تصميم: يوسف أيمن

كيف عطل "الإصلاح الاقتصادي" مفعول مسكنات الدعم 

جردت سنوات الإصلاح الاقتصادي الدولة بالتدريج من أدواتها الشعبوية، فالدعم اليوم أصبح نقديًا أي أن قيمته الحقيقية معرضة دائمًا للتآكل أمام مستويات التضخم.

ليس شيئًا غريبًا أن يستضيف الإعلامي عمرو أديب في برنامجه على قناة إم. بي. سي مصر وزير التموين على المصيلحي، للحديث حول شكوى المستبعدين من منظومة الدعم، بعد يومين على انتهاء دعوة المقاول محمد علي للنزول من أجل التظاهر في جمعة 27 سبتمبر/ أيلول بعد استجابة محدودة لدعوته الأولى التي عرفت بمظاهرات 20 سبتمبر/ أيلول.

ومن الملفت للنظر أيضًا أن يخرج الرئيس عبد الفتاح السيسي من خلال صفحته على فيسبوك في نفس اليوم، 29 سبتمبر/ أيلول، معبرًا عن تفهمه لموقف المواطنين الذين تأثروا سلباً ببعض إجراءات تنقية البطاقات التموينية وحذف بعض المستحقين منها، واعدًا إياهم بمتابعة تلك الإجراءات.

بدا أديب أقل حدة، خلال الحلقة التي استضاف فيها وزير التموين، مقارنة بالحلقات الأخرى التي هاجم من خلالها دعاوى التظاهر والمتظاهرين إلى حد وصفهم بالخونة والمتأمرين.

واستشهد أديب خلال اللقاء بـ"موقف المصريين يوم الجمعة اللي فات (27 سبتمبر)"، وربما قصد بتعليقه عدم استجابة الغالبية لدعاوى التظاهر، وصبرهم في السنوات الأخيرة على آثار الإجراءات التقشفية لصندوق النقد، والتي تسميها الحكومة برنامج الإصلاح الاقتصادي.

وليس أمرًا غريبًا ارتباط الدعم بالأحوال السياسية في مصر ، فتاريخيًا ظلت سياسات الدعم الأداة التي تستخدمها الحكومة المصرية للسيطرة على الحالة المزاجية للجماهير.


بيد أن المرحلة الحالية تختلف عن سابقتها إذا نظرنا إلى التضارب بين رغبة الحكومة في تكرار التوسع في استخدام "الدعم" كأداة لتهدئة غضب الشارع، وبين اضطرارها للحد منه بضغط من مؤسسات التمويل الدولية تحت مسمى "الإصلاح الاقتصادي"، وهو ما جعل وزارة التموين في مرمي الانتقاد.

حاول وزير التموين خلال الحلقة الدفاع عن خطوة استبعاد بعض الفئات التي لا ترى الدولة استحقاقها للدعم، ويبث الطمأنينة بوعود إعادة النظر في شكاوى المستبعدين بالخطأ قائلًأ إن الحكومة ستنظر لهم "بمنتهى الموضوعية والإحسان"وهي المقولة التي أثارت موجة واسعة من السخرية على مواقع التواصل الاجتماعي.

ولفهم هذه اللحظة المرتبكة في سياسات الدعم بمصر نحتاج لأن نتذكر ما جرى في سياسات التموين خلال العقود الماضية.


التموين من المعمّم إلى الموجّه

عادة تصنّف سياسات الدعم إلى نوعين؛ الدعم المعمّم وهو الدعم المتاح لأي مواطن، وتقوم فكرته على افتراض أن لكل مواطن حق في ثروة البلاد وبالتالي يحصل على نصيبه في صورة إنفاق اجتماعي.

أما الدعم الموجّه فهو نابع من سياسات ليبرالية ويطلق عليه (means tested assistance) لأنه يوجّه على أساس مستوى دخل المتلقي، والفكرة وراء هذا الأسلوب هي توجيه الدعم للفئات الفقيرة، فقط، وبمستويات متدنية من الدعم حتى يظل لدى هذه الفئات الحافز على العمل.

لعقود طويلة ظل دعم التموين في مصر أقرب للدعم المعمّم وانشغلت الحكومة بإجراءات الحد من الانفاق على الدعم، إلا أنها بدأت تتحول لدعم موجه على يد المصيلحي، قبل وبعد ثورة يناير.

اتسمت حقبة السادات بالإنفاق الواسع على الدعم الغذائي بسبب ارتفاع مستويات التضخم في عهده، بالإضافة لزيادة عدد السلع المباعة من خلال بطاقات التموين. وعندما قرر السادات في 18 يناير/ كانون الثاني 1977 رفع أسعار سلع غذائية، اضطر في اليوم التالي لإلغاء قراره بعد احتجاجات شعبية واسعة.

أما مبارك فقد سعى للحد من هذا الدعم، خلال أول عقدين من عهده، عن طريق سياسات تنقية البطاقات، قسَمت حكومة مبارك بطاقات التموين لنوعين، واحدة يحظى حاملوها بدعم جزئي وهي الفئات التي ترى الدولة أنهم من المقتدرين مثل العاملين في الشركات الأجنبية وأصحاب الشركات السياحية والحائزين على أكثر من 10 أفدنة وغيرهم، وبطاقات أخرى تقدم الدعم الكلي لمن تُصنفهم الدولة بغير القادرين.

لكن آسيا الميهي، تقول في رسالة دكتوراة في الفلسفة أعدتها عن مصر لجامعة تورنتو، إن هذه السياسة عمليًا لم تسهم في استبعاد فئات كبيرة من بطاقات التموين، لأن الدولة جعلت عملية إثبات الدخل "تطوعية" وغير إلزامية، وبالتالي كانت نسبة من يحظون بالدعم الجزئي 3% من السكان.

غير أن مبارك حد من الدعم بطرق أخرى، منها مثلًا أنه أغلق الباب أمام ضم المواليد الجدد لبطاقات التموين منذ عام1988، واستمر هذا الباب مغلقًا حتى 2011.

كانت منظومة الدعم تلك على وشك أن تشهد تغيرات هيكلية كبرى على يد المجموعة النيوليبرالية التي تولت الحكومة في السنوات الأخيرة من عهد مبارك، ألغى المصيلحي، وقت أن كان وزيرًا للتضامن الاجتماعي لحكومة مبارك في عام 2008، بطاقات الدعم الجزئي، تمهيدًا لقرار آخر أصدره في عام 2009 يضع محددات للفئات المستحقة للانضمام لبطاقات التموين على أساس الدخل.


التحول إلى دعم نقدي موجّه في عهد السيسي

في عام 2017 عادت الدولة وأصدرت معايير جديدة للفئات المستحقة للدعم التمويني رفعت فيها مستويات الدخل المستهدفة بعض الشيء، زاد مثلًا الحد الأقصى لمعاش مستحق الدعم من 750 جنيهًا إلى1200 جنيهًا، وأصبح الدعم مستحقًا للعاملين في الحكومة والقطاع العام المؤمن عليهم بأجر بحد أقصى 1500 جنيهًا، بعد أن كان الشرط أن لاتزيد مرتباتهم عن 1000 جنيهًا.

هذا بجانب إعلان الدولة عن معايير أخرى للاستبعاد من الدعم، تتعلق بأمور ترى الدولة أنها تعكس مدى الاقتدار المادي للأسرة مثل امتلاك سيارات من طراز معين أو دخول الأبناء لمدارس خاصة إلى أخره.

وكانت الخطوة الأخيرة، في عام 2017، نقطة انطلاق مهمة لتحول دعم التموين من دعم معمم إلى دعم موجه على أساس الدخل، وسبقتها بضعة خطوات مهدت الطريق لهذا التحول.

طبقت الدولة في 2014 نظام توزيع الخبز على الكروت الذكية، والذي لم يعد بمقتضاه حصول المواطنين على الخبز المدعم من المخابز مباشرة وبدون حد أقصى، وإنما أصبحت هناك حصة محددة من الخبز لمن يمتلكون بطاقة تموينية فقط، مقدرة بخمسة أرغفة يوميًا لكل شخص مسجل على البطاقة.

وشملت أيضًا عملية إعادة هيكلة الدعم تحديد مبلغ مالي مستحق لكل من يحمل بطاقة تموين لشراء السلع من السوق، في محاولة لتحويل النظام من الدعم السلعي للدعم النقدي، صحيح أن الدولة استمرت في إتاحة السلع الأساسية بأسعار مدعمة في الأسواق لكنها منحت المستهلك الحرية في اختيار السلع المدعمة التي يحتاج لاستهلاكها أو شراء سلع السوق الحر بالمخصصات المتاحة له من مبلغ الدعم.

وهكذا أصبحت الصورة الجديدة للدعم، دعمًا نقديًا موجهًا لفئات محددة على أساس مستوى الدخل، مع حصة محددة من أرغفة الخبز توجه حصريًا أيضًا للفئات المستحقة من وجهة نظر الحكومة، "فهل مرت هذه التحولات كالسكين في الحلاوة؟" بالطبع لا.


السيستم واقع

ظهرت مشكلة في الدعم الموجّه باستبعاد العديد من المواطنين المنطبق عليهم شروط استحقاق الدعم، وكانت واحدة من أسباب هذه المشكلة هو معيار الاستبعاد من الدعم على أساس الاستهلاك المرتفع للكهرباء، بحسب ما رواه المصليحي في حواره مع أديب.

يقول المصيلحي "بعض الناس كان عندها تراكمات في فواتير الكهرباء وبعد كدة راحت دافعة مرة واحدة فطبعًا بيبان في الدفع أنه دفع 3000 جنيه و2000 جنيه و2500 جنيه، وبالتالي كان بالنسبة للكمبيوتر استهلاكه للكهرباء كبير فيستبعد من التموين... وبالتالي وجدنا أن بعض الناس لها حق ولكن تم حذفهم".

نحن إذن أصبحنا أمام عقل إلكتروني أشبه بجهاز إطعام العمال في فيلم شارلي شابلن الشهير "العصور الحديثة"، والذي يبدو للوهلة الأولى أداة تكنولوجية براقة لتوفير الوقت والمال، ولكن عندما يصيبه الخلل لا يُفرق بين قطعة اللحم الناضجة وتروس الماكينة، ويقذف بأي شيء أمامه في فم العامل البائس.

تُظهر تلك النوعية من المشكلات في الدعم الموجّه مميزات الدعم المعمّم، صحيح أن هذا الدعم به جانب من الإهدار لأن بعض الفئات مرتفعة الدخل تظل حريصة على جمع زجاجات الزيت وأكياس الأرز المدعمة، لكنه يتميز في نفس الوقت بالقدرة على الوصول للفقراء، ويُجنب الأسر محدودة الدخل عمليات الاستبعاد العشوائية التي لها أثر اجتماعي غير هيّن قد يصل إلى النزول للتظاهر مثلما حدث في جمعة 20 سبتمبر.

لذلك، تعهّد وزير التموين في حديثه مع أديب بأن بطاقات الفئات التي سعى نظام التموين مؤخرًا لاستبعادها سيتم النظر في تظلماتها خلال 20 يومًا، وإذا لم يتم البت في تلك المدة ستظل سارية، وهو إجراء نتمنى تنفيذه لتخفيف أعباء الأسر في مواجهة الضغوط المعيشية الراهنة.


الدعم الحالي لا يكفي

وبجانب مشكلة عدم وصول الدعم لمستحقيه، هناك معضلة أخرى تتعلق بحجم الدعم نفسه ومدى كفايته لنفقات المعيشة الراهنة.

المصيلحي زعم في حواره مع أديب أن القيمة الحقيقية للدعم التمويني المقدم في الوقت الراهن تزيد عن مثيلتها في 2010، ولكنه لم يعرض الأسس التي بنى عليها هذه المقارنة.

ولكن سنحاول أن نعقد مقارنة لرسم صورة أوضح عن مدى كفاية هذا الدعم من خلال نسبة الدعم التمويني لقيمة حد الفقر المدقع، والتي يمكن من خلالها أن نتبين قدرة هذا الدعم على مواجهة أعباء المعيشة.

المقصود بحد الفقر المدقع هو الحد الذي عنده لا يستطيع المواطن أن يغطي نفقات وجباته الأساسية، وهذا الحد بلغ في آخر بحث للدخل والإنفاق صدر عن جهاز الإحصاء الحكومي 490.8 جنيه في الشهر.

بينما تصل قيمة الدعم التمويني إلى 50 جنيهًا للفرد، أي أن هذا الدعم لا يمثل إلا نحو 10% من احتياجات الفقراء من الغذاء. ناهيك عن أن قيمة هذا الدعم ظلت ثابتة منذ آخر زيادة لها في 2017 من 21 جنيهًا إلى 50 جنيهًا، ومؤخرًا فقط، وبالتزامن أيضًا من تغير الحالة المزاجية للشارع المصري، تحدث نواب في البرلمان عن ضرورة زيادة هذا الدعم إلى 100 جنيهًا.

ومن المهم هنا أن نشير إلى أن الدعم ليس ضرورة للفقراء فقط، ولكنه كان يمثل مساندة للطبقة الوسطى القريبة من السقوط في الفقر، وانسحاب هذا الدعم من هذه الطبقة قد يدفعها للإنفاق بشكل أقل على مجالات مهمة لتوفير احتياجاتها الغذائية، مثل الإنفاق على التعليم والصحة.

مع هذا الحرص الشديد على الحد من نفقات الدعم، أخلت الدولة في السنوات الأخيرة بمعادلة مبارك السياسية والمتعلقة بخفض الدعم مقابل زيادة الأجور، فقد تزامنت إعادة هيكلة الدعم مع تطبيق قانون الخدمة المدنية الذي حد بشكل قوي من الأجور المتغيرة في الجهاز الحكومي.

انتهاء تأثير الأداة الشعبية

باختصار، فإن أعين الحكومة تنظر للدعم من منظور نيوليبرالي، يرى أن هذا الدعم يجب أن يكون في أضيق الحدود وموجهًا للفئات شديدة التدني في دخلها، وليست مشكلة كبيرة إذا تم استبعاد بعض المستحقين بسبب أخطاء الكمبيوتر.

ولكن هذا الرداء النيوليبرالي، الذي يمثل جوهر سياسات الحكومة في الوقت الحالي، ترى الدولة أنه لا يناسب لحظات تحول مزاج الشارع المصري، فهي في هذه الأوقات تريد استخدام الدعم كأداة شعبوية بامتياز.

تريد الحكومة إذن أن تبدل الردائين حسب كل ظرف سياسي، تارة تكون حكومة جادة في "الإصلاح"، وعندما يزمجر المواطن تُخرج عباءة البر والإحسان من الدولاب.

لكن المفارقة أن سنوات من "الإصلاح الاقتصادي" جردت الدولة بالتدريج من أدواتها الشعبوية، فالدعم اليوم أصبح نقديًا أي أن قيمته الحقيقية معرضة للتآكل أمام مستويات التضخم.

كما أن عمليات تنقية البطاقات تم تنفيذها بالفعل على نطاق واسع، وجرى استبعاد الكثيرين ممن ترى الحكومة أنهم لا يستحقون الدعم.

لذا فقدرة الدولة على استخدام التموين كأداة لمغازلة الرأي العام أصبحت محدودة. هذا الدعم صار محدودًا في قيمته أمام التضخم ومحدودًا في انتشاره، فهو الآن، بحسب بيانات موازنة 2019/2020، يغطي 63.2 مليونًا أي نحو 63% من السكان (مقابل نحو 72% في موازنة 2014/2015).