محيي إسماعيل - صورة من صفحته على فيسبوك

الأفعال العجيبة لمحيي إسماعيل: ما يفعله التريند في الإنسان

برهن التحول الكبير في تصرفات محيي إسماعيل على أن المعاناة من العزلة قد تفجر في الإنسان مع نهايات العمر طاقة كبيرة ورغبة في اللحاق بذيول الفرص ليبقى حاضرًا في ذاكرة الناس، مهما كانت كيفية هذا الحضور.

لم يفلت الفنان محيي إسماعيل من قبضة السخرية اللاذعة لمواقع التواصل الاجتماعي خلال ظهوره الأخير في مهرجان الإسكندرية السينمائي الدولي والذي كان مشجعًا بالفعل على السخرية، بعد أن علق كعادته بمفردات صادمة على بعض الأسئلة العادية التي وجهها له أحد مراسلي القنوات الفضائية.

محيي إسماعيل المولود في محافظة المنوفية عام 1946، والمشهور بتجسيد الشخصيات التي تعاني من عقد النفس البشرية، تمكن في فيديو مدته أقل من دقيقة واحدة أن يضع نفسه على قمة التريند، ويفجّر مؤشرات البحث عن اسمه تنقيبًا وراء مواقفه القديمة الساخرة وحواراته الصادمة التي تظهر فيها نرجسيته التي لا تستند إلى تاريخ فني عريض أو أدوار بارزة خلال مسيرة فنية امتدت نحو خمسين سنة، وحده يرى أن ما قدمه خلالها كان عظيمًا يستحق التقدير والحفاوة.


الهيئة اللافتة التي يظهر بها محيي إسماعيل في حواراته الإعلامية، والتعليقات الغريبة التي يطلقها، ربما تكون وليدة العزلة التي فرضها على نفسه لسنوات طويلة ورفضه الانخراط داخل الوسط الفني في مصر لأسباب لم يعلنها مباشرة، مكتفيًا بالإشارة في بعض حواراته إلى أن الأجواء المسيطرة على الوسط بشكل عام لا تعجبه.

يرد محيي إسماعيل على الهاتف سريعًا عكس أغلب النجوم الكبار. جرس فآخر قبل أن يأتي صوته المميز بلهجة ترحيب متعالٍ. قال لـ المنصة تعليقًا على تصدّره للتريند "تريند؟ لا أعرفه بالطبع، لكن اهتمام الشباب جميعًا بلا استثناء هو رد على حالة التعتيم الكبيرة التي تعرضت لها من الإعلام على أعمالي العظيمة وأدواري الاستثنائية لأسباب لا اعرفها بعد أن خضت مسيرة طويلة قاسية اخترت فيها كل عمل بعناية كبيرة وسيستمر هذا الزخم حولي إلى الأبد، لأن اليوم يعلم الشباب من هو محيي إسماعيل وعلموا من هو قيصر السينما المصرية وملك السايكو دراما".

بدأ محيي إسماعيل مسيرته الفنية عام 1968، شارك في نحو 25 فيلمًا و14 مسلسلًا وأربع مسرحيات معظمهم خلال السبعينات وأوائل الثمانينات، وكان أشهر أدواره الشخص المصاب بالصرع في فيلم الإخوة الأعداء، وهو الدور الذي جعله يتعمق في قراءات علم النفس، فانحصر في الأدوار المشابهة.

يردد محيي إسماعيل بشكل مستمر أنه شارك في بطولة عشرين فيلمًا من أفضل ما أنتجت مصر، ولكن بالعودة إلى قائمة أهم 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية، فهي لا تتضمن أي فيلم شارك فيه إسماعيل باستثناء خلي بالك من زوزو (1972) الذي أدى فيه دورًا ثانويًا لعله من أهم أدوار مسيرته.

ملصق دعائي لكتاب محيي إسماعيل عن علم النفس - من صفحته الشخصية على فيسبوك

المسيرة المتواضعة لمحيي إسماعيل لفتت نظر الناقد الفني خالد شاهين، الذي قال لـ المنصة إنه يعتقد أن "عدد الساعات التي قضاها إسماعيل أمام كاميرات السينما ربما لا تتجاوز 20 ساعة، وهو رقم هزيل مقارنة بفنانين صف ثان وثالث، فالفنان يكتسب أهميته من أعماله واستمراريته في فن التمثيل وليس بالانقطاع بالسنوات والعودة بأعمال غير مهمة".

واستشهد شاهين بالدور الذي أداه محيي في فيلم حد سامع حاجة عام 2009، وهو دور عادي يجسد فيه شخصية راوٍ يحكي أحداث الفيلم في مشاهد دخيلة على الأحداث يظهر فيها وحيدًا دون أن يظهر متفاعلًا مع أبطال العمل. يرى شاهين أنه "دور عادي لا يوازي القيمة التي يقدم بها محيي إسماعيل نفسه، لكنه بارع في أمر أخر بعيد عن التمثيل وهو خلق حالة الغرابة حوله لجذب أنظار الناس ليعوض نفسه عن انحسار النجومية".

تلقى إسماعيل تساؤل المنصة عن أن 24 فيلمًا و14 مسلسلًا وبضع مسرحيات هي أعمال قليلة نسبيًا بالنسبة لممثل أمضى 50 عامًا في مجال التمثيل بغضب، إذ رد قائلًا "أنت لا تعرف أعمالي ولا تاريخي أو ماذا قدمت للسينما المصرية وكيف أضفت لفن التمثيل بعدًا جديدًا، ذاكر تاريخي أولًا لتعلم أني قدمت مسيرة عظيمة، ثم يمكننا التحدث، فأنا الآن أحظى بحفاوة كبير من الشباب نتيجة شقائي في مسيرتي الفنية وسيعقب حواري معك 120 حوارًا آخر لأن الجميع علم قدر محيي إسماعيل".

الغرابة وقود للشهرة

لعل نرجسية محيي إسماعيل، بالإضافة إلى آرائه الصادمة، هي الوسيلة التي يلجأ إليها لجلب الاهتمام. هو يعرف أن الناس تحب الشخصيات الاستثنائية وتنبهر أحيانا بأصحاب الآراء الغريبة المتفلسفة، فيقدم لهم ما يحبونه ويستخدم ذلك كوقود لإثبات وجوده كلما سنحت له فرصة الظهور على الشاشات في أي لقاء، فيصبح ما يطلقه من كلام هو ما يضعه في بؤرة الاهتمام، بدلًا من أن تدافع عنه أعماله التي تترجم موهبته.

ولكن تتبع ظهور محيي إسماعيل على الشاشات في صورة الضيف على البرامج الحوارية، يكشف عن تطور وتحول كبير في شخصيته، فقبل أكثر من 40 سنةً كان ظهور إسماعيل على الشاشة ضيفًا في البرامج الحوارية يمتاز بالرزانة والثبات، لم يكن قد استحضر هذه الشخصية العبثية التي نراها اليوم تمارس النرجسية وتأتي بالأفعال الغريبة للفت النظر.

مثال على ذلك، ذلك الحوار الذي حل فيه إسماعيل ضيفًا على الشاعر الكبير صلاح جاهين قبل 43 سنةً. يومها اتسّم محيي بالرزانة والتعقل، وكانت إجاباته واضحة منطقية، تعبر عن وجهات نظره المختلفة بعض الشيء عن السائد وقتها، ولم يمارس أيًا من أفعاله العجيبة أمام جاهين.


عندما سألته عن رأيه فيما قاله له جاهين في اللقاء الذي جمعهما بأنه لا يصلح كبطل سينمائي لاعتبارات عدة منا شخصيته الغريبة وحجم أنفه وتضاد حاجبيه، رد بصوت منفعل وهو يتساءل مستنكرًا "هل هذا هو كل ما لفت نظرك كصحفي في الحوار؟ التركيز على هذه النقطة أمر خاطئ جدًا لإن في نفس الحوار وجه صلاح جاهين لي اللوم لرفضي أحد الأدوار المهمة في عمل كان يكتبه، رغم أن ثروتي وقتها لم تكن أكثر من 20 جنيهًا، وهو ما يفسر بحثي الدائم عن القيمة وتبني فلسفة الاستغناء تجاه أي شيء يخالف قناعاتي وأفكاري وإيماني بأن الرزق بيد الله وحده".

استمر محيي إسماعيل على نفس المنوال في الظهور المتعقل بعض الشيء في اللقاءات المتعددة التي ظهر خلالها ضيفًا على التلفزيون في فترة الثمانينيات والتسعينيات، مثل ذلك اللقاء الذي جمعه بمجموعة من الفنانين على رأسهم المطربة الراحلة صباح، في برنامج من إخراج جميل المغازي، وغنى وقتها إحدى الأغاني الفلكلورية، وبدا شكله وتصرفاته عاديةً، كشخص لا يطلق النكات السخيفة أو يتحدث معبرًا عن أفكار غريبة.


استمرت الحالة الهادئة لمحيي إسماعيل في لقاءاته المختلفة حتى منتصف التسعينات، عندما بدأت بعض الشطحات الغريبة على فترات متباعدة مثلما أحضر سلحفاة في لقائه مع الإعلامية منى الحسيني في برنامج حوار صريح جدًا، الذي كان واحدًا من البرامج الرمضانية الأعلى مشاهدة خلال فترة التسعينات.


شخصية استثنائية

مع مرور الزمن والتقدم في السن، بدأت طبيعة محيي إسماعيل الهادئة تتغير ليتحول تدريجيًا إلى ذلك الرجل غريب الأطوار الذي يطل علينا بتصرفاته الجنونية. بدأ ذلك تحديدًا في رمضان عام 2009 عندما ظهر بعد غياب طويل مع الفنانة غادة عادل في برنامج أنا واللي بحبه. يومها أطلق محيي العنان لنكاته وتعليقاته الغريبة، وأتى ببعض التصرفات الجنونية التي أثارت استغراب غادة عادل وضيفها الآخر الفنان أحمد آدم.


توالت لقاءات محيي التي مارس فيها الجنون. في رمضان 2010 حلّ ضيفًا على الإعلامي تامر أمين في برنامجه الاعتراف، وبعدها بدأت ردود الأفعال تتوالى على استثنائية شخصية محيي غريبة الأطوال على الشاشة، وربما شعر الرجل أن ما فاته من شهرة لم تحققها له مسيرته الفنية يمكن أن يتحقق من خلال الترويج لنفسه كمثقف غريب الأطوار وخفيف الظل، وغير متوقع التصرفات.

خلال السنوات الأربعة الأخيرة، زادت جرعة الغرابة التي يطلقها إسماعيل، وهو ما يمكن تتبعه خلال لقاءاته مع إسعاد يونس في برنامج صاحبة السعادة. وهو أمر ربما يتناسب عكسيا مع تقدمه في السن، فكلما مر العمر دون الفوز بفرص جديدة في السينما أو الدراما كانت الحوارات التليفزيونية هي الفرصة التي يقدم محيي نفسه من خلالها للجمهور، كشخصية استثنائية يحب أن يلتفت لها الناس.


برهن التحول الكبير في تصرفات محيي إسماعيل على أن المعاناة من العزلة قد تفجر في الإنسان مع نهايات العمر طاقة كبيرة ورغبة في اللحاق بذيول الفرص ليبقى حاضرًا في ذاكرة الناس، مهما كانت كيفية هذا الحضور.