تصميم: يوسف أيمن- المنصة

أين أشجاري؟

أنا وصديقتي والنساء اللاتي يقفن بالروب يصرخن في الشوارع، نشكّل بالنسبة للمارة مادة خصبة للابتسام والضحكات وتعليقات ساخرة: الله.. ستات مجنونة في الشارع؟ أول مرة أشوف ستات مجنونة في الشارع.

تشهد القاهرة مجزرة ترتكب بحق الأشجار التي طالما منحتنا حق التنفس وتحملت المواطنين المصريين وهم ينامون تحت ظلها، أو يروونها ببولهم، أو يتسلقها أطفالهم.

في حي مصر الجديدة وهو أحد آخر الأحياء الجميلة، بعد القضاء على حي الزمالك، ومن قبلهما كان القضاء على عدة أحياء لها تاريخ وطابع وجمال؛ قررت السلطات ذبح الأشجار لتوسعة الطريق.

هناك علاقة ما غريبة بين مواطنين مصريين وبين الأشجار والحيوانات الضالة مثل القطط والكلاب.

اتصلت بي صديقتي باكية وهي تروي لي قصتها مع الأشجار في حي العجوزة. فوجئت بالحي يقطع الأشجار، حاولت منعهم، فعلمت أن الجيران هم من طلبوا الحي لقطع الأشجار، ذلك لأن المدمنين يقفون تحت الشجر ويتعاطون المخدرات، وحين اقترحت عليهم صديقتي اقتراحًا بديهيًا بأن يتصلوا بالشرطة لمنع المدمنين، أجابتها إحدى الجارات بأن الشرطة لم تأتِ لمنع المدمنين بالرغم من اتصالاتهم المتتالية، لكن الحي بادر بسرعة حين طلبوا منه قطع الأشجار.

صديقتي ليست السيدة الوحيدة التي تتشاجر من أجل حماية الأشجار. حين تسير في طرقات مصر الجديدة، تجد نساءً يقفن بالروب أو إسدال الصلاة أو ملابس النوم، ويصرخن في العمال وهم يقومون بقطع الأشجار وتوسيع الطريق، قالت إحداهن للعمال: "أنتوا بتوسعوا الطريق ولا عاملين حساب المشاة، إمبارح واحد مات والنهارده واحد مات". أما أنا فأطل برأسي الكيرلي من السيارة وأصرخ فيهم: كفاية بقى.. حرام عليكم، دي أرواح، الشجر ده روح.

كان أحد العمال يجر جذع شجرة قتيلة على حامل، فسقط الجذع وعطّل المرور فنظر لي العامل: قعدتي تقولي حرام حرام.. أهو وقع وعطل السكة.

أنا وصديقتي والنساء اللاتي يقفن بالروب يصرخن في الشوارع، نشكل بالنسبة للمارة مادة خصبة للابتسام والضحكات والاستعجابات وتعليقات ساخرة مستعيرة أحد تعليقات الأفلام: الله.. ستات مجنونة في الشارع؟ أول مرة أشوف ستات مجنونة في الشارع.

المواطن المصري التقليدي، لا يحب القطط والكلاب، ذلك لأن القطط تقلب صندوق النفايات الذي لا يعتني المواطن بغلقه بإحكام، ولأن الكلاب تنبح. كما أن المواطن المصري التقليدي يظن أن الأشجار "وساخة"، وأن ما قامت به السلطات من الإتيان على الأخضر، حرفيًا، هو عملية تنظيف، ذلك لإن المواطن المصري الآخر يُلقي بنفاياته تحت الأشجار. الأمر الذي شجع بعض المواطنين المصريين، من سكان أحياء أخرى غير مصر الجديدة لاستدعاء الحي لجز الأشجار: إحنا مش أقل من سكان مصر الجديدة. تمامًا مثلما فعل بعض سكان الأحياء من قتل الكلاب والقطط الضالة في القاهرة الجديدة.

بصرف النظر عن الرحمة الواجبة نحو الحيوان، لأنه روح، وبغض الطرف عن دور الشجر الجمالي، هناك بعض الحقائق التي يجب أن يستوعبها المواطن المصري الكاره للأشجار التي تستضيف قمامة المواطنين الآخرين، فيما يتعلق بالقطط والكلاب والأشجار، وفيما يتعلق بمدينته الجميلة، العاصمة العظيمة قاهرة المعز الساهرة دومًا، والتي يُسرف سكانها في إلقاء النفايات والتبول في أرجائها، بينما تُمعن السلطات في الضرب صفحًا عن أكوام القمامة وروائح الأمونيا المنبعثة في الأجواء.

القاهرة هي المدينة الأكثر تلوثا في العالم، كما نشرت مجلة فوربس في عام 2018. وقد كانت القاهرة معلمًا هامًا في إنجاز التلوث الهوائي والسمعي.

الحقيقة أن تلوث القاهرة يتسبب في عدة أمراض خطيرة، مثل السرطانات، وتحجّر الرئة، بخلاف أمراض الجهاز التنفسي، والرمد، إلى جانب فقدان السمع التدريجي بسبب الضوضاء. أي أن التلوث ينعكس بشكل مباشر على المواطن الفرد، وأسرته، وأطفاله. هذا التلوث يغامر بحياة أبنائك.

ما علاقة كل هذا بالقطط والكلاب والأشجار؟

أولًا- الأشجار: درسنا في المرحلة الابتدائية الأساسية أن الأشجار تمتص ثاني أكسيد الكربون، الناتج عن تنفس الإنسان والحيوان والناتج أيضا عن التلوث وعوادم السيارات، وتعطينا مكانه الأكسجين. ومن أهم طرق علاج التلوث في العالم: زراعة الأشجار.

زراعتها وليس جزها.

أي أن "النظافة" التي يتحدث عنها المواطنون لا تتأتى بإزالة الشجر، بل على العكس، تحدث بزيادة زراعة الأشجار. حضرتك الشجر ده مش شعر تحت حواجب القاهرة وهي بتشيله وتنوّر.

بعض جيراني يتحدثون بجدية أن الشجر "يحوي" حشرات وناموس، لكن الحقيقة أن الأشجار تستضيف أيضًا العصافير، وهي عدو آخر للمواطن المصري الذي يتعامل معها بوصفها مصدرًا للضوضاء وتلويث الملابس المنشورة على الحبال في البلكونات. هم يقولون ذلك بجدية أيضًا. هذه العصافير تأكل بدورها الحشرات التي تنمو على الأشجار وتزعجهم. بخلاف حقيقة هامة: الحشرات تتكاثر بسبب إلقاء النفايات في الشارع.

هذه نفاياتكم وهذه حشراتكم.

بخصوص أن الأشجار يُلقى تحتها نفايات.. بسيطة: لا تلقوا النفايات تحت الأشجار. أما بشأن: العيال الصيع بتقف تشد بودرة تحت الشجر. بسيطة مرة أخرى: أبلغوا الشرطة.

وأخيرًا، فإن واحدة من مسوغات منح رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد جائزة نوبل للسلام، هو زراعة الأشجار في بلاده.

أصل الشجر مهم حضرتك، ويمتص التلوث الهوائي، ويساعد على التغلب على الاحتباس الحراري، وهما سببان أساسيان في انتشار الأمراض القاتلة، وبما أننا دولة فقيرة قوي فمن الأوفر لنا اقتصاديًا أن نزرع الأشجار لا أن نجتثها بدلًا من تحميل الدولة تكلفة علاج مرض السرطان.

الغريب، أن الدولة هي مَن تقوم بقطع الأشجار، و"تنظيف" الشارع منها، علمًا بإنه في حالة الرغبة في توسيع الطريق، يمكن اقتلاع الشجر بجذوره وإعادة زراعته في مكان آخر، إلا أننا نرى المناشير تعمل قطعًا لرقاب الشجر بالرغم من أن الدولة، هي هي ذاتها، قد شرعت قانونا لعقاب كل من يقطع الأشجار بالحبس. فلتحبس الدولة نفسها.

ثانيًا- الكلاب والقطط: ماذا تفعل في نفاياتك عزيزي المواطن؟

تضعها الأم في كيس القمامة، ثم تنادي عليك وأنت ذاهب إلى عملك: ما تنساش تاخد الزبالة معاك. إلى أين تأخذ الزبالة معاك؟

إما أنك تضعها في صندوق أمام الشقة أو صندوق أمام العمارة في انتظار عامل النظافة الذي يأتي لحمل القمامة بعيدًا. بذمتك ونور عينيك: هل ترى عامل النظافة سوى في الأعياد ليأخذ عيديته؟

أكوام القمامة تتوغل وتنتشر وتستمر في أرقى أحياء القاهرة: الزمالك، المعادي، المهندسين، مصر الجديدة، الدقي..إلخ. إذن، فمن نافلة القول أن نتحدث عن انتشار أكوام القمامة في الأحياء الشعبية والعشوائيات.

هذه الأكوام لن تحوي حشرات مثل الأشجار المسكينة التي تعادونها بعصافيرها، لكنها ستحوي عقارب وثعابين وزواحف لم نسمع عنها.

هنا يأتي دور القطط والكلاب الضالة التي يترك البعض أطفاله للعبث بها وربطها من ذيلها وخنقها ورجمها بالحجارة، وكل هذه الأفعال التي تنم عن حسن التربية والإنسانية والرحمة ولطف المواطن الذي يزرعه في أطفاله.

هذه الحيوانات تقوم بدور عامل النظافة الذي لا يأتي أبدًا.

طيب لماذا لا يأتي عامل النظافة؟ هذا الأمر يعود لحقبة الرئيس السابق محمد حسني مبارك، والذي كان تعاقد مع شركة إيطالية لجمع القمامة، وفي سبيل ذلك، قام بتدمير أعمال "الزبالين" الأفراد، حيث قتل كل الخنازير التي كان عمال النظافة يتاجرون فيها، ويطعمون خنازيرهم نفايات البشر. الشركة الإيطالية لم تأت، والأفراد القائمين على حمل النفايات بعيدًا لم تعد نفاياتك تفيدهم في شيء، خاصة أن الدولة لا تضع خطة لإعادة تدوير النفايات، ومن ثم فحمل النفايات أصبح جهدًا فرديًا.

الآن أنت أمامك إما أن تتحمل نباح الكلاب، أو تتحمل استضافة العقارب والثعابين في حيّك، وربما في منزلك.

أرأيت عزيزي المواطن؟ الأمر لا يتعلق بالجماليات والرحمة، اللتين تحتقرهما، الأمر متعلق بمصلحتك الشخصية وصحة أبنائك.