خريطة لفلسطين. الصورة: فليكر- برخصة المشاع الإبداعي

عن الإرهاب وفلسطين وماركس ومانديلا

1

دعا معهد العالم العربي في باريس أفرادًا إسرائيليين للمشاركة في مهرجان عربي. نُشر الخبر على وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تنشره مواقع واسعة الانتشار مثل الجزيرة والقدس العربي. لم نعرف هذه المعلومة نتيجة شفافية المعهد وشجاعته بإعلان قراره بتنظيم أنشطة تجمع عربًا وإسرائيليين، بل لأن اثنين من المشاركين الفلسطينيين في فاعليات هذا المهرجان اكتشفا المشاركة الإسرائيلية بالصدفة، أعلنوها، وأعلنا انسحابهما.

ربما كان معهد العالم العربي، الذي بدأ كمشروع رئاسي فرنسي في بداية الثمانينيات، وافتتح في أواخرها، هو المكان الأبرز للتمثيل الثقافي والفني العربي خارج حدود البلدان العربية. لديه منذ بداياته صبغة نخبوية فنيًا وثقافيًا، إلا أنها صبغة تحاول أن تقدم منتجات ثقافية وفكرية وفنية عربية لا يسمح المجال السياسي والاجتماعي في بلداننا بتقديمها وانتشارها.

مشاركة إسرائيليين وفنانين عرب لنفس خشبة القاعة الكبيرة للمعهد مسألة لا تخلو من الفكاهة، ولا تخلو أيضا من أسباب الغضب، فمعهد العالم العربي الذي يحصل على تمويله الأساسي من الحكومة الفرنسية، مع مشاركة مالية من بلدان جامعة الدول العربية، غير قادر على معارضة الموجة الأخيرة لتطبيع العلاقات العربية الإسرائيلية، حيث أن مجلسه الإداري يتضمن ممثلين لحكومات عربية مطبعة، سواء كان تطبيعًا رسميًا وعلنيًا، أو علاقات تعاون وثيق غير معلنة.

تكمن الفكاهة في أنه معهد متخصص في العالم العربي وثقافاته وفنونه، فماذا تفعل إسرائيل به؟

مثل كل المعاهد الأوروبية والأمريكية الشمالية المتخصصة في العالم العربي، يلجأ المعهد كثيرًا إلى حيلة البحث عن الصوت الأوروبي أو الغربي لـ"الخبير" أو "المتخصص" الذي يتواجد علي المنصة ليمنح شرعية ما لمنتجاتنا وأفكارنا. لكن، هل تأتي إسرائيل كي تمنحنا هذه الشرعية؟ أم أنها تعتبر نفسها بلدًا عربيًا؟

في الحالة الأولي لا يمنح العدو شرعية فكرية لعدوه. وفي الحالة الثانية فإن إسرائيل ستتلوث بنا. ستتلوث بمستنقعنا العربي الديكتاتوري الذي ادّعت دائما نجاتها منه بانتسابها للعالم الأوروبي، حتى في مهرجان الأغاني الشبابية، يورو فيجين، الذي تشارك فيه وكأنها بلد أوروبي، أم أنها تتنازل طواعية عن سلاح اتهام أعدائها وخصومها ومنتقديها بأنهم معادين للسامية؟ فتعترف بنا أخيرًا كساميين؟

2

صنفت وزارة الدفاع الإسرائيلية قبل أسابيع قليلة ست منظمات فلسطينية تعمل في مجال حقوق الإنسان والتنمية بالضفة الغربية المحتلة عام 1967 كمنظمات إرهابية، وبأنها واجهة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، اليسارية، التي أسسها الراحل جورج حبش. ويؤكد العسكريون والمخابراتيون الإسرائيليون، دون تقديم أدلة، أن هذه المنظمات الستة تقوم بتمويل الجبهة عبر الأموال والمنح التي تتلقاها من هيئات التعاون الدولي الأوروبية.

وقبل أيام؛ استضافت اللجنة الإسبانية لمقاطعة إسرائيل سيدتين ممثلتين لمنظمتين من هذه المنظمات الستة، للحديث في مدريد عن أوضاعهما بعد أن وضعا تحت لائحة الإرهاب. لم يتعد حضور اللقاء الوجوه العربية والإسبانية المعتادة التي تتردد على كل الفاعليات الداعمة للشعب الفلسطيني.

وفي مواجهة المائدة؛ انتصب حامل خفيف للكاميرات عليه تليفون محمول لتصوير الفاعلية، جلس وراءه رجل إسباني واضعًا على فخذيه كمبيوتره المحمول، مدونًا المداخلتين. عند افتتاح دورة الأسئلة والتعليقات طلب الكلام، قدّم نفسه باعتباره صحفيًا من وكالة الأنباء الإسبانية، وطرح عددًا من الأسئلة المتعلقة بالوضع القانوني لهذه المنظمات، واختتم أسئلته بالسؤال الأهم، طالبًا الرد على الادعاءات الإسرائيلية بانتماء منظماتهما للجبهة الشعبية التي يتم اعتبارها إرهابية داخل وخارج إسرائيل. بادرت السيدة الأكبر سنًا وحنكة برفض الإجابة عن هذا السؤال.

تطرح أجهزة الأمن والجيش الإسرائيلي الاتهامات دون أي دليل، وعلى المتهمين أن يجلبوا الأدلة على زيف الاتهام المفتقد للأدلة.

باعتباري أحد الحضور؛ لم أجرؤ لحظتها أن ألتفت إلي الصحفي لأعبر له عن إعجابي بهذه المنظمات، وأن ثقتي في فاعليتها سيزداد إن كانت فعلًا على علاقة حقيقية بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

تذكرت لحظتها صيف 1994، كنت أعمل وقتها صحفيًا عابرًا في جريدة الأهرام ويكلي. في صباح أحد الأيام كنت أقوم بعمل حوار تليفوني من صالة التحرير الواسعة مع نايف حواتمة قائد الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين. أنهيت المكالمة بجملة "شكرًا يا رفيق نايف". كان الراحل الطيب الدكتور مرسي سعد الدين، أحد المتحدثين باسم الوفد المصري في مفاوضات كامب ديفيد المصرية/الإسرائيلية، يراقب المشهد مذهولًا، اقترب من زميلتي وسألها بصوت خافت "هو بيتكلم مع نايف حواتمة الإرهابي؟".

من ضمن أسباب وصف نايف حواتمة بالإرهابي انتماؤه، من ضمن كثيرين، لجبهة رفض كامب ديفيد. بينما كان دكتور مرسي سعد الدين يعمل لصالح المعاهدة. ويبدو الآن التطبيع على الجانب العربي كمرادف لصفات مثل "حسن الأدب"، و"الحداثة"، و"الدهاء"، و"الواقعية". بينما يُنظر للقلة الرافضة للتطبيع من الجانب الإسرائيلي على اعتبارهم "واقعيين" أيضًا رغم رفضهم. فهم واعون بأن دولتهم الصغيرة محاطة بالأعداء، وسيتم وصف المنسحبين من مهرجان معهد العالم العربي بـ"المتشددين"، و"متحجري التفكير"، و"الكارهين".

نيسلون مانديلا. الصورة: أرشيف الأمم المتحدة

3

أدرجت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية اسم نيلسون مانديلا في قائمتها للإرهابيين، منذ الستينات، ولم ترفع اسمه من هذه القائمة حتى عام 2008. قضي الرجل حياته الطويلة في النضال ضد نظام الفصل العنصري، وفي السجن، وكرئيس لجمهورية جنوب أفريقيا، ثم كداعية سلام، ثم منسحبا من الحياة العامة، وظل طيلة هذه العقود "إرهابيًا".

بعد خروجه من السجن وتوليه منصب رئيس الجمهورية، وحتى وفاته، كان كل السياسيين والحكام الغربيين يتسابقون على التقاط الصور معه، طموحًا في بعض الشرعية الأخلاقية والسياسية عبر الصورة الثابتة. ومن بينهم نفس السياسيين الذين أدرجوه على قوائم الإرهاب في الولايات المتحدة. ربما لم يحظ رجل أسود باعتراف السياسيين والحكام البيض، وبكم الصور المهول معهم، مثلما حظي مانديلا. ومن ضمنهم السياسيون الكارهون عنصريًا للسود، والمعادون لمانديلا سياسيًا أو أيديولوجيًا، سعي أغلب هؤلاء للحصول على هذه الصور الدعائية تخليدًا لذواتهم عبر الوقوف بجانبه.

الإسبانية خوانا رويث. الصورة: صفحتها على فيسبوك

4

أعلنت محكمة إسرائيلية قبل عدة أيام أن خوانا رويث مذنبة. بدأت الحملة ضد منظمات حقوق الانسان والتنمية الفلسطينية في الضفة الغربية بالقبض على خوانا المعروفة باسم خواني في شهر أبريل/ نيسان الماضي.

خواني سيدة إسبانية تبلغ من العمر 63 عامًا، متزوجة من فلسطيني، وتعيش بفلسطين منذ سنوات طويلة، وهي واحدة من المسؤولين عن منظمة لجان العمل الصحي بشبكتها الواسعة من العيادات الطبية في الضفة الغربية. اعتقلتها إسرائيل بتهمة التعاون مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وتمويلها عبر التمويل الأوروبي لمنظمتها. بعد شهور من إساءة المعاملة والضغط والإرهاب، والتحقيق معها باللغة العربية التي لا تتقنها؛ توصلت خواني إلى صفقة مع المحققين، لا نعرف مصيرها حتى كتابة هذه السطور.

بداية معرفتي بهذه السيدة تعود لزيارتي إلى مكتبها ببيت ساحور في صيف 2006، حين ذهبت إلى فلسطين المحتلة لتصوير أحد أفلامي التسجيلية. رأيت سيدة لا تتوقف عن الابتسام والضحك وإلقاء المداعبات. لم تتحدث معي عن نوعية الفيلم الذي جئت لتصويره. مع انتهاء فناجين القهوة، وحين وقفت لأنصرف، سألتني عن كيف سأتحرك بين المناطق الفلسطينية المختلفة والمنفصلة عن بعضها بالحواجز الإسرائيلية وبجدران شارون. أخبرتها بأنني لا أعرف بعد، فلم تعلق سوي بكلمة واحدة بالإسبانية "سنتصرف".

"تصرّفت" خواني، ووفرت منظمتها عربة إسعاف لنقلي بين القري والمدن الفلسطينية. في واحدة من هذه الانتقالات وصلت لبيت في نابلس القديمة، لأصور مع والدة سجين فلسطيني "إرهابي"، لن يخرج من السجن قبل سنين طويلة. تحدثت السيدة كثيرًا عن معاناتها في زيارة ابنها، والتفتيش والتعنت من قبل الجنود الإسرائيليين. حكت عن الزيارة الأخيرة، وكيف وجد الجندي المكلف بالتفتيش كتابًا مطبوع على غلافه صورة لإرنستو تشي جيفارا.

لم يعرف الجندي هوية هذا القائد الثوري الشيوعي الأرجنتيني، الذي شارك في قيادة الثورة الكوبية، وكان الرجل الثاني في الدولة الجديدة، قبل رحيله لاحقًا إلى غابات بوليفيا لفتح جبهة جديدة. إلا أن الذقن الطويلة لتشي جيفارا استوقفت الجندي الإسرائيلي، فظن أنه "إرهابي إسلامي محتمل"، فرفض إدخال الكتاب. احتجت الأم مُطالبة بالسماح بدخول الكتاب، صارخة في الجندي، منددة بجهله، ومؤكدة على أن الصورة لشخص من كوبا وليس من فلسطين أو عالمنا العربي. انتبه جندي آخر للعراك، فسمح بدخول الكتاب، فهو كتاب لـ"إرهابي دولي" تم التخلص منه قبل سنين طويلة.

تمثال لكارل ماركس وفريدريك إنجلز في إحدى حدائق برلين. الصورة: فليكر- برخصة المشاع الإبداعي

5

أصدرت دار نشر إسبانية طبعة احتفالية جديدة، بترجمة جديدة، لـ"البيان الشيوعي" الذي كتبه كارل ماركس وفريدريك إنجلز عام 1848. أقل من ثلاثين صفحة أثّرت في تاريخ العالم وثوراته، طيلة أكثر من قرن ونصف، مثلما لم تؤثر فيه أي صفحات أخري.

ربما يكون السطر الأول من البيان الشيوعي من أهم الأسطر التي كتبها البشر لتوضيح الحقائق التاريخية الكبرى بأكبر اختصار ممكن "تاريخ كل المجتمعات التي وجدت هو تاريخ صراع الطبقات".

اندهش بعض من قرأوا البيان للمرة الأولي في طبعته الجديدة من أنه لا يتضمن على الإطلاق تعبير "ديكتاتورية البروليتاريا/ الطبقة العاملة"، هذا التعبير الكريه أوروبيًا وأمريكيًا، والذي تم استخدامه كتلخيص مبتذل للشيوعية، على اعتبار أنها فلسفة ومنهج يسعي إلى الديكتاتورية. إحداهن عبّرت لي عن إعجابها بالبيان، وبأن أفكاره مازالت طازجة وصالحة حتى اليوم، متسائلة عن موقع التعبير الشهير. أوضحت لها بأنه من إبداعات لينين وليس ماركس، وأن هذا التعبير ورد غالبا للمرة الأولى في كتاب لينين ما العمل؟. صمتّ لثواني وأضفتّ "بل ربما في كتابه الدولة والثورة"، صمتّ لثواني أخري وأضفت كلمة "أظن". لكنني أكدت على أن جيلي لم يكن يستخدم تعبير "ديكتاتورية الطبقة العاملة"، بل كنا نفضل استخدام تعبير "الديمقراطية الشعبية". فأجابتني بحسم "ليسا نفس الشيء، وبالتأكيد تأثيرهما مختلف على من يستمع أو يقرأ".

6

هناك موعد ثابت من كل عام للضجيج المتنوع التوجهات حول مهرجان الجونة السينمائي. وفي كل عام يستهجن المدافعون عن المهرجان شعور بعض "الآخرين" بالحقد الطبقي تجاهه، وتجاه أجواءه المبهرجة، وتجاه مالكه. لكن طريقة استخدام المدافعين لتعبير "الحقد الطبقي" تحوّر معناه، تجعله يبدو وكأن المقصود به هو الحسد والغيرة بالمعني الشعبي المعروف. بينما الصراع الطبقي الذي يشير إليه اثنان من أهم فلاسفة التاريخ البشري، ماركس وإنجلز، هو نتيجة حتمية للمصالح المتعارضة، وللحقد الطبقي "المستهجن" في منتجعات الرفاهية، لكنه محرك التاريخ وصانع المستقبل.

تشي جيفارا. الصورة: الأرشيف الكوبي

7

قبل وفاته بأعوام قليلة، وفي مؤتمر صحفي، سألت الصحفية مها شهبة الممثل المصري عمر الشريف عن الفيلم الأمريكي الذي قام ببطولته عن تشي جيفارا، عام 1969. وهو الفيلم الذي تم إنتاجه بعد إعدام جيفارا بعامين في غابات بوليفيا، بهدف تصويره باعتباره إرهابي وشخص متعطش للدماء. أجاب عمر الشريف بتلقائية أنه "فيلم وحش جدا"، تم اتخاذ قرار إنتاجه من قبل وكالة المخابرات الأمريكية، التي مولته أيضا، وأنه قبل بالدور نظرا لحاجته وقتها للعمل والمال.

لم تعد الأستوديوهات الهوليوودية الكبيرة لمحاولة تشويه صورة التشي جيفارا. ربما تكون قد استسلمت لسطوة أيقونة القديس العالمي، العابر للأجيال والثقافات والبلدان، وقامت بالتركيز على فيدل كاسترو. اكتفوا بتسريب هذه الجمل التي نرددها بيأس، كلما حانت مناسبة، وليس لها أي أساس من الصحة حول هذا المزارع البوليفي الذي احتفل بمقتل التشي لأن ضجيج رصاص بندقيته كان يفزع غنمه. مرددين هذه الحكاية الأسطورية عن البطل الذي يخونه من يكافح من أجلهم، في مضغ متكرر لقطعة من لباب الخبز البائت العدمي غير قابلة للهضم.

التقطت الصورة الأشهر للتشي جيفارا يوم 5 مارس 1960، في جنازة شعبية لتشييع أكثر من مئة من عمال ميناء هافانا الذين قتلوا في عمل إرهابي، محتمل أن يكون أمريكيًا، بتفجير سفينة سلاح بالميناء، بالقرب من مكتبه كمسؤول مباشر عن ملف الصناعة والزراعة في الحكومة الثورية الجديدة. حدث التفجير الأول، هرع التشي إلى الميناء للمشاركة كطبيب في إسعاف الجرحى. لا نعرف إن كان قد وصل لمكان الانفجار، أم أنه كان في الطريق، حين حدث التفجير الثاني.

منذ وقتها وحتى الآن تحدث وكتب الكثيرون عن نظرة التشي وصمته الكامل في موكب التشييع. نظرة تعبر عن ألم وغضب وتحدي، وتعبر أيضا عن عقيدته كشيوعي، التي لخصها المغني والموسيقي والشاعر سيلفيو رودريجيث في أغنية شهيرة يصفه فيها بأنه رجل العالم الجديد "اسمه ولقبه بندقية في مواجهة بندقية".


أغنية بندقية في مواجهة بندقية


8

لم يتم اختزال الماركسية فقط في تعبير "ديكتاتورية البروليتاريا"، لكنه امتد لتصويرها كفلسفة تدعو للفوضي والعنف، وتصنع الإرهابيين المصبوغين بالأحمر. والأهم؛ تم تسفيه الأيديولوجيا، وتسويق تصور مفاده أنه ليس هناك أيديولوجيات، أو على الأقل أن الشخص الواعي بأيديولوجيته أو منظومة أفكاره ورؤيته للعالم، هو شخص عاجز عن رؤية الحقيقة.

تستهل الطبعة الجديدة من البيان الشيوعي بكلمات كتبها خوسيه ساراماجو، الروائي البرتغالي الحائز على جائزة نوبل للأدب عام 1998. يقول ساراماجو قبل وفاته بعامين "يوما ما.. إن امتلكنا القدرة على التخلص من النماذج القديمة الجامدة، ومن الجلد القديم الذي يمنعنا من النمو، سنعود للقاء ماركس. بإعادة قراءة ماركسية للماركسية، ربما تساعدنا علي فتح طرق جديدة وأكثر رحابة للتفكير. وعلي هذه القراءة أن تبدأ بالبحث عن إجابة لسؤال أساسي لماذا أفكر مثلما أفكر؟. أو بكلمات أخرى ما هي الأيديولوجيا؟. تبدو كأسئلة محدودة القيمة، لكنني لا أعرف أسئلة أكثر أهمية منها".

يجرؤ ساراماجو العجوز، الحائز على أهم جائزة أدبية في العالم، على الحديث عن الأيديولوجيا، وتمجيد ماركس، وأن يربط أيضا الأيديولوجيا بالفنون والإبداع. في الوقت الذي لا يجرؤ فيه عشرات الآلاف من الفنانين والمثقفين على فعل نفس الشيء، رغم معرفتهم به، ربما لأنه أصبح موضة قديمة. ربما نجد تفسيرًا لجرأة ساراماجو فيما قاله مرة أنه كلما تقدم في العمر أصبح أكثر حرية.

9

كان ساراماجو يعلم جيدا أنه لا وجود لما يتم تسميته "الفن للفن". كان يعلم أن كل المنتجات الثقافية والفنية انعكاس لماكينة الصراع الاجتماعي التي أشار إليه ماركس، هي تعبير عن أيديولوجيا ما، حتى وإن لم يع الفنانون هذه الحقيقة.

في يوم 2 أكتوبر من عام 2018 قتل الصحفي جمال خاشقجي, وتم تقطيع جسده، ويعتقد أن هذه القطع دفنت داخل القنصلية السعودية بتركيا. لم تصف أي وكالة أنباء أوروبية أو أمريكية شمالية كبيرة هذا الفعل بـ"الإرهاب". بل وصف بـ"العمل الإجرامي"، وتم تجهيل الفاعلين بطريقة ما بعد حداثية.

وصلت ما بعد الحداثة للصحافة الأوروبية والأمريكية الشمالية قبل هذا التاريخ، تجسدت على سبيل المثال في وصف ما يحدث في اليمن باعتباره "حربًا" وفقط. دون السؤال عن أطراف هذه الحرب، أو عما تفعله السعودية في أفقر بلد عربي، أو من أين تأتي الأسلحة.

خبر من الصفحة الفنية: سيتم افتتاح مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي في مدينة جدة السعودية يوم السادس من ديسمبر المقبل، وستزدحم السجادة الحمراء الهائلة بالمدعوين العرب والأجانب.

مهرجان سينما في بلد ليس لديه سينما. والسينما قديما كانت من أفضل الأدوات للفهم، والتسامح، والتعبير عن الأفكار، والتوحد مع المظلومين وأصحاب الحظ السيئ.

جورج حبش مؤسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. الصورة من أرشيف مجلة الهدف

10

أسس عدد من الفلسطينيين أواخر الستينيات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. كان أبرزهم الدكتور جورج حبش، الذي كان معروفا بين رفاقه بـ"الحكيم". تعرض حبش مطلع عام 1992 لأزمة صحية كبيرة، فتم نقله سرًا إلى مستشفي باريسي للعلاج، ليس بعيدًا عن معهد العالم العربي.

عرف "بعضهم" بنبأ وجود الحكيم، الإرهابي الفلسطيني في نظر البعض، وأحد رموز حركات التحرر والمقاومة اليسارية في العالم في نظر البعض الآخر، في المستشفى، فحاول قاض فرنسي بالتعاون مع أجهزة الأمن استغلال الفرصة والقبض عليه والتحقيق معه. احتشد الإسرائيليون وداعميهم أمام المستشفي لدعم القاضي، والتحفيز على اعتقاله ومحاكمته. لم يستطيعوا إنجاز المهمة بسبب زوجته هيلدا حبش، التي لازمت باب غرفته فارضة عليهم أن يقتلوها أولا قبل أن يعتقلوه، وبسبب مئات الصحفيين الداعمين من العرب والأوروبيين، وبسبب المنظمات والأحزاب الفرنسية المتضامنة مع الشعب الفلسطيني، وبسبب التوتر والترقب الذي بدأ في كل الأماكن التي يتواجد فيها اللاجئون الفلسطينيون، وبسبب العشرات من مرتدي الكوفية الفلسطينية المحتجين في الشوارع الباريسية الباردة.

11

أكتب الآن المسودة الأولي لهذه التداعيات من صالة الترانزيت لمطار الدار البيضاء بالمغرب. خلال ساعتي الانتظار، وبينما أستغل خدمة الإنترنت لتدقيق بعض المعلومات والتواريخ الواردة في هذا النص، أراقب من مكاني، وعبر جدران زجاجية متعددة، طائرة شركة العال، المنقوش عليها علم إسرائيلي كبير، التي ستحمل ركابها إلى تل أبيب، التي نعرفها نحن، خطأ أو صوابا، بـ"تل الربيع".