلام الإيرانية بالطبع، فأغلب الصحف المحافظة وحتى الإصلاحية، تناولت فكرة وجود مؤامرة أمريكية سعودية وراء الاحتجاجات العراقية.

مناسبة الأربعين التي ستبدأ يوم 17 أكتوبر، هي ذكرى مرور أربعين يومًا على مقتل الإمام الحسين بن علي (الإمام الثالث لدى المسلمين الشيعة)، في القرن السابع الميلادي في مدينة كربلاء العراقية، وهي مناسبة شيعية سنويةمهمة. ومن المفترض أن يزور العراق حوالي مليونا حاج إيراني، فضلا عن بدء مراسم الزيارة من الآن في العراق.

الحشد الشعبي يهدد

في أول تصريح له منذ اندلاع المظاهرات هدد رئيس الحشد الشعبي فالح الفياض بالانتقام من المتآمرين على التجربة الديمقراطية العراقية، قائلا "نعلم من هم المندسين وسط المتظاهرين، وسيكون هناك قصاص رادع لكل من يحاول اسقاط الدولة، سيكون ردنا مدويًا وواضحًا وبأمر من الحكومة".

اعتبر البعض تصريحات الفياض بمثابة تهديد مباشر للمتظاهرين في حالة استمرار التظاهرات، في حين شملتالكلمة الثانية لرئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي، عددًا من الوعود بالإصلاحات؛ منها محاسبة جميع المتورطين في قتل المتظاهرين وقوات الأمن، وحماية حرية الصحافة، والتعهد بالشروع في إجراءات فورية لترتيب الحقوق المادية لعائلات ضحايا المظاهرات، وغيرها من الوعود التى تخص الإسكان المدعوم، وإتاحة فرص عمل للشباب وبرامج تدريبية.

هدأت المظاهرات في بغداد واغلب المحافظات الجنوبية، مع استمرار حجب الإنترنت، واستمرار التهديدات للصحفيين والإعلاميين، ولا يعلم أحد ما إذا كان سيوافق المحتجون على حزمة الإصلاحات التي أطلقها عبدالمهدى مؤخرًا، خاصة بعد تطور مطالبهم من مطالب اقتصادية واجتماعية إلى اسقاط النظام السياسي بأكمله.

وقت اﻹصلاح

مر عام منذ أن تولي عبد المهدي رئاسة الحكومة العراقية، في وقت اعتبره الكثير من العراقيين أنه الوقت المناسب للإصلاح ومحاربة الفساد، بعد الانتهاء من كابوس تنظيم الدولة الإسلامية.

تخيل البعض أن مع انتهاء التحديات الرئيسية للعراق مثل الصراع الطائفي، والحرب على الارهاب، قد تبدأ الحكومة في الإصلاحيات الاقتصادية، خاصة بعد تحسن ميزانية الدولة، بعدم توجيه أغلب مواردها الاقتصادية لمحاربة داعش.

لكن وقع عبد المهدى في أزمة تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، فالعراق يضم كلا من القوات الأمريكية، والقوات شبه العسكرية العراقية المدعومة من إيران على أراضيه، والخوف من تحويل العراق لساحة خلفية للصراع بين واشنطن وطهران، جعل عبد المهدي يغفل مطالب العراقيين التي طالما هتفوا بها.