صورة مفتوحة المصدر للكاتب الراحل لينين الرملي

لينين الرملي.. أو السابح بخفة على خشبة المسرح

في الثانية عشر من عمره كشف لينين حلمه بخمس كلمات دونها في مذكراته، وهي "أريد أن أكون كاتبًا مسرحيًا".

"اقرأ الفاتحة"؛ يقول مُعلم اللغة العربية للطالب الصغير، ليتأكد من أنه مسلم بالفعل بعد أن تسبب اسمه الأجنبي في بعض الارتباك، خاصة وأنه ليس اسمًا منتشرًا حتى بين المسيحيين، لينين.

ينتقل الطالب من مرحلة دراسية لأخرى ويجد نفسه، في مواقف كثيرة يواجه نظرات الدهشة والتساؤلات التي تطالبه بإثبات إسلامه بسبب اسمه، فيتمسك به أكثر فأكثر ويقرر ألا يغيّره أبدًا "إرضاءً ﻷحد"، بل يشبّ ويكبر ويصبح اسمه هذا، لينين الرملي، علامة في الفن المصري- تحديدًا المسرح- منذ الثمانينات، وسيظل حتى بعد رحيله يوم أمس عن عمر 75 عامًا، إثر إصابته منذ سنتين بجلطة في المخ.

ابن اليساريين

اسم لينين الذي كان محلّ دهشة المحيطين لم يكن اختياره عشوائيًا أو محض مصادفة أو حتى لمجرد تمييز الطفل باسم مختلف، فقد ولد الطفل لينين في القاهرة يوم 18 أغسطس/ آب 1945 لأسرة يسارية اشتراكية، أمه صحفية مثل أبيه الكاتب فتحي عبد الله فكري الرملي. أحب فتحي قائد الثورة البلشفية ومؤسس الاتحاد السوفيتي وأول رئيس له فلاديمير إيليتش لينين، فمنح ابنه الاسم.

العقبات بسبب الاسم لم تقتصر على أيام الطفولة فقط، بل استمرت حدَّ أنها شكّلت عائقًا أمام نشر قصة قصيرة له في مجلة روز اليوسف، حيث تعمل والدته، التي نصحها رئيس تحرير المجلة- آنذاك- بتغيير اسم ابنها الموهوب "لو كان راغبًا بالفعل في الاستمرار في الكتابة"، وهي النصيحة التي رفضتها الأم، وبالطبع المراهق لينين.


من هذه المقدمات، الاسم وأيديولوجية الأبوين وعملهما ذي الصلة بالمجال العام، تتبين ملامح البيئة التي نشأ فيها منذ كان طفلاً تصل لمسامعه مناقشات حول العديد من القضايا سواء وطنية أو مجتمعية، فيشب محبًا للاطلاع، وقد اعتاد تلك الأحاديث الأكبر من سنه.

تشكّل وعي الطفل لينين بطريقة دفعته كشاب يقرر الاتجاه لدراسة الفنون، وتحديدًا النقد والأدب المسرحي، فالتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية، وحصل منه على شهادة البكالوريوس عام 1970، وفي تلك المرحلة من عمره ذاق شيئًا من مهنة والديه، إذ أشرف على الصفحة الأدبية بجريدة العمال، واختار لها عنوانًا بمساعدة الكاتب فتحي غانم، حمل التباشير الأولى لحس كوميدي سينفجر لاحقًا؛ ""أدب وقلة أدب".

غير أن عمل لينين في الصحافة لم يدم، بل انطلق في مسار إبداعي آخر جعل منه واحدًا من أهم كُتّاب المسرح في الثمانينيات والتسعينيات، وكأنه قرر ضم اسمه لقائمة "أبو الفنون" باستكمال مسيرة أعلامه من الكُتّاب مثل يعقوب صنّوع ونعمان عاشور ودريني خشبة وغيرهم.

لم يكن الرملي ليحقق هذا النجاح إلاّ بموهبة حقيقية، فوفقًا لما كشفته زوجته الكاتبة فاطمة المعدول في حوار، بدأ لينين تدوين مذكراته اليومية عندما كان عمره 12 سنة، وكان في صفحاتها سطرًا كشف فيه حلمه بخمس كلمات فقط "أريد أن أكون كاتبًا مسرحيًا"، وهو ما قرر في سبيل التفرغ لتحقيقه أن يستقيل من عمله بوزارة الثقافة عام 1983.

وبالفعل، تحقق الحلم وأنجز أول مسرحياته مَن قتل برعي؟ وهو في العشرين، ليختارها المخرج جلال الشرقاوي وينتجها باسم إنهم يقتلون الحمير (1974)، والتي تُشير مصادر إلى كونها مقتبسة عن فيلم إنهم يقتلون الجياد.

وعلى الرغم من أن الإنتاج الفكري للرملي يتخطى 60 عملاً، بين السينمائي والتليفزيوني والمسرحي، إلاّ أن اسمه ارتبط باﻷخير تحديدًا لما أنتجه له من أعمال ما تزال محلّ إعجاب مختلف اﻷجيال حتى اليوم، من بينها سُك على بناتك مع فؤاد المهندس، وفيها ناقش في قالب كوميدي قضية اختلاف الأجيال وعلاقة الآباء بالأبناء، وكذلك تأثير اختلاف النوع الاجتماعي على هذه العلاقات.

فيلسوف كوميدي

ما يتذكره جمهور سك على بناتك من "إفيهات" خاصة بين الدكتور رأفت (فؤاد المهندس) وابنته فوزية (سناء يونس) ليست بالاستثناء المقتصر على هذه المسرحية، فالكوميديا كانت النهج الذي اختاره لينين في أعماله المختلفة، حتى ولو كانت كوميديا سوداء، خاصة في تلك الأعمال التي ناقشت أشد القضايا جدلاً ، وكأنها سخرية من واقع مرير.

السخرية بدت من الكاتب في أعمال مسرحية له مثل الهمجي التي ناقش فيها الطبيعة البشرية والتبريرات التي يسوقها الإنسان لأعماله السيئة، وهنا جنّد لينين الشيطان للعب أحد الأدوار، كما منح للجن دورًا في مسرحية أخرى هي تخاريف، بطريقة تعكس رؤية فلسفية وجودية تكررت في كثير من أعماله.

الهمجي وتخاريف ليسا سوى مسرحيتين فقط في قائمة طويلة بين لينين ورفيق دربه في مرحلة الثمانينات، الممثل محمد صبحي، الذي شكّل معه فرقة مسرحية هي استوديو 80، والتي أنتجا تحت مظلتها أعمال مثل أنت حر، والمهزوز، ووجهة نظر.


لكن، ولخلافات بين الكاتب وبين الممثل كان ما ظهر منها هو أن صبحي يخرج عن النص الذي يكتبه له لينين، انفصل الاثنان، وبعد سنوات كثيرة، قرر لينين إحياء فكرة الفرقة المسرحية، وكوّن واحدة جديدة باسم استوديو 2000، ومن خلالها قدّم العديد من اﻷعمال المسرحية، مثل اعقل يا دكتور (2000)، والمسرحية التجريبية الشيء في العام نفسه، وكذلك أهلاً يا بكوات 2006.

وسينمائي بدرجة سياسي

التناول الفلسفي ذي الصبغة الكوميدية للأمور، لم يقف مع لينين عند خشبة المسرح، بل امتد للسينما والدراما اللتين أنتج لهما أعمالاً تناولت العديد من القضايا الاجتماعية والسياسية كانت محل جدال في مختلف العقود الماضية.

لينين هو مَن تطرق إلى الفساد السياسي في صورة الانتخابات ورشاوها، في الجزء الثاني من فيلم بخيت وعديلة (الجردل والكنكة)، واستكمل مع الثنائي عادل إمام وشيرين الجزء الثالث من السلسلة بفيلم هاللو أمريكا الذي تطرق إلى فكرة الحلم الأمريكي باعتباره المنقذ لبطلي الفيلم اللذين يفرّان إلى الولايات المتحدة، ليتفاجآ هناك بالعديد من الصدمات على مستويات مجتمعية وفكرية.

مع عادل إمام أيضًا تناول لينين بفيلم الإرهابي ظاهرة التطرف والعنف الذي تصاعدت موجته في منتصف التسعينات. وبعيدًا عن "الإرهاب"، فإن موقف لينين من التيار الإسلامي كان واضحًا بالمعارضة لهم، كما بدا في تصريحات ومواقف كثيرة له، كان منها مواجهته لأحد قيادات هذا التيار في مناظرة أنهاها لينين بالانسحاب.

ذاق لينين شيئًا من مهنة والديه، إذ أشرف على الصفحة الأدبية بجريدة العمال، واختار لها عنوانًا حمل تباشير الحس الكوميدي للشاب، وهو "أدب وقلة أدب"

بعيدًا عن الإرهاب والفساد، ناقش الكاتب قضايا أخرى في أعمال مختلفة من بينها المسلسلات التليفزيونية وأشهرها هند والدكتور نعمان مع الفنان كمال الشناوي، وحكاية ميزو مع الفنان سمير غانم، بالإضافة للمقالات صحفية جمعها في كتابين هما هرش مخ وحواديت حصاوي.

بتلك المسيرة وبكل هذه الأعمال، نال لينين الرملي العديد من التكريمات، منها ما كان من البيت الفني للمسرح على هامش فعالية يوم المسرح المصري السابع عام 1997، بجانب فوزه بجائزة الأمير كلاوس الهولندية عام 2005، بينما كانت آخر تكريماته من وزارة الثقافة، وقبل ثمانية شهور فقط من رحيله اليوم.