تصميم: يوسف أيمن- المنصة

راقصة شرقية على الترابيز: هكذا فتنتني نعيمة عاكف

منشور الخميس 22 أبريل 2021

تولد الفتاة، ثم تبدأ في تعلم المشي والكلام وكراهية الراقصات، وحين لا تجد من الرقص مفر، تقع في غرامهن.

في التسعينات، عندما كان من الصعب أن تتفاعل البنت مع صورة الراقصة بعيدًا عن سحرها الأسطوري فوق خشبة المسرح أو من خلال دور تؤديه في فيلم أو مسلسل، فتنتني الراقصات الشرقيات، وعلى رأسهن احتلت نعيمة عاكف مكانًا أثيرًا في قلبي.

متى وقعت في حب نعيمة؟

كان أربع بنات وضابط، بطولة أنور وجدي ونعيمة عاكف، هو أول فيلم أبيض وأسود أشاهده على تليفزيون منزلنا، رأيته بعيون طفلة وأنا مبهورة بشخصيتها؛ فتاة يتيمة ومتمردة، تصطدم بمديرة الإصلاحية التي قتلت قطتها وصفعتها لأنها تمضغ اللبان. أحببت نعيمة لأنها جريئة ورومانسية، ففي الوقت الذي كانت زميلاتها تحلم بالطعام، حلمت هي بقتل مديرة الإصلاحية القاسية وتخليص العالم من شرورها، والزواج من حبيبها الضابط الساحر وحيد.

كان الفيلم كرنفال من المغامرات والمفارقات التراجيدية والرقصات، شديد الإبهار لفتاة في سني. وفي مشهد أحلام البنات الأربع، كان حلم نعيمة مختلفًا، حلمت بالرقص والزواج، لكنه كان غريبًا جدًا بالنسبة لعقلي الطفل أن يتخيل الفتاة نفسها راقصة وعروس بتول في الوقت ذاته؛ نقيضان لا يجتمعان، لكن نعيمة عاكف جعلتهما متشابكين تمامًا.

راقصة شرقية على الترابيز

توالت مشاهداتي لنعيمة عاكف في أفلام كثيرة، أولها تمر حنة، الذي أدت خلاله رقصة صعبة، حركت فيها جسدها بأكمله، فبدت مثل راقص صوفي تناسى في انتشائه حدود الجسد والجاذبية، حتى وأنا لا أعرف وقتها شيئًا عن انتمائها لعائلة عاكف الاستعراضية العريقة، كنت أشاهدها ذاهلة مما تفعل ويزيد عن قدرات أي راقصة شرقية نمطية، حاولتُ طفلة تقليدها وهي تدور بوسطها كالطاحونة، فدارت بي الدنيا، وبعد سنين كثيرة، أعادت إحدى المشاركات في برنامج الراقصة أداء  تلك الحركة، لكنها كشفت للمشاهدين، دون أن تدري، كيف صبغت نعيمة عاكف ذلك الاستعراض بصبغتها للحد الذي بدا فيه أداء تلك المشاركة مجرد قص ولصق.

https://youtu.be/YaHxuq7YUeI

في لقاء تلفزيوني، صرح مدرب الرقص والراقص الأشهر في تاريخ الفنون الشعبية محمود رضا، بأن نعيمة عاكف قادرة على احتراف جميع أنواع الرقصات، لأن جسدها الذي طوعته بالتمرين في السيرك سمح لها بسهولة تعلّمها جميعها.

وكانت نعيمة تتمتع بخفة ظل تضاهي تفوقها في الرقص وإجادتها التمثيل، وربما لأنها بدأت لاعبة سيرك تعودت كسب انتباه الجمهور واستحسانه من قدرتها على ثني جذعها وتطوعيه لتأدية الاستعراضات المختلفة؛ استطاعت من خلال رقصاتها المتعددة ترجمة ما تمتلكه من خفة جسد وروح أصيلة، ولم يعد ضروريًا للمشاهد أن تؤدي نعيمة عاكف دور الراقصة في فيلم ما ليقتنع بأن الرقص مكون رئيس للشخصية التي تلعبها.

لم تعتمد شخصيات نعيمة عاكف على الإثارة والإغراء كعنصرين لجذب اهتمام الجمهور، وانحصرت أدوارها في شخصية الفتاة الفاتنة قليلة الحظ، التي تستخدم ذكاءها وخفة ظلها للإيقاع بحبيب أو السخرية من الأثرياء، الذين تدخل عالمهم الزائف وتخرج ظافرة بحبيب أو حليف، مثل أليس في بلاد العجائب، الفتاة الفقيرة الذكية الذي يعاملها عالم اﻷغنياء "التافه" كدمية مسلية في البداية، ثم يُجبر لاحقًا على احترامها.

لغز نعيمة

جذبني غموض نعيمة عاكف أكثر من أي فنانة مصرية أخرى في زمانها؛ أحب تتبع اللقاءات التليفزيونية للفنانين، وما تكشفه من جوانب في شخصياتهم قد لا تظهرها السينما، وقد أعياني البحث عن أي لقاء تلفزيوني لنعيمة عاكف دون أن أجد شيئًا، ظلت لغزًا غامضًا بالنسبة لي، تبتسم للكاميرا ابتسامة لم أستطع تحديد معناها، في كل الصور التي التقطت لها بعيدًا عن التمثيل، كانت لعينيها السوداوين نظرة غامضة، تحمل تحدٍ ما؛ ربما للزمن، وربما للسيرك الذي جاءت منه.

في حلقة من حلقات الراقصة، تحدثت دينا عن رقصة أدتها نعيمة عاكف في روسيا، بحثت عنها حتى وجدتها على يوتيوب، ووجدت مادة مكتوبة تفيد أنها أدت رقصة ضمن الوفد المصري في مهرجان الشباب والطلبة العالمي، الذي أقيم هناك؛ حصلت يومها على جائزة أفضل راقصة في العالم، وهو تكريم مُستحق لفنانة تنتمي إلى فن يعاني التهميش إن لم يكن الازدراء.

كانت وهي ترقص في المهرجان، سعيدة، وفخورة، ومنتشية، كبنت بلد تقدم استعراضًا بنكهة مصرية أمام أغراب يفتتنون بها، دون أن تحاكي ثقافتهم لتجذب انتباهههم، في تلك اللحظة بالذات كانت نعيمة هي الراقصة الشرقية كما يجب لها أن تكون.

كلما تعمقت في البحث عن حياة نعيمة عاكف، أصابني الذهول من أداء هؤلاء الفنانين، الذين قد يكونوا وحوشًا أمام الكاميرا، وأطفالاً تائهين خلفها، ومثلهم نعيمة؛ عفريتة وراقصة تحرك الكون من حولها أمام الكاميرا، بينما تبدو تائهة وهي بعيدة عنها، لا تعرف كيف تتصرف في أحوالها المادية أو القانونية البسيطة، ولهذا ازددت شغفا بها.

يحيا الفن

خُلقت نعيمة للفن فقط، وكل محاولة لإلهائها عنه باءت بالفشل، ولهذا ماتت صغيرة، كأنما لن تتأقلم مع حياة لا تقدر فيها على الحركة والرقص؛ كيانها متحرك، إذا جُمَّد فني، لذلك لم تمهلها حيرتها طويلا في توفيق أوضاعها بين الزواج والفن واﻷمومة، فأكلها السرطان وأفناها صغيرة في السابعة والثلاثين من عمرها.

كان من بين ما قرأته عن نعيمة عاكف أن سعادتها بولادة ابنها الوحيد محمد، لم تمنعها من اشتياقها للفن، وأحزنني كثيرًا أن يخيرها زوجها بين فنها وحياتها الزوجية، التي لم تعد بدلة الرقص تناسبها؛ لماذا تُخير موهوبة مثلها، بين التخلي عن فنها في سبيل تأسيس أسرة، أو البقاء وحيدة في عالم لا تملك من أدواته سوى الموهبة دون أن تعرف كيف تديره.

لم تستطع لاعبة السيرك تحمل الجمود الذي فرضته حياة المرأة الرصينة، فماتت متأثرة بآلام سرطان المعدة، غير أنها، في نظري ستظل ترقص بغواية تمر حنة، ومرح لهاليبو، ورقة نعيمة التي تحب الضابط وحيد، في بلاتوه مخصص لها وحدها، دون أن تسمع كلمة ستوب، أو تضطر إلى التفاوض حول أجرها أو التفكير في إيداع ما تكسبه في بنك.