تصميم: أحمد بلال- المنصة

أي مقال قرأه السيسي؟

جولة في أروقة الصحافة بحثًا عن كاتب قال إن "الحكومة مبتقولش الصراحة"

منشور الاثنين 16 آذار/مارس 2026

في إفطار الأسرة المصرية، أول أمس، السبت، وخلال كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي وحديثه عن أسباب الزيادة الأخيرة في أسعار الوقود وربطها بتداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، أشار إلى مقال لفت نظره ينتقد عدم الشفافية الحكومية، أو بحسب نص كلام الرئيس "مقال بيقول يعني إن الحكومة مبتقولش الصراحة ويمكن الحكومة بتوعد بوعود ومبتنفذهاش".

لم يَذكر الرئيس اسم الكاتب ولا الصحيفة، لكن مقولته استدعت السؤال: أي مقال يقصد الرئيس في بلدٍ تمر فيه معظم مقالات الرأي عبر مسارات تحريرية حذرة، ونادرًا ما يظهر فيها نقد مباشر للسلطة التنفيذية سواء في الصحف الحكومية أو التي تسيطر على ملكيتها الأجهزة الأمنية والسيادية، أو القريبة منها، وتخضع سياستها التحريرية لرقابة الدولة.

ولأن الكنز في الرحلة، كما يقال، تتبعنا مقالات الرأي المنشورة في الصحف القومية والمواقع الصحفية التابعة للشركة المتحدة، إلى جانب عدد من الصحف والمواقع الخاصة والحزبية والمستقلة، خلال الأيام التي تلت قرار رفع أسعار البنزين والبوتاجاز، وهي الفترة التي تصاعد فيها النقاش حول سياسات الحكومة الاقتصادية.

رصدنا عشرات المقالات؛ كثير منها برّر القرارات الحكومية، وبعضها انتقد بحذر، وقليلٌ فقط اقترب من الفكرة التي قال الرئيس إنها لفتت نظره: أن الحكومة لا تقول كل الحقيقة للمواطنين.

صحف المتحدة: شاهد ماشفش حاجة 

خلت اليوم السابع في نسختها الورقية في اليوم التالي لرفع الأسعار من مانشيت يتحدث عن رفع أسعار البنزين

بتصفح مقالات صحف الشركة المتحدة، التي تضم اليوم السابع والوطن والدستور، منذ إعلان رفع أسعار البنزين وحتى كلمة الرئيس، لا يظهر أي مقال يطابق تعليقه.

بالوقوف عند مقال أكرم القصاص، رئيس تحرير اليوم السابع الأسبق، بعنوان "الوقود والحرب وتحمل المواطن.. وعود الحكومة والرقابة وشفافية القرار"، نرى نمط مسك منتصف العصا، فيشير إلى معاناة المواطنين من التضخم، لكنه في ذات الوقت يبرر قرارات الحكومة الاقتصادية منذ 2020. ودون أن ينتقد سياساتها، يدعو إلى ضرورة دعم المواطن.

خلت اليوم السابع في نسختها الورقية في اليوم التالي لرفع الأسعار من مانشيت عن الحدث الأهم في البلد، واكتفت  بعنوان فرعي: "مدبولي: مراجعة قرارات تحريك أسعار البنزين إذا توقفت الحرب" وعنوان آخر ببنط أكبر "لا مساس بسعر رغيف الخبز المدعم بعد تحريك أسعار الوقود". 

الوطن والدستور لم ينشر كتّابهما أي مقال ينتقد رفع الأسعار، بينما نشر قسم الرأي في الوطن خمسة مقالات تناولت حكمة الرئيس وشفافيته وصراحته مثل "بصراحة القائد ووعي المواطن.. ستبقى مصر" و"صراحة السيسي عن (الحرب والغلاء والديون والدعم) و"كلمات المصارحة والمكاشفة". أما الدستور، فنشرت ما يزيد عن 60 مقال رأي، لم يرد أي ذكر بينهم للأسعار أو أثرها على المواطنين.

الصحف القومية: مُكره مدبولي لا بطل

رغم غزارة المحتوى في قسم الرأي بالأهرام، لم نجد سوى مقالين يتناولان أسعار الوقود؛ الأول بعنوان "زلازل الطاقة"، والثاني "فوق الـ 108 دولارات"، كلاهما يستعرض ارتفاع الأسعار عالميًا دون أي نقد للحكومة.

وفي أخبار اليوم، رغم كثرة المقالات، ثلاثة فقط تناولت ارتفاع أسعار الوقود، مالت إلى تبرير الحكومة؛ الأول بعنوان "نيران الحرب أصابت الجميع" للكاتب محمد الشماع، ويرى أن الحكومة "لا تستطيع تحمل الارتفاعات المرعبة في أسعار البترول، فانعكس ذلك على المواطن"، مشيرًا إلى أن الإجراءات التقشفية كانت تضامنًا مع المواطنين، دون أي مساءلة. أما الثاني بعنوان "اقتصاد الحرب"، فربط ارتفاع الأسعار بالحرب، مؤكدًا أن الحكومة "مضطرة"، وأن ما حدث طبيعي، مع التركيز على أن الأمن والأمان يظل الأولوية.

يؤكد حمدي رزق أن المواطنين يفهمون أن رئيس الحكومة اضطر لاتخاذ هذه القرارات وأنهم سيقفون بجانبه

كان الثالث أكثر جرأة، بعنوان "حوكمة الحكومة 2"، جزء ثانٍ من مقال سابق للكاتب محمد حسن البنا، أشار في مطلعه إلى أن "حتى الإجراء المبشر للمواطنين تبعته الحكومة بزيادة أسعار المحروقات"، لكنه برَّر القرار ودعا الحكومة إلى تنفيذ رؤية الرئيس.

في الجمهورية، حمل مقال لحمدي رزق عنوان "مُكرَه مدبولي لا بطل"؛  من وحي عبارة "مكره أخاك لا بطل" المنسوبة لعمرو بن العاص عندما أمره معاوية بن أبي سفيان لمبارزة الإمام علي. وسبق واستخدمها رزق في مقال سابق نشره بالمصري اليوم عام 2021، للتبرير أيضًا لمدبولي.

مقال حمدي رزق بعنوان "مكره مدبولي لا بطل".

في مقاله الأحدث، وظف رزق كل اشتقاقات كلمة "اضطر"، مشبهًا الشعب المصري بقوله تعالى "والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس"، مؤكدًا أن المواطنين يفهمون اضطرار رئيس الحكومة لهذه القرارات وأنهم سيدعمونه.

لاحظنا أثناء جولتنا بين الصحف أنه بينما تميل صحف "المتحدة" إلى مصطلح "تحريك الأسعار"، تستخدم الصحف القومية "رفع"، ما يعكس اختلاف النبرة التحريرية بين المجموعتين.

"الأمل" في الخاصة والمستقلة والحزبية

لوهلة، بدا الرجاء ضعيفًا في العثور على المقال الذي قرأه الرئيس في صحف "المتحدة" والصحف القومية، فاتجهنا إلى البحث في الصحف والمواقع الحزبية والخاصة، مثل المصري اليوم والوفد والشروق والقاهرة 24 وصدى البلد، والتي من المفترض أن لديها بعض الاستقلالية، وإن كانت لا تبعد عن الخط المرسوم بعناية. ثم توقفنا أمام احتمال آخر؛ هل يقرأ الرئيس المواقع المستقلة التي تتسم مقالاتها بالجرأة والحرية والخروج عن الركاب الحكومي، مثل المنصة أو مدى مصر؟

رغم أن موقع القاهرة 24 كان أول من نشر خبر ارتفاع أسعار الوقود، قبل إعلانه رسميًا بساعات، فإنه خلا من أي مقالات تنتقد الحكومة، واكتفى بالمحتوى الخبري في متابعة رفع الأسعار. ولا يبتعد موقع صدى البلد كثيرًا، فلم ينشر أي مقالات تنتقد السلطة فيما يتعلق بالزيادة، على العكس يبرر سيد الضبع في مقال بعنوان "هل ما نعيشه اليوم هو الأصعب؟ أم أن المصريين واجهوا ما هو أقسى في الحروب؟"، فيقول إن أجيالًا عاشت ظروفًا كانت فيها الحياة نفسها مهددة، لا مجرد الأسعار أو الضغوط المعيشية.

يشير عماد الدين حسين إلى صعوبة فهم المواطنين لارتفاع الأسعار وتأثيرها على السلع المرتبطة بالنقل

وفي الشروق، وجدنا مقالان يستدعيان التوقف عندهما، الأول لعماد الدين حسين، بعنوان "أسعار الوقود.. أين المشكلة؟!" ويطرح سؤالًا جوهريًا "هل يمكن للحكومة أن تكسب ثقة غالبية المواطنين في موضوع الوقود؟". بدأ بالإشارة إلى صعوبة فهم المواطنين لارتفاع الأسعار وتأثيرها على السلع المرتبطة بالنقل، قبل أن يعرض الكاتب القرار من وجهة نظر الحكومة، موضحًا أن الأزمات العالمية وارتفاع أسعار البترول والدولار أجبرتها على هذا القرار.

وأشار رئيس تحرير الشروق إلى أن الحكومة مضطرة للشرح للمواطنين بلغة بسيطة، حجم الدعم الذي تقدمه، مؤكدًا أن "بعض المواطنين يظنون أن الحكومة تكسب من جيب المواطن، وهو الأمر غير الصحيح على الإطلاق".

المقال الثاني بعنوان "الحكومة والشعب والحل السهل" ، وفيه يشرح أشرف البربري أن الحكومة اختارت الحل الأسهل لها والأصعب على المواطنين. بينما في المقابل، اعتمدت دول مثل ماليزيا وتايلاند والفلبين حلولًا تخفيف العبء على مواطنيها، مما يعمّق أزمة الثقة بين الدولة والشعب.

رغم بعض الجرأة التي تطل برأسها على حذر في المقالين، فإنهما بعيدان عن احتمال أن يكون أحدهما المقصود فهما لم يكذّبا الحكومة ولم يقولا إنها لا تفي بوعودها.

جرأة تقف عند حدود الحكومة

امتازت الوفد بالجرأة في صفحتها الأولى في النسخة الورقية في تكرار لما سبق وفعلته في موجة الرفع قبل الأخيرة

امتازت الوفد بالجرأة في صفحتها الأولى في النسخة الورقية، في تكرار لما فعلته في موجة الرفع السابقة، كما نشرت عدة مقالات عن ارتفاع أسعار الوقود؛ بالبحث بينها عما يمكن اعتباره المقالة المنشودة نجد مقالة للكاتب مجدي حلمي بعنوان واضح وصريح "رفع أسعار الوقود وعجز الحكومة". وفيها صورة قسوة الواقع الاقتصادي، معتبرة أن رفع أسعار الوقود والغاز والكهرباء يعكس عجز الحكومة، التي يصفها الكاتب "حكومة جباية بامتياز"، مشيرًا إلى أن زيادة الحد الأدنى للأجور لا تستفيد منها إلا فئة محدودة، بينما الأغلبية العظمى من العمال وأصحاب المعاشات محرومة. كما انتقد الإجراءات تحت مسمى ترشيد الإنفاق، مثل إطفاء إنارة الشوارع، ودعا إلى أن يبدأ الترشيد من أعلى الهرم الحكومي، بتقليل الرواتب والسفر والمواكب الرسمية، ليكون المواطن قادرًا على رؤية التزام الحكومة والعدالة في الإنفاق.

رغم حدة لغة المقال فإنه لم يأت على ذكر أن الحكومة تكذب أو لا تقول الصراحة، ما يبعده عن دائرة الاشتباه.

تضييق دائرة الاشتباه

في المواقع المستقلة، لم يتناول مدى مصر الزيادة الأخيرة في قسم الرأي، إنما تابعها بالتقارير المعمقة التي تبرز آثارها على جواب الاقتصاد المتنوعة، وأبرزها تقرير بعنوان "ماذا تفعل الدولة بين مطرقة التضخم وسندان انخفاض النقد الأجنبي؟" للصحفيتين بيسان كساب وسارة سيف الدين، ويربط التقرير بين رفع أسعار الوقود والتضخم مع خلفية اقتصادية قد تفسر اتخاذ الحكومة قرارات صعبة تؤثر على أسعار الدواجن والخبز والنقل.

في موقع المنصة، إلى جانب التغطية الخبرية، وحلقة حوارية جمعت خبراء وباحثين اقتصاد في برنامج "نيوزروم المنصة" تناولت الأثر الاقتصادي والاجتماعي لغلاء الطاقة على مصر، نُشر المقال الأسبوعي للكاتب عمار علي حسن، تحت عنوان "المصريون وأسعار الوقود.. مشكلات سبع في السنوات العجاف".

يُعد مقال عمار علي حسن واحدًا من أسخن ما نشر عن رفع أسعار الطاقة

فصَّل المقال تبعات رفع الأسعار على المصريين، وعدّد سبع مشكلات تواجههم، واستعرض تذبذب الأسعار، وأثر الحروب والأزمات العالمية، وتوقع ألّا يلتزم مدبولي بوعده بمراجعة الأسعار حال انتهاء الحرب، وقال صراحة "المعتاد من الحكومة أنها لا تلتزم بمثل هذا الوعد، ولن تعدم وقتها حجة، فالناس اعتادوا أن ارتفاع سعر الشيء لا يعقبه انخفاض في الغالب الأعم".

رغم توقع عمار علي حسن عدم إيفاء الحكومة بوعدها بمراجعة الأسعار إذا توقفت الحرب، فأنه لم يربط ذلك بغياب الشفافية. كما أن موعد نشر مقال عمار في الساعة الثانية والنصف، قبيل حفل الإفطار بـ 3 ساعات، يُضعف احتمال أن يكون توفر وقت الرئيس لقراءته، إذا اعتقدنا أنه يتابع مساحتنا الحرة.

كانت محطتنا الأخيرة جريدة المصري اليوم، وهناك وقفنا أمام مقالين؛ الأول بعنوان "الحرب واقتصادنا ورد فعلنا" يطرح فيه الدكتور زياد بهاء الدين على الحكومة عددًا من الأسئلة "لِمَ هذه القفزة الكبيرة؟ ولِمَ بنفس المبلغ المقطوع؟ وهل كان الأفضل انتظار استقرار أسعار البترول والغاز؟ وهل هي زيادة طارئة أم كانت واقعة في كل الأحوال؟ وكيف سيتم ضبط الميزان الاجتماعي بالنسبة للفئات المتأثرة أكثر من غيرها؟" لكن هذه الأسئلة وإجاباتها المتوقعة بعيدة عن مقصد الرئيس.

أما المقال الثاني، فتتوفر فيه المعطيات ليكون هو المقصود.

حمل مقال علاء الغطريفي عنوان "حكومة تكذب..!"، وجاءت بدايته ساخنة؛ "لم يعد لنا سوى الكلمة لنسائل هذه الحكومة التي لا يحاسبها أحد، رغم عظم اللحظة وملمات الواقع والمخاطر المحيطة، فقد تعودت الكذب ونكث الوعود مرات ومرات دون خجل، لأنها تدرك تماما غياب فكرة المحاسبة نفسها!."

يكمل رئيس تحرير الجريدة "هذا تاريخ المواطنين مع حكومتهم، وبالتالي لا يمكن أن يصدقوها، لم يعد هناك جدار باقٍ للثقة فيها كى يلتجئ إليه الناس!....هي لا تستطيع الوفاء بما تعهدت به فكيف لنا أن نصدق روايتها الحالية عن العودة إلى أسعار المنتجات البترولية إلى ما قبل 10 مارس عند عودة الأمور إلى طبيعتها؟ الحكومة مستمرة فى مسيرة الأكاذيب".

مقال الغطريفي استكمال لسلسلة مقالات اعتاد فيها مهاجمة الحكومة منذ منتصف 2024، زادت حدتها في الآونة الأخيرة بعد توجيهات الرئيس في أغسطس/آب الماضي بالانفتاح على مختلف الآراء، بما يرسخ "مبدأ الرأي والرأي الآخر" حسب قوله، مؤكّدًا عدم جواز أن يكون "الرأي الآخر محجوبًا أو ممنوعًا من الظهور في وسائل إعلام الدولة". كان بين تلك المقالات "حكومة لا تتعظ..!"، وفيه ينتقد اعتمادها على الأموال الساخنة، ومقالات أخرى بعناوين حكومة بلا حساب..! وحكومة "التحريك! ومدبولي والنقد الممنوع! وحكومة السرديات.

 في جميعها يوجه رئيس تحرير المصري اليوم انتقادات حادة تقف كلها بالطبع عند حدود الحكومة، ولا تتعدى ذلك بخطوة واحدة.

سواء كان مقال الغطريفي المقصود أو غيره، فإن هذه الجولة في الصحف كاشفة لحال "السلطة الرابعة" في مصر، ومدى استئناسها والسيطرة على غالبية منابرها، التي كان من المفترض أن تعبر عن الناس.