أحد نسخ أجهزة العلاج بالكهرباء. الصورة: ويكيميديا- مفتوحة المصدر

انتكاسة "الصحة النفسية": كيف يسلب "المجد الشخصي" حقوق المريض؟

لا يوجد في أيٍ من القوانين أو المراجع العلمية أو التعريفات المعتمدة هذا المصطلح الغريب "تنظيم إيقاع المخ"، والدفع من البعض في مصر بأن هذا المصطلح سيقلِّل من وصمة العلاج الكهربائي هو دفع واهٍ.

"لأن كل شجرة تُعرف من ثمرها، فإنهم لا يجتنون من الشوك تينًا، ولا يقطفون من العُليّق عنبًا" (من إنجيل لوقا). ويستخدم المصريون مقولة "الجواب بيبان من عنوانه" في الأغلب عند الإشارة إلى حدث أو حديث يبدو حسنًا لشخص معروف عنه السوء. هذا ما رسخته الحكومة والبرلمان في أذهان المصريين، فرغم أن قرارات وقوانين الحكومة تُعنّون دائمًا بعبارات الهيام مثل "تصب في صالح المواطن"، إلا أن الشعب اعتاد أنها أشجار شوك لا تثمر بالقطع تينًا، واعتاد المتابعون لعمل مجلس النواب أن مشروعات القوانين التي تقدمها الحكومة تُمرَّر كما هي دون أية تعديلات جوهرية، إلا أن المألوف أن تلك القوانين تصاحب مناقشتها صرخات المتضررين منها.

نطرح هنا نموذجًا غير معتاد لمشروع قانون يُمرر دون سماع حتى أنَّات المذبوحين جراءه، فرغم أن المسح القومي للصحة النفسية المنتهي في 2017 وأعلنته وزارة الصحة المصرية في أبريل/ نيسان 2018 بناءً على دراسة لعينة بشرية قوامها 25095 مواطنًا في جميع محافظات مصر، أن 25% أي ربع سكان مصر مصابون باضطرابات نفسية، ورغم هذا العدد الهائل من المعنيين يتم تمرير مشروع الحكومة بتعديل قانون (رعاية المريض النفسي رقم 71 لسنة2009) في هدوء وسكينة.

ملامح من تطور قانون المريض النفسي

قديمًا لم يكن هناك ما يُسمى الطب النفسي ولم تُعرف أدوية أو علاج للأمراض النفسية، وصاحب هذه الأعراض كان يُسمى في المجتمع "مجذوب"، ومن المعروف أن مستشفى العباسية للصحة النفسية التي أُنشئت عام 1883، وكانت قبل ذلك قصرًا للخديوي عباس، تم نقل "مجاذيب بولاق" إليها لعزلهم عن المجتمع حيث كانت تقع المستشفى وقتها في منطقة منعزلة.

ومع التطور البطيء في الطب النفسي عبر عقود حتى أواخر القرن التاسع عشر صدر خلالها في مصر القانون141 لسنة 1944 بـشأن حجز المصابين بأمراض عقلية، والذي كان يعامل المريض على أنه فاقد للأهلية ولا علاج له، حتى أن هذا القانون وغيره مثل قانون الإجراءات الجنائية رقم150 لسنة1950 كان يحوي مصطلحات "الجنون، عاهة في العقل، العته، الأمراض العقلية" إشارة إلى المريض النفسي والأمراض النفسية، وكانت وزارة الداخلية إلى سنوات ليست بعيدة ترسل خطابات رسمية سرية إلى مستشفيات الصحة النفسية للحصول على بيانات المرضى، لحذفهم من كشوف الناخبين والمرشحين حيث أنهم بموجب القانون محرومين من مباشرة الحقوق السياسية، الأمر الذي أضاف إلى المرضى نزلاء المستشفيات الخصوم السياسيّن في حقب زمنية معروفة.

اشترط القانون أيضًا موافقة المريض على خطة العلاج بعد شرحها له، وفي حالة رفض العلاج الدوائي يجوز للطبيب إلزامه بالعلاج مع إثبات ذلك في نموذج معد لذلك.

وفي أواخر القرن الماضي وبداية الألفية الثالثة ومع الطفرة في العلاجات النفسية ومواثيق حقوق الإنسان، منها إعلان مدريد 1996، الذي اعتمدته الجمعية العالمية للطب النفسي والممثلة في 127 دولة، كان لزامًا على المعنيين في القطر المصري الإهتمام بهذا المجال والنظر في إجراءات وقوانين الصحة النفسية، فكان قرار رئيس الجمهورية في 1997 بإنشاء الأمانة العامة للصحة النفسية وضم مستشفيات الصحة النفسية إليها بدلًا من تبعيتها لمديريات الصحة، وبعدها بسنوات صدر قانون رعاية المريض النفسي 71 لسنة 2009.

قانون 2009.. إيجابيات وسلبيات

نظم قانون رعاية المريض النفسي رقم 71 لسنة 2009 إجراءات دخول المريض للمستشفيات النفسية، وشدَّد الرقابة عليها فحجَّم بنسبة كبيرة استغلال المريض أو المرض النفسي لتقييد حرية الأشخاص الطبيعيين، وحدّد المريض الذي تستدعي أعراضه دخول المستشفى إلى نوعين؛ الأول يوافق أو يطلب دخوله لاستبصاره بطبيعة مرضه ويسمى "مريض الدخول الإرادي" والثاني غير المستبصر بحالته ويرفض الدخول ويسمى "مريض الدخول الإلزامي"، وفي حالة الأخير لابد من نظر صحة قرار الطبيب النفسي المسؤول بحجز المريض عن طريق طبيب آخر مستقل ولا يعمل بنفس المنشأة ولا تربطه صلة قرابة بالمريض أو مدير المنشأة "التقييم المستقل".

اشترط القانون أيضًا موافقة المريض على خطة العلاج بعد شرحها له، وفي حالة رفض العلاج الدوائي يجوز للطبيب إلزامه بالعلاج مع إثبات ذلك في نموذج معد لذلك، أما العلاج بالجلسات الكهربائية فألزم القانون الطبيب المسؤول بضرورة طلب تقييم مستقل من طبيب آخر إذا رفضها المريض، ووضع القانون عقوبات رادعة ضد منتهكي حقوق المريض النفسي التي ألزم القانون المستشفيات بإنشاء لجنة لرعايتها بكل منها.

رغم تلك الإيجابيات، هناك عوائق وصعوبات في تطبيق القانون فرضها الواقع المصري وعضدّت منها البيروقراطية، منها المرضى المستقرة حالتهم وواجب خروجهم من المستشفيات، إلا أن جحود الأهل وعدم وجود عنوان واضح لهم فرض بقائهم، وأيضًا المرضى المستقرة حالتهم النفسية ولديهم نسبة من التأخر العقلي فلا يملكوا الإرادة الحرة المستنيرة لطلب الخروج، ويقف القانون عاجزًا أمام تصنيف حالتهم والإجراء اللازم لهم، ودور الأخصائي الاجتماعي الذي لم تحدده اللائحة التنفيذية حتى الآن.

أما تبعية لجان رعاية حقوق المرضى بالمستشفيات للسلطة التنفيذية فيُشكك في نزاهة إجراءتها، وأيضًا عدم تفرغ أعضائها للعمل بها يجعلها شكلية في معظم المستشفيات، وعدم التطبيق الفعلي للقانون في المستشفيات الجامعية والشرطية والعسكرية رغم شموله لهم، إضافة إلى ضَعف مقابل الأطباء من إجراء التقييم المستقل.. تلك الصعوبات وغيرها كانت تتطلع الأنظار إلى تعديلات في القانون تُذللها.

عنوان تعديلات الحكومة.. وثمارها

ضمن ما تسرد المذكرة الإيضاحية لمشروع التعديل المكونة من 5 صفحات والموقعة من وزيرة الصحة "من خلال تنفيذ أحكام هذا القانون على مدى السنوات الماضية والاحتكاك المباشر بأرض الواقع، تم رصد بعض المعوّقات وأوجه القصور التي أسفر عنها التطبيق العملي للقانون، مما استلزم إعادة النظر في تعديل بعض أحكامه لضمان الرقي بالخدمة المقدمة للمريض النفسي، ولرعاية حقوق هذا المريض وحصوله عليها بكل سهولة ويسر".. هذا عن العنوان في المذكرة، فلنبحث عن الثمار في نصوص التعديلات.

في المادة 42 من القانون والخاصة بموارد صندوق المجلس القومي للصحة النفسية، تطلب الحكومة تعديل بند "ما يُخصص للصندوق من الموازنة العامة للدولة" إلى "ما قد يُخصص للصندوق من الموازنة العامة للدولة بالمقطع التمويلي للصناديق والحسابات الخاصة بحساب الخزانة الموحد"، وتقترح الحكومة زيادة رسوم دخول المريض للعلاج بالمستشفى من مائة إلى مائة وخمسين جنيهًا، وكذلك تقترح رفع الحد الأقصى لرسم قيد المنشآت في المجلس القومي للصحة النفسية من عشرة آلاف إلى ثلاثين ألف جنيه.

المائة وخمسون جنيهًا التي ستُدفع للمجلس عن كل مريض هي كتذكرة معونة الشتاء، لا تعني تكاليف خدمة علاجية أو إقامة بالمستشفى، فالمؤكد في المستشفيات الخاصة سيتحملها المريض، وفي الحكومية إما سيتحملها المريض أو تسدِّدها المستشفيات من ميزانياتها المتردية بالفعل وبالتالي ستؤثر على الخدمة الصحية للمريض غير المرضي عنها بالفعل حاليًا، نفس الأمر سيكون تأثير رفع الحد الأقصى لقيد المنشأة على المريض مباشرة إضافة إلى إحجام البعض من أصحاب المنشأت عن القيد بالمجلس مما يؤدي إلى العمل بدون ترخيص وزيادة احتمال انتهاك المريض خارج سلطة القانون.

التعديل يؤكد تنصل الحكومة من تخصيص قدر للمجلس من الموازنة العامة للدولة، والتي حتى مع الاحتمالية بإضافة كلمة (قد) فإنها ستخصصها من نسبة الـ 40% بصناديق تحسين الخدمة المقررة فعليًا للصرف على المرضى حسب لائحة العمل بالمستشفيات رقم 239 لسنة 1997. هذا المقترح بالتعديل أعطى وزيرة الصحة السبق في تاريخ الوزراء كونها تقدمت بمقترح لتقليص ميزانية جهات ومستشفيات تابعة لها.

يلزم قبل الانتقال من هذا المشهد، الإشادة بموقف أمين عام الصحة النفسية الأسبق الدكتور عارف خويلد عند تقدمه بمذكرة لوزير الصحة وقتها الدكتور فؤاد النواوي، بإعفاء المنشآت الحكومية والخيرية من كل الرسوم المقررة للمجلس القومي للصحة النفسية، وعليه أصدر الأخير قراره الوزاري رقم 351 لسنة 2012 بهذا الإعفاء مراعاة للمريض غير القادر والمستشفيات الحكومية ضعيفة الموارد.

نذكِّر أيضًا بالمقارنة بموقف وزيرة الصحة الحالية خطاب الدكتور فؤاد النواوي بمجلس الشعب مارس 2012 ومنه نصًا "معدل الإنفاق على الصحة في مصر معدل منخفض، فما ينفق على الصحة في مصر بالنسبة للدخل القومي الكلي يقل عما تنفقه جيبوتي والأردن وإيران والعديد من البلاد المماثلة لنا، وليس هذا فقط ولكن ما ينفق على الصحة في مصر يأتي معظمه من جيوب المرضى أنفسهم، حوالي 71% مما ينفق على علاج المرضى يأتي من المرضى أنفسهم أما الباقي فيأتي منه 25% فقط من وزارة المالية ونصيب وزارة الصحة منه 16%، إذًا الحصة المنصرفة من وزارة المالية هي هزيلة ولابد أن تُضاعف إلى ضعف أو ضعفين على الأقل".


تنظيم إيقاع المخ

في المادة 28 من القانون، يقترح تعديل الحكومة تغيير مسمى "العلاج الكهربائي" إلى مصطلح جديد وهو "علاج تنظيم إيقاع المخ"، وأجاز التعديل أيضًا إعطاء المريض بدون موافقته جلستين من العلاج الكهربائي "تنظيم الإيقاع" بقرار منفرد من طبيب المنشأة دون الحصول على موافقة طبيب آخر من خارج المنشأة (التقييم المستقل). هذا التعديل أكثر ما أثار استهجان واعتراض منظمات عالمية مثل منظمة الصحة العالمية والجمعية العالمية للطب النفسي والاتحاد العالمي للصحة النفسية، فأرسلت خطابات إلى لجنة الصحة بمجلس النواب وأمين عام الصحة النفسية، تصف فيه استخدام مصطلح "تنظيم إيقاع المخ" نصًا بأنه مضلِّل وزائف ومن ثمَّ فهو غير أخلاقي.

حصلت على نسخة من تلك الخطابات وترجمتها حيث أكدت أن إعطاء الجلسات الكهربائية دون الحاجة إلى رأي طبي ثانٍ وعدم الإلزام بإحاطة المريض بالعلاج الكهربائي، إضافة إلى استخدام هذا المصطلح الجديد الزائف، كل هذه النقاط تتعارض مع حقوق الإنسان ومباديء إعلان مدريد وما نصت عليه قوانين الصحة النفسية في العديد من البلدان في جميع أنحاء العالم.

راجعت بعض القوانين في الدول الشبيهة لنا، فمثلًا في غانا ينص قانون الصحة النفسية الصادر 2012 في المادة71 منه على "لابد من موافقة المريض عند استخدام العلاج الكهربائي، وفي حالة عدم قدرته على الموافقة لا بد من موافقة مجلس الصحة النفسية"، وينص القانون السعودي في مادته الـ19 على "إذا تقرر احتياج المريض النفسي إلى العلاج بالصدمات الكهربائية، تعين الحصول على موافقته، أو وليّه، الكتابية الصريحة المبنية على إرادة حرة، بعد إحاطته بطبيعة العلاج بالصدمات الكهربائية والغرض منه وآثاره الجانبية والبدائل العلاجية المتاحة".

تعديل هذه المادة بهذا الشكل سيعيد انتهاكات قديمة عاشها المريض النفسي في عقود سابقة، عندما كان يُهدد بالكهرباء والحجز فترات طويلة.
الدكتور ناصر لوزا، رئيس الاتحاد العالمي للصحة النفسية

لا يوجد في أيٍ من القوانين أو المراجع العلمية أو التعريفات المعتمدة هذا المصطلح الغريب (تنظيم إيقاع المخ)، والدفع من البعض في مصر بأن هذا المصطلح سيقلِّل من وصمة العلاج الكهربائي هو دفع واهٍ سيزيد من الوصمة بعد فترة قصيرة، فبدلًا من ارتباطها بمسمى العلاج الكهربائي، سترتبط بهذا المصطلح، الذي يفتح بابًا لتضليل المريض وأهليته، بنوع العلاج. إزالة الوصمة تكون بالتوضيح الحقيقي لطبيعة العلاج الكهربائي وأمانه وفاعليته ومحو الصورة غير الحقيقية التي رسمتها السينما قديمًا عنه.

انتهاكات قديمة

يؤكد رئيس الاتحاد العالمي للصحة النفسية، الدكتور ناصر لوزا أن "تعديل هذه المادة بهذا الشكل سيعيد انتهاكات قديمة عاشها المريض النفسي في عقود سابقة، عندما كان يُهدد بالكهرباء والحجز فترات طويلة، أيضًا سيجعل مصر عرضة لانتقادات وهجوم دولي من الهيئات المهتمة بحقوق الإنسان".

انتقلت إليَّ مخاوف لوزا عند مراجعتي لقرار مجلس حقوق الإنسان في الجمعية العامة للأمم المتحدة، والذي اعتمده في يوليو/ تموز 2016 بشأن الصحة العقلية وحقوق الإنسان ومنه "وإذ يساور مجلس حقوق الإنسان قلق بالغ لأن الأشخاص الذين يعانون من مشاكل الصحة العقلية أو الإعاقة النفسية الاجتماعية، ولا سيما من يستعملون خدمات الصحة العقلية، قد يتعرضون على نطاق واسع لجملة ممارسات لا تراعي استقلالهم ورغبتهم وميولهم منها التمييز والوصم والتحيز والعنف والإقصاء الاجتماعي والعزل والإيداع النفسي أو غير القانوني في مؤسسات الرعاية والإفراط في التطييب والعلاج).

ويتفق الدكتور محمد نصر والدكتورة نهلة الإبياري استشاريا الطب النفسي على عدم وجود أصل علمي لمصطلح (تنظيم إيقاع المخ) وأن المُثبَت في الأكواد العلاجية المعتمدة عالميًا هو Electroconvulsive Therapy واختصارها ECT وترجمته العربية الطبية هي (العلاج بالتخلج الكهربائي).

تعديل مادة (6) أضاف إلى تشكيل المجلس القومي للصحة النفسية رئيس الإدارة المركزية للأمانة الفنية للمجلس، ليصبح عدد التنفيذيين 13 من إجمالي 20 أعضاء المجلس، وفي المقابل استبعد التعديل ممثل عن المرضى أو أهاليهم. رئيس الإدارة في القانون يعيّنه المجلس نفسه بعد اجتماعه فكيف يكون في التشكيل الأساسي قبل تعيينه؟ أيضًا تعديل المادة 12 استبعد استشارة الأخصائي الاجتماعي عند إجراءات دخول المريض فاقد الأهلية بدلًا من أن يحدّد القانون اختصاصات الأخصائي الاجتماعي مؤكدًا على أهمية دوره.

التعديل بإضافة باب إلى القانون بعنوان "تنظيم ممارسة مهنة العلاج النفسي لغير الأطباء النفسيين"، إضافة إلى العوار القانوني بضم باب ينظم ممارسة مهنة وهي أمور فنية وعلمية إلى قانون إجرائي ينظم إجراءات واحتياطات دخول مريض وتراخيص منشأة طبية، فبالمثل هناك قانون مزاولة مهنة الطب البشري رقم 415 لسنة 1954، وقانون مزاولة مهنة طب وجراحة الأسنان رقم 537 لسنة 1954، لم نسمع عن اقتراح بضمهما إلى قانون تنظيم المنشأت الطبية رقم 51 لسنة 1981.

تتفق أستاذتا الطب النفسي بقصر العيني الدكتورة منى يحيى الرخاوي والدكتورة نها أحمد صبري في أن هذا الباب المقترح هو نموذج مُعدَّل من القانون 198 لسنة1956، وللأسف تم تعديل شكليات غير قانونية فيه، فقد وضع شروط لمنح ترخيص مزاولة مهنة العلاج النفسي، وفي نفس الوقت استثنى منها من أمضى خمس سنوات في ممارسة العلاج النفسي، بدون إجراء المقابلة والامتحان المنصوص عليه.

وأيضًا أجاز التعديل لوزير الصحة أن يعفي أعضاء هيئة التدريس في علم النفس من الامتحان، ولم يضع القانون معاييرَ واضحة للاعتراف بجمعيات العلاج النفسي وهيئاته.

وتضيفا اﻷستاذتان أنه لابد من دراسة وإعداد مشروع قانون لممارسة العلاج النفسي بشكل مستقل يضع في الاعتبار تصحيح التعريفات، بما يتماشى مع المتفق عليه عالميًا والفصل بين دور المعالج النفسي والأخصائي النفسي، وتحديد عدد ساعات التدريب ومتطلبات الحصول على ترخيص المزاولة، وضرورة هيكلة ممارسات مستويات الاستشارات النفسية والعلاج النفسي بهدف تقنين الممارسات، مع احترام الخلفيات المهنية للعاملين في مجال العلاج النفسي والمعمول بها عالميًا.

نأتي لسؤال مهم: هل القانون الحالي أعاق المجلس أم أن المجلس أخلَّ بواجباته وانتهك حقوق المريض؟

ضمن المذكرة التوضيحية لوزيرة الصحة لتعديل القانون "وقد بدأ تفعيل العمل بأحكام هذا القانون في نهاية عام 2010 بعد إنشاء المجلس القومي للصحة النفسية، وتحمله مسؤولية الإشراف المباشر على تنفيذ أحكامه"، لتوضيح مدى تحمل المجلس مسؤوليته ومَن المسؤول عن تفاقم الوصمة وانهيار الخدمة وانتهاك المرضى، سأسرد بعضًا من مواقف عايشتها وكنت داخل أحداثها، وأترك للقارئ الإجابة.

حروق وتشوهات

الموقف الأول، في أبريل 2011 راسلني بعض زملائي الأطباء من القطاع الخاص بحوادث وصور لتشوهات وحروق في الجلد لمرضى نفسيين، جراء العلاج بالجلسات الكهربائية باستخدام جهاز يُسمى(بيتا 444) واكتشفت وجوده أيضًا في بعض مستشفيات الحكومة، وبعد تقدم استشاري الطب النفسي الدكتور أحمد الأجهوري بمذكرة تفصيلية إلى المجلس القومي للصحة النفسية، وأطلعني على صورتها، توضح أضرار هذا الجهاز وعدم إجازته طبيًا، وبعد بحثي وتأكدي من توريد هذا الجهاز عن طريق ديوان وزارة الصحة في عام 1999 دون حصوله على صلاحية استخدام كجهاز طبي، حررت بلاغًا برقم 6853 للنائب العام في 23 أبريل 2011 ضد وزيري الصحة والتعليم العالي، ومدير الشركة الموردة للأجهزة.

ما دفعني لإصدار هذا البيان هو الميراث السيئ في تاريخنا لاستخدام المرض النفسي والعقلي كوسيلة للاغتيال المعنوي لبعض الشخصيات.
الدكتورة بسمة عبد العزيز، مديرة الإعلام بأمانة الصحة النفسية (2011)

طالبت في البلاغ بالتحقيق ووقف العمل بالجهاز فورًا، وفي 9 يونيو/ حزيران 2011 وجهت إنذارًا على يد مُحضَر إلى وزير الصحة وقتها الدكتور أشرف حاتم، أنذرته فيه بوقف العمل بالجهاز في جميع المستشفيات الحكومية والخاصة وتشكيل لجنة علمية لوضع تقرير عن صلاحية استخدامه في علاج المرضى، اُثيرت تلك الوقائع على مدار شهور بوسائل الإعلام، ووصلت للمجلس القومي للصحة النفسية ولم يحرك ساكنًا، حتى استجاب وزير الصحة وشكَّل لجنة أقرت بعدم صلاحية الجهاز، وأصدر الوزير قرارًا بوقف العمل بهذا الجهاز نهائيًا.

الموقف الثاني، "ما دفعني لإصدار هذا البيان هو الميراث السيئ في تاريخنا لاستخدام المرض النفسي والعقلي كوسيلة للاغتيال المعنوي لبعض الشخصيات، وهو ما حدث لاسماعيل المهداوي الكاتب الماركسي والمعارض لنظام عبد الناصر، الذي تم إدخاله مستشفى العباسية لمدة 17 عامًا، وكذا الشاعر نجيب سرور، وقد فزعت أن يكون الأمر نفسه يتكرر مع مايكل، لقد كنت أدافع بهذا البيان عن سمعة الطب النفسي وعن سمعتنا كأطباء"، هذه من كلمات الدكتورة بسمة عبد العزيز تتحدث فيه عن بيان إعلامي أصدرته صباح 24 أبريل 2011، وقت أن كانت مديرة الإعلام بأمانة الصحة النفسية، تستنكر فيه إيداع المدون والناشط مايكل نبيل، المتهم في قضية إهانة القوات المسلحة، ونشر معلومات كاذبة، في مستشفى العباسية للصحة النفسية لفحص قواه العقلية.

وأحال وزير الصحة وقتها، عمرو حلمي، الدكتورة بسمة وقتها إلى التحقيق الإداري، وفي مساء نفس اليوم كنت طرفًا في مداخلة تلفزيونية مع المتحدث الرسمي لوزارة الصحة، المهندس محمد الشربيني، ينفي فيها وجود مايكل نبيل بمستشفى العباسية. لو لم أكن بشخصي، وبحكم عملي وقتها كمدير لإدارة رعاية حقوق المرضى، قابلت مايكل وتحدثت معه وجهًا لوجه صباح نفس اليوم، ما كنت كذَّبت المتحدث الرسمي على هواء الفضائية.

مايكل خرج من المستشفى بعد تقرير طبي ثلاثي لثلاثة استشاريين؛ هم الدكتور اسماعيل يوسف والدكتور مصطفى شاهين والدكتور فيكتور سامي أثبت صحة قواه العقلية. خرج مايكل من قسم الطب النفسي الشرعي بالمستشفى، وهذا القسم على بعد عشرين مترًا فقط من مقر المجلس القومي للصحة النفسية.

الموقف الثالث، "دي بنت معاها ماجستير علم نفس تربوي وبتشتغل معنا متطوعة في الجمعية منذ سنوات وإنسانة متزنة جدًا، من أسبوعين اختفت وبحثنا عنها لأننا عارفين إن فيه خلافات مع أخوها على الميراث، فعرفنا إن أخوها بواسطة قدر يحجزها في مركز الطب النفسي بجامعة طنطا، وعرفنا نوصلّها في السر. البنت بتستجير بينا وبيدوها جلسات كهرباء وعلاج غصب عنها"، هذه كلمات مضمون الاتصال الأول بي في أواخر يوليو 2018، من رئيسة جمعية حماة المستقبل بالإسكندرية، المهندسة مروة الدريني، تتحدث فيه عن الشابة مها نصير التي أصبحت بعد ذلك حديث مواقع التواصل الاجتماعي والإعلام.

لم أصدِّق هذا الحديث نصًا ووضعت وقتها احتمال المبالغة به، فكيف في عام 2018 وفي ظل القانون يتم احتجاز مواطنة عنوةً وقسرًا في أحد المستشفيات بواسطة، وتعاملت بموضوعية باحتمال ولو ضعيف بصدق الواقعة فأوصيتهم بتقديم بلاغ للمحامي العام بطنطا للتحقيق في الواقعة في ضوء قانون 71 لسنة 2009، والذي قدَّمه محامي الجمعية بالفعل في 26 يوليو، إلا أنه لم يَلق استجابة ملموسة وقتها، فوجهت محامي الجمعية محمد شبل بتقديم شكوى في المجلس القومي للصحة النفسية للقيام بدوره والتفتيش.

أجابنا أحد أعضاء إدارة حقوق المرضى بالمجلس، أن المستشفيات الجامعية غير خاضعة لرقابة المجلس، وأصر المحامي على تسليم الشكوى أو توقيع المختص برفضها، فتم استلامها فعلًا، وبعد ضغوط الرأي العام والإعلام تُشكِّل لجنة من المجلس لفحص مها نصير في أوائل أكتوبر/ تشرين اﻷول. وتخبرني المهندسة مروة على لسان مها (اللجنة الي راحت من المجلس القومي قالوا لمها مش هنعرف نشخَّصك من أول جلسة، وبعدها كتبوا التقرير مع طبيب المركز الذي أدخلها، تبقى دي لجنة محايدة؟).


لم يكن أمامي سوى آخر محاولة بتوجيهها بتقديم طلب للنائب العام، بتحويل مها نصير إلى مستشفى العباسية للوقوف على حالتها وإعداد تقرير بذلك، ساعد كثيرًا في الاستجابة لهذا الطلب فيديو الاستغاثة التي سجَّلته مها خلسة في مركز طنطا، وتم ترويجه في مواقع التواصل تطلب فيه تحويلها إلى مستشفى العباسية، وبالفعل دخلت مها العباسية بأمر النيابة العامة أواخر أكتوبر 2018 لتقضي أكثر من شهر، وتؤكد استشارية الطب النفسي ورئيس وحدة السيدات بمستشفى العباسية وقتها الدكتورة سناء سيد عمر، أن مها طول إقامتها بالعباسية لم تكن تتلق أي علاج دوائي ولم تظهر عليها أية أعراض نفسية سوى قلق بسيط، كان من المفترض أن يكون أكثر شدة من جرّاء ما تعرضت له.

وأكدت الدكتورة سناء أنه لو كانت مها نصير تعاني من مرض ذهاني سابقًا لكانت ظهرت عليها أعراضه مع عدم تناولها أي علاج لمدة تزيد عن الشهر قضتها بالعباسية، وصدر تقرير المستشفى أنها لا تعاني من أية أمراض نفسية. رواية إن لم تكن أحداثها موثقة ونُشرت في العديد من وسائل الإعلام، لكان سردي لها في إطار الخيال أو محل تهمة السب والقذف.

المستشفيات الجامعية والشرطية والعسكرية خاضعة لقانون 71 لسنة 2009 ولرقابة المجلس القومي للصحة النفسية والمجالس الإقليمية، فهل يستطيع مسؤول في المجلس أن يدَّعي قيام مستشفى جامعي أو عسكري واحد يقوم بتطبيق القانون؟ وهل يجرؤ مسؤول بالمجلس أن يدّعي ممارسته الرقابة على مستشفى واحدة منها؟


الموقف الرابع، لم يقتصر فقط على القطاع الخاص الذي أخبرني زميل به وأرسل إليَّ صور مطبوعات ملونة صادرة عن المجلس القومي للصحة النفسية، وزعها وأرغم المستشفيات الخاصة على وضعها بها، بل امتدت أيضًا إلى المستشفيات الحكومية وتنظيم ندوات بها.

لم تكن المطبوعات عن توعية المجتمع بالمرض النفسي، أو المرضى بحقوقهم وكيفية التواصل مع المجلس، ولكن كانت لحث جموع الشعب المصري على المشاركة الإيجابية في الإستفتاء على التعديلات الدستورية والتصويت ب(نعم) لاستكمال مسيرة البناء والحفاظ على المكاسب التي تحققت في السنوات الأخيرة. كان ذلك أوائل أبريل 2019 قبل موعد الاستفتاء على التعديلات الدستورية.

لازم نفهم الحكاية

عندما تحتار في مغزى فعل ويتضاد الشكل مع المضمون دون هدف واضح، وتتداخل الأحداث فتتوه عنك أبطالها، فكما يقولون في علم الجريمة، ابحث عن المستفيد لتفهم الدافع والمحرك وتُحلّ الألغاز. سأساعد القارىء بسرد بعض المشاهد حتى نصل سويًا لنهاية الرواية.


اقرأ أيضًا: احتجاجات حقوقية وتهديد بالتدويل: تعديلات قانون الصحة النفسية تنتهك حقوق المريض


المشهد الأول، في مارس/ آذار 2011 عهد وزير الصحة أشرف حاتم إلى الدكتور أحمد عكاشة أستاذ الطب النفسي بموجب قرار 138 لسنة 2011 بتشكيل لجنة لتعديل بعض أحكام اللائحة التنفيذية للقانون 71 لسنة 2009، وتلك اللجنة تقدمت بالفعل بتعديلات في هدوء تام (كما تم تقديم التعديلات الحالية) وأصدر الوزير وقتها قراره رقم 210 لسنة2011 المحرر في 28 مارس والمنشور بالوقائع المصرية بتاريخ 23 أبريل 2011.

وضمن ما فيه هو إحدى التعديلات مثار الجدل الحالي ونصها كالآتي "وإذا رفض المريض الخاضع لإجراءات الدخول والعلاج الإلزامي هذا النوع من العلاج، وكان لزامًا لحالته، فُرض عليه بعد إجراء تقييم طبي مستقل، إلا في الحالات الطارئة فيتم إعطاء العلاج الكهربائي (علاج تنظيم إيقاع المخ) قبل الرأي المستقل بحد أقصى ثلاث جلسات علاجية، وتتبع ذات الإجراءات مع المريض النفسي الذي أُدخل المنشأة طبقًا لأحكام المادة 12 من القانون".

بعد نشر هذا القرار وفي يونيو/ حزيران 2011 أقامت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية دعوى أمام القضاء الإداري برقم 391119 لسنة65 قضائية، وكذلك أقامت الدكتورة نهلة الإبياري دعوى أخرى برقم 36640 لنفس العام القضائي، وفي مايو/ آيار 2015 حكمت الدائرة الأولى في محكمة القضاء الإداري برئاسة المستشار يحيى الدكروري بإلغاء قرار وزير الصحة رقم 210 لسنة 2011، فيما ورد من تعديل بعض أحكام اللائحة التنفيذية وإلغاء فرض العلاج الكهربائي في الطواريء دون موافقة كتابية من المريض أو موافقة التقييم الطبي المستقل.

كل أطباء الطب النفسي الذين اجتازوا أو سيجتازوا امتحانات الدراسات العليا بطب عين شمس أو الزمالة المصرية، يعلمون تمامًا أن أحد أساتذة الطب النفسي المشاهير يُرسِّب أي ممتحن ينطق أمامه بالمصطلح المستقَر عليه طبيًا وعالميًا (العلاج الكهربائي) ويفرض على الممتحن مصطلح "تنظيم إيقاع المخ".

المشهد الثاني، في عام 2014 حضرت اجتماعًا للمجلس القومي للصحة النفسي كممثل عن نقابة الأطباء، فيه عرض رئيس الجمعية المصرية للطب النفسي وقتها الدكتور أحمد عكاشة مقترح تعديل قانون 198 لسنة 1956 الخاص بتنظيم مزاولة مهنة العلاج النفسي. بخلاف أن المجلس ليس جهة طرح مشروعات لقوانين وبالأخص في غير أعماله، فقد اختلفت أو اعترضت على استثناء لأي شخص أو فئة من مرورهم بتدريبات معتمدة في العلاج النفسي، واجتيازهم امتحان لذلك، الوحيد الذي أيدّني في ذلك على خلفية قانونية كان نائب رئيس مجلس الدولة، المستشار محمد محمود، وكانت أيضًا الجلسة الوحيدة التي حضرتها بالمجلس.

المشهد الثالث، من المعرف أن أية مشروعات لقوانين أو قرارات وزارية بها التزامات مالية لابد أن تعرض على وزارة المالية قبل مناقشتها، ومن المعهود أن المالية لا تدخر بُخلًا على الوزارات والهيئات المدنية خاصة الخدمية منها، وهذا ما يؤكده استبدال حتمية تخصيص من الموازنة العامة للدولة إلى احتمالية التخصيص بإضافة (قد) في بند موارد صندوق المجلس القومي للصحة النفسية.

الخلاصة من التعديلات

إضافة إنجاز وهمي إلى تاريخ شخصي بتغيير مصطلح متعارف عليه علميًا وعالميًا بمصطلح زائف ومضلِّل، وتعيين شخص بشكل أساسي في تشكيل المجلس القومي للصحة النفسية، وتنصل وزارة المالية من تخصيص ميزانية للمجلس مقابل زيادة الأعباء المالية على المرضى وأهاليهم. تلك هي المحاور أو المكاسب التي تدور حولها التعديلات المقدَّمة من الحكومة ولا أهمية للخسائر عند الحكومة أو المنتفعين.

إنسانية السيسي ووظيفته

"إنسانيتي أكبر من وظيفتي" جملة قالها السيسي في منتدى الشباب الدولي الأخير، بالتأكيد كانت في جلسة لمناقشة في مجال آخر غير ما نتحدث فيه، ولكنها ربما تكون أملًا. وظيفته قد تمنع من فضيحة عالمية للطب النفسي والتشريع البرلماني في مصر الذي يناقض تعريفات علمية وقواعد ومواثيق دولية مُستقَر عليها عالميًا، وإنسانيته ربما تزود عن كاهل مرضى أصبح لا صوت لهم، وحسب تقدير وزارة الصحة هم ربع سكان مصر بدون أسرهم.. فانتظروا إنا منتظرون.