تصميم سيف الدين أحمد، المنصة 2026
عبد العزيز جمال الدين

عبد العزيز جمال الدين.. المجذوب بحب المصراوية وتاريخهم

منشور الثلاثاء 17 آذار/مارس 2026

كرّس عبد العزيز جمال الدين، الذي رحل عن عالمنا الأسبوع الماضي، حياته للتعريف بتاريخ مصر والتنقيب فيه، والبحث في جذور الهوية الوطنية المصرية.

منذ شبابه انخرط محقق "تاريخ الآباء البطاركة" ومؤلف كتاب "ثورات المصريين" في العمل السياسي. انحاز لقضايا التقدم والعدالة الاجتماعية، وكانت القضية الوطنية منطلقًا أساسيًا من منطلقاته الفكرية، انتمى إلى اليسار ونشط لسنوات في منظمة "التيار الثوري"، عمل بالتدريس لفترة، لكن مواهبه الفنية دفعت به للعمل في القسم الفني بمؤسسة دار المعارف في تصميم الأغلفة والإخراج الفني للكتب، حيث تزامل مع صديق عمره الفنان صفوت عباس.

استقلال مبكر وتحرر ذكي

ارتبط اسم جمال الدين، الذي ولد عام 1940، وتخرج من قسم الجغرافيا، جامعة القاهرة، منذ مطلع الثمانينيات بمجلة "مصرية"، التي كانت جزءًا من ظاهرة ثقافية بدأت في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، أعني ظاهرة النشرات غير الدورية، حيث اتجهت مجموعات المثقفين والمبدعين المصريين إلى إصدار مجلات ثقافية وفكرية تحمل إبداعاتهم وهمومهم ورؤاهم لهذا الوطن، وللتحايل على قيود قوانين النشر والصحافة، التي كانت تحول بين جيل كامل من المثقفين والمبدعين ونشر أعمالهم وأفكارهم، خاصة أولئك الذين كان يتبنون مواقف تقدمية.

كان عبد العزيز جمال الدين فضلًا عن دوره في تحرير المجلة يتولى الإخراج الفني لمجلة "مصرية" بحرفية وإتقان

حملت هذه المجلات صفة "نشرة غير دورية"، أو "كتاب غير دوري"، باعتبارها ليست مجلات، بالتالي لا تحتاج إلى استصدار تراخيص نشر، متخذين في ذلك شاعرنا الكبير بيرم التونسي قدوة ومثالًا، عندما ظلت السلطات تلاحق ما يصدره، فأصدر مطبوعة "المسلة" وكتب في ترويستها "المسلة لا جريدة ولا مجلة"، وساعد تطور تقنيات الطباعة في تلك الحقبة، وظهور أسلوب طباعة الماستر على انتشار هذه الموجة الجديدة من النشرات التي نجحت في كسر أسوار الحصار التي فرضت على قطاعات من المثقفين والكتاب والمبدعين.

مجلة مصرية النشرة غير الدورية التي أصدرها الراحل عبد العزيز جمال الدين

وسط هذه النشرات المتنوعة في شكلها ومضمونها ومستواها ومدى قدرة مصدريها على الاستمرار في إصدارها، برزت "مصرية" التي أصدرها عبد العزيز جمال الدين مع مجموعة من زملائه وكانت الأكثر قدرة على الاستمرار، فقد تواصلت لأكثر من عقدين، وحافظت على انتظام الصدور إلى حد كبير، كما كانت الأكثر انسجامًا في موضوعاتها، وتتميز بوضوح الرؤية، أخذت شكل المجلة الفكرية التي تنشر البحوث والدراسات أكثر من المجلة الثقافية العامة.

تولى عبد العزيز جمال الدين فضلًا عن دوره في تحرير المجلة، الإخراج الفني للمجلة بحرفية وإتقان يجعل من كل عدد من أعدادها قطعة فنية متفردة، فكانت الأكثر جمالًا، الأمر الذي جعل مصدري النشرات غير الدورية يتسابقون على طلب خدماته ليخرج لهم نشراتهم، ولم يبخل إطلاقًا بتقديم جهده وفنه وخبرته متطوعًا حتى لمنافسيه، ليضفي لمسة فنية على النشرات غير الدورية.

كان الاهتمام بالهوية الوطنية المصرية المحور الأساسي في "مصرية"، هذا الاهتمام الذي كان عنصرًا أصيلًا في فكر عبد العزيز جمال الدين، وعندما رزق بابنته أطلق عليها اسم "مصرية"، وهي المخلصة لأفكاره المحافظة على تراثه.

ورشة الزيتون بداية الصداقة

عرفت عبد العزيز كاتبًا في "مصرية" ومخرجًا فنيًا لها قبل أن أتعرف عليه شخصيًا في ندوة نظمها الشاعر شعبان يوسف في ورشة الزيتون بنادي الأدب بمقر حزب التجمع بالزيتون ربيع سنة 1981 حول النشرات غير الدورية، حضر عبد العزيز الندوة ممثلًا لمجلته، وحضرتها حيث كنت أشارك مع مجموعة من الأصدقاء في إصدار كتاب غير دوري يحمل اسم "موقف".

كتاب أخبار القرن الثاني عشر، حققه عبد العزيز جمال الدين وعماد أبو غازي

ومنذ التقيت عبد العزيز جمال الدين أصبحنا صديقين جمعت بيننا مشتركات كثيرة منها الاهتمام بالتاريخ، وبتحقيق التراث، كما جمعتنا زنازين ليمان طرة، ثم تصادف أن عملنا معًا في دار المعارف لعدة أشهر عام 1982، عندما التحقت بوحدة تحقيق التراث مع الدكتور حسين مؤنس، ثم اشتركنا معًا في تحقيق مخطوط لإسماعيل الخشاب بعنوان أخبار أهل القرن الثاني عشر صدر عن دار العربي للنشر عام 1990، وكان العمل الأول لكل منا في مجال تحقيق التراث.

توالت أعمال عبد العزيز في مجال تحقيق التراث، إذ نجح في تحقيق عدد من النصوص المهمة عن تاريخ مصر، منها تاريخ مصر والعالم القديم ليوحنا النقيوسي، وأحمد باشا الجزار مع بونابرت للأمير أحمد الشهابي، ومذكرات نقولا الترك أخبار المشيخة الفرنساوية في الديار المصرية، وغيرها الكثير من الكتب المهمة.

تميز أسلوبه في تحقيق التراث بإقامة نص مواز للنص الأصلي، ليس فقط من خلال الشروح والتعليقات العلمية الوافية، بل أيضًا من خلال تقديم الروايات الأخرى المعاصرة لأحداث النص المحقق، فعندما حقق تاريخ الجبرتي عجائب الآثار في التراجم والأخبار أصدر طبعة متميزة، وضع بموازة نص الجبرتي نصوصًا أخرى معاصرة.

عمله الأهم تحقيقه لتاريخ الكنيسة المصرية أو سير الآباء البطاركة، بعنوان تاريخ مصر من خلال مخطوطة تاريخ البطاركة، الذي صدر عام 2006 عن مكتبة مدبولي في 6 مجلدات، ثم أعادت الهيئة العامة لقصور الثقافة طبعه عام 2012.

ظل هذا الكتاب ينسب إلى ساويرس بن المقفع أسقف الأشمونين في القرن الرابع الهجري، حتى ثبت مؤخرًا أن من بدأ تأليفه موهوب بن منصور بن مفرج الإسكندراني، ورغم أن عنوان الكتاب يوحي بأنه كتاب في التاريخ الكنسي، فإنه يؤرخ لمصر كلها، وإنْ قُسّم وفقًا لعصور آباء الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.

طبعة عبد العزيز جمال الدين تميزت بأنها محققة تحقيقًا علميًا دقيقًا ومزودة بشروح وتعليقات ونصوص موازية

غطى العمل الأصلي فترة طويلة من تاريخ مصر تمتد من بداية اعتناق المصريين للمسيحية حتى بدايات العصر الفاطمي، وقد أكمل مجموعة من الكتاب معظمهم مجهولون هذا العمل إلى نهاية القرن التاسع عشر، إلا أن الجزء الذي نسب تأليفه إلى ساويرس بن المقفع يتميز بالاهتمام بكثير من التفاصيل الدقيقة، وبمتابعة لجوانب حياة مصر السياسية في ذلك العصر.

 عُنيت جمعية الآثار القبطية بطبع الكتاب ونشره في القرن الماضي، لكن طبعة عبد العزيز جمال الدين تميزت بأنها محققة تحقيقًا علميًا دقيقًا ومزودة بشروح وتعليقات ونصوص موازية.

أخبار المشيخة الفرنساوية في الديار المصرية تحرير وتحقيق عبد العزيز جمال الدين

استغرق عمل الراحل في تحقيق "تاريخ البطاركة" أكثر من ربع قرن، فمنذ عرفته في مطلع الثمانينيات وهو يتحدث عن هذا الكتاب باهتمام، ويتمنى أن يراه محققًا تحقيقًا جديدًا ومتوفرًا بين أيدي الباحثين، وكنت أشفق عليه من هذا العمل الشاق، فرغم أني أعرف قدراته العالية وسعة اطلاعه وثقافته متعددة المجالات، فضلًا عن دأبه ومثابرته، مع كنت أقول إن تاريخ الآباء البطاركة أمر آخر.

واعترفت عندما رأيت العمل مطبوعًا عام 2006 بخطئي، وكتبت مقالًا اعتذرت فيه له لتصوري أن مثل هذا العمل شاق عليه، لكنه أثبت أنه شاب في القدرة على العمل شيخ في الحكمة والخبرة.

حقق جمال الدين الكتاب معتمدًا على مجموعة من المخطوطات الأصلية، وأضاف له وفقًا لمنهجه الذي يفضله نصًا موازيًا له يحمل تعليقاته العلمية، والرؤى المقابلة لرؤية المؤلف الأول ومن أكملوا عمله من خلال نصوص أخرى معاصرة للأحداث، فضلًا عن ذلك استكمل العمل حتى مطلع القرن الحادي والعشرين.

أما أبرز مؤلفاته فأذكر منها كتابيه عن تاريخ ثورات المصريين، فالاهتمام بالتأريخ للثورات كان أحد مشاغله منذ منتصف السبعينيات على الأقل، لكنه لم يصدر هذين الكتابين إلا في السنوات الأخيرة، بعد جهد في جمع أخبار الثورات والانتفاضات وحركات الاحتجاج من مصادرها، تضمن الكتاب الأول ثورات المصريين حتى عصر المقريزي، أما الكتاب الثاني فيتناول ثورات وتمردات المصريين منذ الاحتلال العثماني حتى عام 1952.

رحل عبد العزيز جمال الدين لكنه ترك لنا مشروعًا فكريًا وثقافيًا في تاريخ مصر وهويتها عكف عليه على مدى زمني يقارب خمسين عامًا.