تصميم: المنصة

لنضع القبح على المائدة: إشكاليات خطاب الكراهية وحرية التعبير ومغايرة المكان

ماذا لو اختار الناس خطاب الكراهية؟ سيكون ذلك علامةً على مرض اجتماعي وجب فحصه وعلاجه بدلًا من قمعه، وفي كل الأحوال فإن التصدي لمن يبث خطاب الكراهية من الشيوخ، أمر يقع على عاتق القضاء لا وزارة الأوقاف.

عقب تعليقات له على مواقع التواصل الاجتماعي حول مصير الدكتور مجدي يعقوب في الآخرة، قررت وزارة الأوقاف المصرية منع عبد الله رشدي من الصعود إلى المنابر، وذلك بعد أسبوعين من قرار مشابه بحق نشأت الزارع الذي اعتبر أن الفتوحات الإسلامية "احتلالًا" يجب على الأزهر الاعتذار عنها.

بداية وقبل كل شيء، فإنه لا خلاف على ضرورة تجريم خطاب الكراهية حسبما ورد في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الذي وقعت عليه مصر التي لا تجرّم قوانينها صراحة خطاب الكراهية، وإن كان الدستور المصري في مادته 151 يمنح المعاهدات الدولية التي توقع عليها مصر قوة القانون.

وفي الوقت نفسه، فإن عبد الله رشدي كثيرًا ما أدلى بتصريحات ومواقف تندرج ضمن خطاب الكراهية خاصة ضد النساء والمسيحيين.

تثير هاتين الحادثتين عدة إشكاليات، تتعلق بطبيعة المجتمع الذي يطلق فيه رشدي مثل هذه التصريحات، وتساؤلات حول مسؤولية وزارة الأوقاف عن مراجعة آراء الناس وتوليها تحديد ما يندرج تحت بند خطاب الكراهية أو ممارسة حرية التعبير عن الرأي، وحقيقة أن بعض الآراء الدينية التي يحق للمؤمنين التعبير عنها قد تندرج تحت بند خطاب الكراهية، وأخيرًا؛ مدى فاعلية المنع.

منع لطرفي النقيض

كما ذكرنا أعلاه، فإن وزارة الأوقاف منعت الشيخ نشأت زارع من الصعود إلى المنابر مع أنه يمثل اتجاهًا معاكسًا تمامًا لاتجاه عبد الله رشدي، حيث عبر الزارع عن رأيه في الفتوحات الإسلامية، واصفًا إياها بـ "الاحتلال" و"انتهاك حقوق الإنسان"، مؤكدًا على أنها أقحمت على الديانة الإسلامية، ومستشهدا ببعض الآيات القرآنية، ثم مطالبا الأزهر بالاعتذار عنها.

قرار وزارة الأوقاف بمنع الاثنين يعني وأد أي حوار مجتمعي قد يثمر عن أي نتائج قد تسفر عن تطور إيجابي في تغيير ثقافة المجتمع السائدة.

وبالحديث عن طبيعة المجتمع الذي نتعامل معه، فإن تصريحات الزارع قوبلت عاصفة من الهجوم من رواد مواقع التواصل الاجتماعي حتى بلغ الأمر اتهامه بالجهل بل وأحيانًا بـ"الكفر"، بينما على الجانب الآخر، تلقى الجمهور ذاته آراء رشدي سواء التي تصل إلى حد التحريض على التحرش بالنساء ولا تخفي طائفيتها على الإطلاق.

بالتالي فإن عبد الله رشدي ليس مجرد شيخ متعصب يعبر عن كراهيته للنساء والمسيحيين، بل يمكننا اعتباره متحدثًا باسم قطاع كبير من المجتمع الذي يعتقد في هذه الآراء، فهي ليست حكرًا على عبد الله رشدي، ولم يبتكرها من بنات أفكاره، بل هي آراء موجودة وقديمة، تقع في نفوس الملايين موقع القدسية، ويعتبرها الكثير "هي الدين" لا واحدًا من تفسيرات متعددة له.

ربما يجد البعض أن هذا الدفع بالتحديد يعضد قرار المنع بينما أعتقد أنا في العكس؛ فتكميم صوت قطاع كبير من المجتمع لن يفلح إذا ما أردنا تفنيده، خاصة أن الأوقاف منعت في الوقت نفسه رأيا لا يمثل الأغلبية، بل يشتبك مع ما يمثلها، فنشأت الزارع لم يعترض على الفتوحات الإسلامية فحسب، بل له باع طويل في مكافحة ختان الإناث وزواج القاصرات وسوء معاملة الإناث باسم الدين، بالإضافة إلى آراء أخرى كثيرة تناهض اضطهاد الأقليات الدينية وتكفير المختلفين في الدين.

قرار وزارة الأوقاف بمنع الاثنين يعني وأد أي حوار مجتمعي قد يثمر عن أي نتائج قد تسفر عن تطور إيجابي في تغيير ثقافة المجتمع السائدة، فلا يجدي نفعًا أن نقمع رأيًا يمثل قطاعًا كبيرًا من المجتمع إذا أردنا إصلاح هذا المجتمع وتغيير وجهة نظره، عليه أولًا أن يعبّر عن نفسه، بكل بشاعته وقبحه، وأن نضع هذا القبح على المائدة، ربما يغير البعض رأيه بمجرد رؤية القبح أمام عينيه، وربما يحتاج البعض الآخر للمناقشة، كيف يتسنى لك أن تناقش رأيًا لم يتم التعبير عنه بشكل كامل؟

كل شيخ وله طريقة

تساؤل آخر وجب طرحه؛ حول أسباب منح وزارة الأوقاف سلطة الرقابة على أحاديث الشيوخ، بينما يقول المثل المصري كل شيخ وله طريقة.

الجماهير ليسوا قصّرا ولا معدومي الأهلية حتى تختار لهم وزارة الأوقاف الشيوخ الذين يخاطبونهم. والشيوخ بدورهم مواطنون شأنهم شأن أي مواطن، والمنابر وسيلة للتعبير عن آرائهم كما يستغل الكاتب نافذة الصحف للتعبير عن رأيه، وكما يستغل الفنان فنه للتعبير عن رأيه، وكما يستغل المواطن العادي حسابه على فيسبوك للتعبير أيضا عن رأيه؟

هناك جدلية وجيهة، تقول إن الشيوخ على المنابر ليسوا مجرد مواطنين يعبرون عن آرائهم، لأن العمامة والمنبر يمنحانهم سلطة روحانية، تحيل خطابهم إلى أوامر إلهية أكثر منها رأيًا لمواطن عادي، وهو رأي سليم إذا ما استمرت الأوقاف في تصدير خطاب واحد على المنابر عبر سلطويتها.

أما في حال ما إذا رفعت الأوقاف يدها عن المنابر ورأى الناس بأعينهم تضارب الآراء فوقها - كما كان يحدث منذ قرون عديدة وكأننا نتأخر لا نتقدم - فإن خطاب الشيوخ في هذه الحالة لن تتعدى في نظر العامة أكثر من كونها "آراءً" أو مدارس، ولكل فرد الحق في اختيار الرأي الذي يروق له.

ولكن ماذا لو اختار الناس خطاب الكراهية؟ سيكون ذلك علامةً على مرض اجتماعي وجب فحصه وعلاجه بدلًا من قمعه، وفي كل الأحوال فإن التصدي لمن يبث خطاب الكراهية من الشيوخ، أمر يقع على عاتق القضاء لا وزارة الأوقاف.

بين حرية التعبير وخطاب الكراهية شعرة

خطاب عبد الله رشدي المضاد للحرية المرأة واحترام جسدها، لا خلاف عليه، فهو تحريض واضح على التحرش بـ"غير المحصنات".

ثمة إشكالية حقيقية لم تحل حتى الآن، وهي الشعرة ما بين خطاب الكراهية من ناحية وحرية التعبير عن المعتقد من ناحية أخرى. فعبد الله رشدي، ومن خلفه ملايين من المسلمين، يعتقدون صدقًا بأن مصير أتباع الديانات المغايرة إلى الجحيم. هذا هو معتقدهم وإيمانهم، وهذا تحديدًا ما يجعلهم يتشبثون بديانتهم التي يعتقدون في صوابيتها.

فهل تعبير هؤلاء الناس عن معتقدهم خطاب كراهية؟

هذا السؤال يعود بنا إلى النقطة الأولى؛ الحقيقة أنه في مجتمعات حرة وديمقراطية، فإن خطاب عبد الله رشدي بشأن المسيحيين لا يعد خطاب كراهية، هو شخص يؤمن بديانة ما، والإيمان يعتمد على الاعتقاد في اللا مرئيات بالأساس، وإيمانه يقول له بأن الآخر مصيره إلى "الجحيم". الجحيم أيضا افتراض غير مرئي، هو لا يدعو الناس لإلقائهم في الجحيم، هو يعتقد بإن مصيرهم بعد الموت إلى الجحيم.

هذا اعتقاد بأمر غيبي، في مجتمع آخر لا يستتبع أي ضرر.

إلا أننا في مجتمع يتأخر عن المجتمعات الحرة بأربعة قرون على الأقل. ومن ثم، فإن التصريح بإن المسيحيين من أهل النار، قد يستتبع استحلالًا لدمائهم وأموالهم ونسائهم، وهو أمر يثير الرعب في نفوس مسيحيي مصر مع كل تصريح مشابه لأي رجل دين.

خطاب عبد الله رشدي المضاد للحرية المرأة واحترام جسدها، لا خلاف عليه، فهو تحريض واضح على التحرش بـ"غير المحصنات". أما خطابه ضد المسيحيين، فيجب النظر إليه باعتبار الزمكان.

فلو أن عبد الله رشدي وجه خطابه العقائدي المكفر للمسيحيين في بلد كالنمسا مثلا، فإن ذلك قد يقع تحت بند حرية الرأي والتعبير. أما أن يتحدث في مجتمع مثل مصر عن ذهاب المسيحيين للجحيم في مجتمع طائفي، مرجعه الأول هو الدين، ورادعه الوحيد هو الحلال والحرام، فإن ذلك يصنف بلا شك كخطاب كراهية وتحريض على القتل أيضا، إذ يؤمن عدد لا بأس به من الأغلبية المسلمة في مصر بقتل الكافر أو إجباره على دفع الجزية.

هذا تحديدا ما يدفع المؤيدين لقرار منع عبد الله رشدي للتشبث برأيهم. لكنني أراه حلًا مؤقتًا. أنت تكتم رأيًا يعبر عن المجتمع بكل مثالبه حتى لا يتحول الكلام إلى فعل عدواني حيال الأقلية. إلا أن ذلك، في رأيي المتواضع، يعد هروبًا من واقع كائن بالفعل: الاعتداءات على المسيحيين واستحلال دماءهم وأموالهم كائن من قبل خطاب عبد الله رشدي، نحن نرى الفعل، ولا أحد يصرح بالقول الفج، فلماذا لا نستعرض المنطق الذي يقف خلف الفعل لتفنيده؟

إذن، فتعريفات الأمم المتحدة تتعامل مع مجتمعات في مكان آخر، وزمن آخر، ومستوىً آخر من التحضر. الأمر الذي يقودنا إلى التساؤل بجديّة عن فعالية المنع.

سيف المنع وتحويل المحرضين إلى شهداء

منع عبد الله رشدي من الصعود إلى المنابر، هو الخطوة الأولى على طريق تحويل رجل طائفي ذكوري رجعي إلى بطل.

لنتذكر سويًا الناقد الفني السابق والتكفيري اللاحق سيد قطب، الذي تعتبره التيارات الإسلامية شهيدًا.

كان سيد قطب في مطلوعه رجلًا مثقفًا وشاعرًا وناقدًا فنيًا، ثم مر بتجربة السفر إلى الولايات المتحدة ثم الدخول إلى السجن، مما أحدث لديه صدمة ما أدت به إلى تكفير المجتمع، فما كان من السلطات إلا أن أعدمته - بوصفه محرضًا على القتل - وقامت بمصادرة كتاباته.

هاه؟ وكيف كان ذلك؟ كما يقول بيدبا الفيلسوف.

لقد كان لإعدام سيد قطب ومنع أعماله أثرًا كبيرة في انتشار أفكاره، وتأسيس العديد من الجماعات المسلحة التي سامتنا سوء الإرهاب والقتل والتفجيرات، وذلك لإن الناس بشكل عام لا تثق في السلطة، كما أن المنع بالنسبة لمجتمعاتنا يزيد من الإثارة والفضول لدى الجماهير، هذا بالإضافة إلى المظلومية التي يستغلها الشخص الممنوع لنيل المزيد من التعاطف السهل.

هكذا، يكون منع عبد الله رشدي من الصعود إلى المنابر، هو الخطوة الأولى على طريق تحويل رجل طائفي ذكوري رجعي إلى بطل، وأفضل وسيلة لنشر المزيد من أفكاره وفتح الباب أمام سلسلة من الندب على ألسنة الإسلاميين، والترويج لمظلوميتهم التي كانت سلاحهم الأول في غزو المجتمعات.

لاحقًا، اضطرت دار الإفتاء للرد على عبد الله رشدي، والتأكيد على أن مصائر الناس بعد الموت بيد الخالق لا يعلمها إلا هو، وامتدحت في بيانها الطبيب مجدي يعقوب - المسيحي - ووصفه بأنبل الصفات.

فهل وجدت وزارة الأوقاف أن عبد الله رشدي يضع السلطة الدينية في البلاد في مأزق إما أن يقروا أراءه الشنيعة وإما أن يتورطوا في دعم حقوق الإنسان بطريقة تغلق الباب أمام أي حوار مجتمعي حقيقي؟