حكايات المرتزقة
تتنوع الصرخات والدعوات على السوشيال ميديا "اللهم أنقذ الخليج"، "يريدون تدمير الإمارات أجمل بلاد العرب!"، "كلنا أهل الخليج"، وغيرها. لا ينحصر مطلقوها في مواطني الخليج، أو العمال المغتربين هناك، بل يتداولها مثقفون مصريون وعرب، بعضهم لم يزر بلدًا خليجيًا في حياته.
إن اكتفينا بهذه الصرخات والنداءات، ولم ننتبه لمجريات الحرب وتفاصيلها، سنشعر أن دول الخليج، التي يعيش فيها أهلنا، تُدمر، وتُذبح شعوبها.
يتضخم هذا الوهم حين يتجنب الصارخون ذكر حال الشعب الإيراني، أو اللبناني، أو الفلسطيني، الدافعين بدورهم ثمن الحرب. لكن التأثير الأهم هو التشويش على معلومة أن الحرب على إيران تنطلق من قواعد عسكرية أمريكية في بلدان الخليج، وأن الجيش الأمريكي، وربما الإسرائيلي، الله أعلم، يستفيد من المرافق الحيوية لهذه البلاد؛ مطارات وموانٍ وغيرها في حربه التدميرية.
حين يُحجب هذا الجانب من المشهد الحالي، ونتناسى من بدأ العدوان، ونتجاهل قبول حكومات الخليج استخدام أراضيها في تنفيذه، تغيب الحقيقة لصالح حضور سردية مغلوطة مفادها أن إيران بادرت بالاعتداء على بلدان الخليج، بدلًا من السردية الأقرب للحقيقة؛ ضربها لقواعد أجنبية ونقاط استراتيجية قائمة على خدمتها. وتكتمل صورة إيران كتجسيد للشر المطلق حين يضيف صانعو السرديات ومروجوها، والصارخون، أنها دولة أصولية تقمع شعبها ونساءه بالذات.
لا بد من التذكير في بداية هذا المقال بحجم الخسائر البشرية، الأهم في تقديري من أي خسائر مادية، ولا تتناسب مع حالة الصراخ. الأرقام المعلنة للضحايا من القتلى حتى صباح يوم 15 مارس/آذار؛ الكويت 6، العراق 37 (أغلبهم في عمليات قصف أمريكي)، السعودية 2، الإمارات 6، البحرين 2، عُمان 1، قطر صفر، لبنان أكثر من 850، أما إيران فبلغت 1300.
السياسي
أعلنت الحكومة الإسبانية بعد بداية الحرب بساعات قليلة أن قواعد حلف الناتو في أراضيها لن تستخدم في الهجوم على إيران، وامتناعها عن تقديم أي دعم لوجيستي للقوات الأمريكية. وفي خطاب رسمي بعد هذا الإعلان بأيام، اعتبر رئيس الوزراء الإسباني بدرو سانشيز هذه الحرب خارج إطار الشرعية الدولية، واستعاد شعارًا قديمًا لم ينسه الإسبان، يعود لمثل هذه الأيام من ربيع 2003، وهو لا للحرب.
إنه شعار أيقوني لليسار والقوى التقدمية، والمثقفين والفنانين الإسبان، وقطاع عريض من الشعب الإسباني. يعيدهم لهذه الأيام البعيدة، لواحدة من أكبر حركات الاحتجاج خلال العقود الأخيرة، لرفض الحرب التدميرية ضد العراق والمشاركة الإسبانية فيها.
كنا أيامها تحت حكم اليمين التقليدي، ممثلًا في "الحزب الشعبي"، وتباهى رئيس الوزراء وقتها، خوسيه ماريا أزنار، بأنه حليف لتوني بلير وجورج بوش الابن، وبجلوسه معهما على نفس المائدة، يدخن السيجار ويرفع قدميه فوقها ليشعر بالاسترخاء.
انتهت الحرب ضد العراق، ولم تنته كوارثها وتبعاتها. منها ما طال إسبانيا بعدها بعام واحد، وفي ظل حكم اليمين نفسه؛ أكبر عملية إرهابية في تاريخها، نفذها أصوليون إسلاميون، بتفجير بعض القطارات في مدريد يوم 11 مارس 2004، ليقتلوا 193 شخصًا.
خسر اليمين الانتخابات البرلمانية بعدها بيومين. خسارة لم يهضمها أبدًا، ممتنعًا عن مراجعة خطأ المشاركة في الحرب. ولم يعتذر أزنار حتى اليوم، مثلما فعل كل من بوش وبلير، عن كذبة امتلاك العراق أسلحة دمار شامل، التي كانت الحجة المعلنة للعدوان.
ظهر أزنار هذا الشهر ليهاجم موقف إسبانيا قائلًا إن عليها الوقوف دائمًا بجوار الحلفاء
عودة شعار "لا للحرب" الآن، نَشَّطَت حملات قوى اليمين، التقليدي والمتطرف ضد الحكومة اليسارية. لم يغب عنها رئيس الوزراء القديم اليميني، الذي أصبح عند الكثيرين رمزًا لجرائم الحرب والكذب، واقترانهما بالفساد، والرغبة في الاستحواذ على بترول العراق.
فظهر أزنار يوم 11 مارس الجاري، في الذكرى الثانية والعشرين لتفجيرات القطارات المدريدية المأساوية، ليساهم في الهجوم على شعار "لا للحرب"، وعلى رئيس الوزراء الحالي الذي رفعه. قائلًا إن على إسبانيا الوقوف دائمًا بجوار الحلفاء، وإن الولايات المتحدة الحليف الأهم، وبالتالي كان عليها دعم الحرب الأمريكية/الإسرائيلية على إيران، وليس رفضها.
في هذا اليوم نفسه، تكفل بالرد على رئيس الوزراء القديم أحد أهم الإعلاميين الإسبان، غران وايومي، على الهواء مباشرة، مذكرًا إياه بجرائم الحرب المرتكبة في العراق، وتدميره للاستحواذ على ثرواته، واختتم كلامه بأن وجه لرئيس الوزراء السابق هذه العبارة "هذا موقفك لأنك تقبض أموالًا من اللوبي الأمريكي الداعم للصهيونية". واصفًا إياه ضمنيًا بأنه مرتزق، استفاد من تدمير العراق ونهبه، ويستفيد حتى اليوم من علاقاته بشركات تنهب خيرات بلدان عدة.
المثقف
في مقال منشور في المنصة أغسطس/آب 2024، بعنوان سعودة وأسرلة مصر، كُتب بمناسبة إعلان تركي آل الشيخ عن جائزة القلم الذهبي، استعنت بأطروحة للكاتب الكبير الراحل عبد الرحمن منيف، الذي أُسقطت عنه الجنسية السعودية. أطروحة حاضرة في خماسيته مدن الملح، وشكلت محور كتابات أخرى له، ومحاضرة ألقاها في مونتريال خريف 1993، ونُشرت لاحقًا في كتابه بين الثقافة والسياسة.
ينبه منيف مبكرًا للإنفاق الخليجي الضخم على الإعلام العربي، لربط مصالح الإعلاميين من بلدان مختلفة بالخليج. استعنت وقتها بعبارته "المال قيمة أساسية ومستقلة". إنها القيمة المكرسة لمنهج أن كل شيء قابل للشراء. وكل شيء تعني كل شيء؛ الأفكار، والثقافة، والمبادئ بالأشخاص الحاملين لها.
لم يشهد عبد الرحمن منيف الإنفاق الخليجي المهول، ليس فقط على الصحافة المكتوبة ودور النشر، بل على الفضائيات، والإنتاج الترفيهي والدعائي، من مسرح وسينما، بالإضافة للجوائز المعتبرة.
غزو مالي مكتمل، يستهدف بالدرجة الأولى ربط مصالح المثقفين والفنانين والإعلاميين بالخليج. ليس بشعب الخليج، أو بقيم الصحراء والبداوة، بل بالخليج كمصدر لأكل العيش والاسترزاق، وبمن يتحكمون به. مقابل الصراخ والدعاية وبناء السرديات المزيفة، حين تحتاجها نخب الخليج.
تنحصر مشاركة المثقفين في حرب السرديات على الصراخ بسبب الصواريخ والمسيرات الإيرانية بديلًا عن الإنتاج المعرفي والتفكير الجاد في كيفية الخروج من المأزق الحالي
طبيعي أن يدافع الناس عن مصادر رزقهم المباشرة. لكن المعضلة القاتلة لدور المثقف، المفترض أنه بناء الوعي النقدي والمعرفة، تحضر حين يتورط المثقفون في الاسترزاق لدرجة تحولهم لمجرد أبواق دعائية في حرب سرديات تدور الآن بين معسكرين أساسيين: معسكر الولايات المتحدة وإسرائيل والمتحالفين معهما من ناحية، ومعسكر قيم الاستقلال والحرية والمقاومة واحترام سيادة الدول وحرية الشعوب وسلامتها، والتمسك بالقانون كمعيار أساسي، من ناحية أخرى.
لذلك تنحصر هذه المشاركة في حرب السرديات في الصراخ بسبب الصواريخ والمسيرات الإيرانية، بديلًا عن الإنتاج المعرفي والتفكير الجاد في كيفية الخروج من المأزق الحالي. ومن دون الإشارة إلى أن هذه الصواريخ تصيب دول الخليج بسبب تعرض إيران لحرب استعمارية تدميرية، تنطلق من هذه الدول نفسها، ناهيك عن إدراك النظام الإيراني بأنه في لحظة مصيرية، فيكون من الطبيعي دفاعه عن بقائه.
تصرخ الأبواق حاليًا وهي نفسها من تجاهلت عملية إبادة يعرفها الجميع، هناك في فلسطين، أودت بحياة أكثر من 70 ألفًا من البشر.
تتجاوز المسألة مجرد الدفاع المشروع عن مصدر الرزق، بتحول المثقف لموظف عند من يدفع، مستخدمًا دعاوى علمانية ونسوية للدعاية ضد الأصولية ومن أجل حرية النساء في إيران.
لكن، من دون ذكر أن دولة إسرائيل، صديقة الإمارات والبحرين، التي تدمر إيران الأصولية، النموذج الأكثر وضوحًا للأصولية اليهودية وللعنصرية. ومن دون ذكر أن الإدارة الأمريكية الحالية نموذج للداعشية الإنجيلية/الصهيونية، ولأكثر أشكال التطرف الديني والغيبية انحطاطًا، عمدت هذه الحرب باعتبارها حربًا مقدسة.
تنفضح تمامًا الصيغة السردية غير الأخلاقية حين يتعلق الأمر بالنساء الإيرانيات وتحريرهن، حين يكون الصارخ من أجل حرية نساء إيران منحازًا لدول لا تتمتع فيها النساء بمساواة أو حريات حقيقية، مثل السعودية على سبيل المثال. وكأن أوضاع النساء الإيرانيات المزرية ستنهيها القوة العسكرية لأنظمة الرأسمالية الذكورية، التي تنتهك حقوق النساء في بلادها، ويقودها رجال متهمون بالعنف الجسدي والجنسي، مثل ترامب ووزير حربيته.
المتعاون
لنختتم بحدوتة قصيرة عن المرتزقة وحرية النساء: شارك رئيس الوزراء الإسباني اليميني أزنار، المشار إليه من قبل، جورج بوش الابن وتوني بلير، وغيرهما في حرب أخرى قبل حرب العراق، حين شنوا حربًا تدميرية على أفغانستان نهايات 2001. كان المبرر المعلن للحرب إنهاء نظام طالبان الأصولي، والقبض على قيادات القاعدة الإرهابية المخططة لهجمات 11 سبتمبر في نيويورك. لكن حقوق وحريات النساء الأفغانيات حضرت في الدعاية الحربية وصراعات السرديات.
حاربوا، دمروا أفغانستان، أنهوا وجود قيادات القاعدة، أسقطوا نظام طالبان، واستمروا في حكم البلاد "ديمقراطيًا"، حتى انسحبوا فجأة في نهاية شهر أغسطس/آب 2021، ليعود نظام طالبان من جديد، وتنكشف الفضيحة؛ لم تتحسن أحوال النساء طيلة عشرين عامًا من الحكم الأفغاني المرتزق تحت حماية قوات الاحتلال.
وتلقينا النكتة الختامية المريرة لمشهد استمر عشرين عامًا على الهواء مباشرة؛ القوات الأمريكية تهرب من كابول بالطائرات، تاركة، على إسفلت المطار، المرتزقة الذين عملوا لحسابها طيلة عشرين عامًا. ظلوا يركضون على الإسفلت، يحاولون التعلق بالطائرات المغادرة، الحاملة لقوات أجنبية تعففت عن إنقاذ من خدموها.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.


