عباس كيارستمي- الصورة: IMDB

ما لا يتحرك لا ينمو: رحلة مع المخرج الإيراني عباس كيارستمي

قضيت عيد الفطر أشاهد ثلاثة أفلام للمخرج الإيراني عباس كيارستمي (1940 - 2016): طعم الكرز، لقطة قريبة، ونسخة طبق الأصل. لم تكن المرة الأولى التي أشاهد فيها تلك الأفلام، ولكن دوما هناك طزاجة وأفكار جديدة تتولد بتوالي مرات المشاهدة. رغم البساطة الظاهرية والبريئة لأفلامه، لكنها، كما يجمع كل من كتب عنها، تحتوي على مستويات مركبة، سواء للأفكار أو طريقة استخدامه للتقنية.

ثم أتممت الفرجة بقراءة كتاب عباس كيارستمي.. سينما مطرزة بالبراءة، الصادر عام 2011 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، وهو كتاب في غاية الإمتاع عبارة عن حوارات للمخرج ومقالات عنه، جمعها وترجمها الكاتب والصديق البحريني المتبتل في حب السينما والكتابة: أمين صالح.

من الأفكار الأساسية التي توقفت عندها في سينما كيارستمي، سواء عند مشاهدة أفلامه أو قراءة الكتاب، التي سأسير بجوارها وشارحًا لها في هذا المقال: ذلك الحس الصوفي، الذي يتحقق في "مفهوم الرحلة"، التي تسم أغلب أفلامه، سواء الرحلة المادية أو المجازية. هذه الرحلة تتم عبر السير بالقدمين كما في فيلم أين منزل الصديق، أو بواسطة السيارة، التي تحولت إلى بطل من أبطاله الهواة. على سبيل المثال في طعم الكرز تجد البطل يدور ويسيح في ضواحي مدينة طهران في رحلة بحث عن من يقبل أن يقوم بدفنه بعد انتحاره. تحولت الرحلة والمناظر الطبيعية المتحركة التي تصنع خلفية للصورة، إلى خصيصة مميزة لأسلوب عباس كيارستمي في الإخراج. وأحيانًا تكون الرحلة من دون ساقين كنوع من الخبرة الباطنية والتطور الروحي.

أيضًا من الأفكار الأساسية، طريقته في صياغة العلاقة بين النسخة والأصل، أو بالمعنى الصوفي بين المريد والقطب، وإسقاط هذه العلاقة على ثنائيات أخرى، منها ماهو متحرر من الحس الصوفي، ولكنها جميعًا نابعة من فكرة الحب والتمثل الذي يسم هذه العلاقة.

بالطبع كل هذا يحدث داخل إطار "السينما الشعرية" التي تسم أسلوبه، وتتشكل على بساطتها، عبر تعدد دلالي، يضع أفلامه على حافة الغموض والالتباس، رغم وضوح كل عناصر الصورة، والحدث، ولكن تحت هذه الصورة، هناك تفاعل آخر غير مرئي، أعتقد هو الذي يضع الصورة، والحدث، معًا، داخل هذا الإطار الشعري. يُعرف كيارستامي السينما، كما ينقل الكتاب بأنها "الصورة التي لاتكون محصورة ضمن حدود ماتراه. إن لها طبقات عديدة مختلفة، وتلك الطبقات أحيانا تغمر الصورة التي تراها، فلا تفكر إلا في هذه الطبقات".

السيارة حيز حميم للفرد

عندما سئل كيارستمي "لم العديد من أفلامك تدور غالبًا في السيارات"؟ أجاب "أنا أقضي على الأقل من ثلاث إلى أربع ساعات يوميًا في سيارتي. أنها مكان جيد للتركيز، وللاتصال بالآخر، حين تجلسان جنبًا إلى جنب، دون أن يضطر أحدكما إلى النظر في عيني الآخر. إنكما في هذه الحالة تتواصلان على نحو أفضل. للصمت في السيارة منطق مختلف. بوسعك أن تنظر إلى الخارج، لكن هذا لا يعني أن الحوار انتهى. بينما في الحجرة، يتعين عليك أن تستجيب، مع إقصاء للحظات الصمت من أجل التفكير".

مشاهد داخل السيارة من أفلام كيارستامي


ويضيف في حوار آخر، أجري معه في المسرح السيتمائي الوطني عام 2005 "يتكون لدي إحساس حميمي حين أكون في السيارة مع شخص يجلس إلى جواري. نكون في وضع مريح جدًا لأننا لا نواجه بعضنا البعض، بل نجلس جنبًا إلى جنب. أحدنا لا ينظر إلى الآخر، ولا نفعل هذا إلا إذا أردنا ذلك. في السيارة، ومع حضور الآخر، مسموح لنا أن نتلفت وننظر خارجًا دون أن نبدو فظين، أو غير مهذبين. لدينا شاشة كبيرة قبالتنا مع نوافذ جانبية. الصمت لا يبدو ثقيلًا أو صعبًا. لا أحد يخدم أحدًا. وهناك العديد من المظاهر والأوجه الأخرى".

يشرح كيارستامي، في أحد حواراته، وظيفة السيارة كحيز حميم للفرد، بجانب انفتاحها واتصالها بالطبيعة من حولها، وطريقة استخدامه للكاميرا بداخلها "أنا أستخدم السيارات كحيز حميم للفرد لأنه حيز مغلق جدًا. بخلاف هذا المكان، على سبيل المثال، بمساحته المفتوحة والذي يولد لدى شعورًا مختلفًا. أنا أفضل أن تستخدم الكاميرا بطريقة معينة، في شكل ثابت داخل السيارة لأننا عندئذ سيكون لدينا خيارات. أما الصورة في الخلفية، والسيارة تتحرك، من مناظر مختلفة، زوايا، إضاءة، تُبقي الأشياء جذابة جدًا وممتعة للنظر(...) حياتي الداخلية كثيفة في السيارة أكثر مما في البيت، حيث لا أتوقف لدقيقة ولا يكون لدي وقت للتفكير والتأمل (...) لهذا السبب أنا أعمل حقًا عندما أكون خلف مقود السيارة، إنه المكتب الوحيد الذي في حوزتي، المكان الخاص جدًا، مثل بيت صغير، حيث لا يوجد فيه أي شيء زائد أو غير ضروري، علاوة على ذلك، هناك الشاشة الهائلة التي تقدم سفرًا سينمائيا لاينتهي".

هنا السيارة أصبحت غرفة تتحرك وسط الطبيعة كجزء منها، ولم تعد فقط وسيلة حداثية لقتل الوقت بجانب كونها "شاشة هائلة تقدم سفرًا سينمائيًا لاينتهي".

في حوار مع باتريك ماكجافي لـإندي واير، يرد كيارستمي على أحد أسئلة محاوره، الذي لاحظ أن أغلب المشاهد تحدث في السيارة "في ثقافتنا الرحلة لاتعني بالضرورة الانتقال من مكان إلى أخر، قد تكون رحلة طبيبعة. أي تغير للأفكار يمكن أن يشكل رحلة ما. الشعراء يسمونها " سفر بلا ساقين ولايدين".

حتى في رحلاته الشخصية بالسيارة يخلق كيارستمي التجارب اليومية، يخلق الصدفة، فيقوم باصطحاب كل من يقف في الشارع معه في السيارة "أنا على الدوام أصطحب معي بالسيارة كل من يقف في الشارع ويطلب توصيلة، وهذا ليس فقط لمساعدتهم بل لأنني أحب أن أرى وأختبر أنواعا مختلفة من الاتصال".

يكتب عنه الناقد روجر كلارك "السيارة بالنسبة إليه، هي حبل إنقاذ، وسيلة فرار. إن عددًا من أفلامه عبارة عن رحلات طويلة بالسيارة، هو يمتلك سيارة جيب كبيرة، ويحبها كثيرًا إنها "أفضل كرسي في العالم" حسب تعبيره".

السير عبر قدمين

في فيلم أين منزل الصديق، تكون الرحلة عبر وسيلة السير القديم بالقدمين لذلك الصبي الصغير الذي يبحث عن منزل زميله في المدرسة، ليسلم له دفتر الواجبات المدرسية التي نسيه معه، ولكنه لا يصل في النهاية، ويعود أدراجه إلى منزله، ويخرج دفتر زميله ويقوم بعمل الواجب المقرر عليه بدلًا منه.

يقابل الصبي في الطريق العديد من الصعوبات والعديد من الناس، ولكنه لا يعثر في النهاية على منزل زميله، فالرحلة لا تصل لهدفها ولكنها مهمة، ربما تبحث الرحلة في طريقها عن الأشياء الذي تتفرع عنها كالنبتة، فهناك دومًا هدف يتولد من داخل الطريق نفسه، عبر تلك المصادفات.

يقول كيارستمي في أحد حواراته المنشورة في الكتاب "الرحلة تشكل جزءًا من ثقافتنا، وهي مرتبطة بالصوفية، بالنسبة لنا ما هو حقًا مهم ليس الهدف الذي نرغب في الوصول إليه وتحقيقه، لكن الطريق الذي يجب أن نسلكه للوصول هناك".

برومو فيلم أين منزل الصديق


في مقال بعنوان طعم الكرز وسينما الفضول للكتابة لورا مولفي تكتب "قصص كيارستمي تنزع إلى أخذ شخصياته في رحلات. الرحلة، الفعلية والمجازية معًا، تصبح فضاء للتحول الشخصي، ليس انتقالًا إلى وضع جديد في العالم، أو إلى إنجاز ناجح للبحث - كما في الحكايات الشعبية التقليدية- بل إلى مستوى جديد من الفهم".

فهدف الرحلة هي تراكم الخبرة للوصول للحظة الكشف، أو الفهم، كما تذكر لورا مولفي، كونها الهدف.

النيَّة

غياب الهدف ليس معناه أن هناك دومًا هدفًا محددا لأي رحلة غير الانتقال من مكان إلى آخر، ولكن ربما يمكن اختراع أهداف جزئية، بشكل ما، والمهم فيها أن تكون مع الحياة وليست ضدها، فشخصية بديع الباحث عن الانتحار في فيلم طعم الكرز، تحدد هدفه بالموت، لذا الطريق لن يتفاعل منه، ولن تخرج منه نبتة جديدة، بعكس رحلة الصبي في أين منزل الصديق الذي كان يريد إعادة دفتر الواجبات لزميله، فهو فعل مع الحياة، لذا تبرز الحياة والطريق تجاربهما وعلاماتهما للطفل لتمتلئ روحه بهما. ربما الهدف ليس كامنا في نقطة الوصول، ولكن في "النية"، وهي أحد مصادر الوعي الإسلامي.

آراء نقدية من تليجراف عن طعم الكرز


بالمقابل هذا الطريق الذي يمتليء بالمصادفات، يمكنه أيضا أن يستوعب علاقات جديدة، بلا هدف واضح، وهي أحد أساليب التفكير عند كيارستمي، ربما أتت كتفريعة من شجرة الفكرة الصوفية ذاتها، ولكن أبطالها هذه المرة عبارة عن علبة فارغة من المعدن كما في فيلم لقطة قريبة.

احتجت إلى اللا شيء هناك

في إحدى مقابلاته يقول كيارستمي "كنت باستمرار أسعى وراء مشاهد لا شيء فيها يحدث. ذلك اللا شيء أردت أن أضمنه في فيلمي هذا. في بعض المواضع، لا نرى شيئًا يحدث، كما في المشهد الذي يظهر شخصًا يركل علبة فارغة في الشارع. كنت بحاجة إلى ذلك، احتجت إلى اللا شيء هناك".

ربما هذا "اللا شيء" هو وجه آخر للهدف الذي يتكون في الطريق، أو اللاهدف، وهو أحد تفريعات الرحلة الصوفية. يكمل كيارستمي الفكرة وسيرة تلك "العلبة الفارغة" في حوار آخر "في فيلم لقطة قريبة هناك مشهد لرجل يركل علبة فارغة في الشارع لقد احتجت إلى ذلك، احتجت إلى اللا شيء.. المواضع التي فيها لا شيء يحدث، هي المواضع التي فيها شيء ما على وشك التبرعم".

إذن اللاهدف، أو التيه، سواء للعلبة الفارغة التي تتدحرج أمامنا على الشاشة، أو للسائر بلا هدى، الذي دفعته الأقدار للطريق، للاثنين هناك صدفة تنتظرهما في الطريق، لأن مواجهة الحياة بدون هدف مسبق، يفتح الطرق للبداية بدون مرجع سابق، فيتخلق الهدف في الطريق. فهذا اللا شيء، أو أي فضاء محمل بالصدفة، ينتظر وراءه قدر ما، مملوء باحتمالات عدة سببها تلك النقطة البيضاء التي بدأت منها الرحلة، فالحركة دومًا أهم من الهدف.

ما لا يتحرك لا ينمو

في فيلم طعم الكرز تكون رحلة الشخص الراغب في الانتحار مختلفة تمامًا عن رحلة الصبي في أين منزل الصديق، كونها في طعم الكرز، رحلة سكونية، دوائر حول الموت، ليس فيها مفاجآت، أو تحولات، أو نمو للوعي وللخبرة اللداخلية التي تسم الرحلة الصوفية كما يؤمن بها المخرج. بعكس الحركة وسعي الصبي لإعادة دفتر زميله، والبحث عنه، رحلة مع الحياة، وليست مع الموت.

يرد كيارستمي في حواره مع لومانتيه 26 نوفمبر/تشرين الثاني 1997، عن فكرة قيام بديع بطل الفيلم بقيادة سيارة على نحو استحواذي حول مسارات مغبرة في ضواحي طهران، حيث يعود إلى المكان نفسه في حركة دائرية، يقول "فكرة الدوران هي جزء من رمزية الفيلم. المضي في دوائر يعني حرفيًا الذهاب إلى اللا مكان، الانتقال بلا غاية، بلا مبرر، للوصول إلى أي مكان، يتعين عليك أن تنطلق من موضع إلى آخر، لذلك فإن هذه الرحلة تشير إلى فكرة السكونية. وما لايتحرك، لاينمو، لايكبر، لايتقدم، هو عليل، محكوم عليه بالموت".

ربما قوة رمزية السيارة أنها تتحرك والعالم يتحرك معها، لذا السيارة مكان للتجربة والاستشراف على المستقبل، وبالطبع لمقاومة الموت.

المريد والقطب

استخدم كيارستمي إحدى خصيصات الصوفية داخل رؤاه السينمائية. فقد نقل علاقة المريد بالقطب لمجال الفن، أو بمعنى أصح للمجال الذي يتبلور فيه النقاش حول مفهوم تلك السلطة الرمزية، ووضعها في المكان الصحيح الخالي من الاستلاب.

في لقطة قريبة نرى علاقة عامل المطبعة العاطل حسين سابزيان وحبه الشديد للسينما وللمخرج المعروف محسن مخملباف. يقوم سابزيان بأداء دور المخرج في الواقع، ويحتال بهذا على إحدى الأسر ويوهمها بأنه المخرج محسن مخملباف.

هنا يحدث تماه تام بين المريد المتمثل في سابزيان مع الأصل أو النموذج الممثل في المخرج محسن مخملباف. ومع التماهي والإخلاص فيه يحدث أن يتحول سابزيان إلى نسخة طبق الأصل من المخرج. تتحقق الندية عبر الحب.

صوفية عباس كيارستمي تحفر في هذه العلاقة وتمنح المريد صفة الأصالة، وليس مجرد صفة التابع أو البديل. يعبر كيارستمي في الفيلم عن هذا على لسان الأسرة التي تم الاحتيال عليها، عندما رأت الاثنين معا، سابزيان والمخرج محسن مخملباف، وجدت أن البديل أو النسخة، أدى دور المخرج بإتقان وإقناع أكثر من المخرج الأصلي عندما التقوا به.

هي نفسها العلاقة التي سيؤكدها مرة أخرى عباس كيارستمي في فيلمه نسخة طبق الأصل. فكل النسخ بها أصالة ما، يتم تبادلها وسريانها عبر الزمن. كل نسخة تأخذ جدارتها ومطابقتها للأصل، ربما بالحب، أو الإيمان، أو عبر فكرة أن تأخرك الزمني بألا تكون الأصل، لا يعني أبدًا غياب أصالتك. في فكر كيارستمي هناك عدالة عبر إعادة توزيع الاحترام ورد الاعتبار للنسخ، عبر كون الفن الذي خلقه في سينماه وخاصة في فيلمه نسخة طبق الأصل.

أما بالنسبة لفيلم لقطة قريبة، فتتحقق هذه العدالة، بأن لا يتم استلاب المريد/ البديل من طرف نموذجه، سواء المادي أو الخيالي عبر هذا الاقتراب الخطر، وهي رمز لكل علاقة تقوم بين قوتين إحداهما محبوبة والأخرى محبة. يطبق كيارستمي الفكرة نفسها أيضًا في علاقة المتفرج بالسينما، يقول "صانع الفيلم ينبغي أن يكون واعيًا بشأن مسؤولياته، أنا دائمًا أرغب في تذكير الجمهور أنهم يشاهدون فيلمًا. إنه أمر خطير جدًا جعل الجمهور يستغرقون عاطفيًا أكثر مما ينبغي ومما يحتاجونه من مشاركة. في ظلمة صالة السينما، الناس يكونون أكثر براءة. الظلمة تجعلهم يشعرون بأن كل شيء هو أكثر قربًا وأكثر قوة. لهذا السبب لا ينبغي حتى أن نجعلهم عاطفيين بإفراط: الناس بجاجة لأن يفكروا عندما يشاهدون فيلمًا لا أن يسلب منهم رشدهم".

البديل أصليًا

يستخدم عباس كيارستامي فكرة التغريب البريختي، كما في نهاية فيلم طعم الكرز، بعد شاشة سوداء ساكنة لمدة دقيقة ونصف، يظهر طاقم العمل في الفيلم، من مخرج ومصورين ليقول إنها لعبة حتى يقطع التماهي بين المتفرج وبين ذلك الشخص اليائس الموشك على الانتحار.

في فيلم لقطة قريبة نلمح هذا التوازن في علاقات القوة القائمة على التوحد بين حسين سابزيان والمخرج محسن مخملباف. في نهاية الفيلم الاثنان يقطعان رحلتهما معًا على دراجة بخارية، في طريقهما لبيت العائلة لتقديم الاعتذار لها من طرف سابزيان. يحدث التوحد بينهما في الطريق، المحب أو المريد يجلس في الخلف حاملًا زهورًا والمخرج يقوم بقيادة الدراجة البخارية. رمزية للتوحد الذي يتم في الطريق وعبر الحركة، وليس السكون، سواء مع الله أو مع الآخر، فهي علاقة تنمو للأمام، في المستقبل. هناك نقطة خلاص، وانسجام وتصالح بين المريد والقطب، بين البديل والنموذج، بين النسخة والأصل، تتحقق على الدراجة البخارية، فلا يوجد بديل أو مريد فارغ، أو لاتوجد نسخة لا تحمل أصالة، وهي الفكرة الي ناقشها كيارستمي في فيلم نسخة طبق الأصل.

مشهد النهاية من فيلم لقطة قريبة


توقف الكثيرون على مشهد النهاية هذا، يقول أحد محاوريه موجها سؤاله لكيارستمي "إن نهاية الفيلم هي إحدى أكثر النهايات إدهاشًا. عادة في قصص "البديل" يتولد إحساس مشئوم ومخيف، لكن هنا : البديل يعانق نموذجه، محسن مخملباف.. إنه يتشبث به على الدراجة البخارية". يرد كيارستامي "حين كنت أنفذ ذلك المشهد، امتدحت الشخص الذي اخترع تلك الدراجة البخارية، لأنها ساعدتني على أن أجعل هذا الشخص يعانق معبوده. فيما يتعلق بالبديل عمومًا، أحيانا يكون البديل أصليًا أكثر من الأصل، لأنه يصبح أكثر إخلاصًا وتفانيًا للفكرة من الأصل". فيسأله محاوره "مثل التابع أو المريد"؟ فيجيبه كيارستمي "نعم".

نسخة طبق الأصل

في هذا الفيلم يحضر كاتب إنجليزي افتتاح كتابه في إحدى القرى الإيطالية. يدور الكتاب عن الفن. يحاول الكاتب أن يثبت فيه أن الأصالة، لا وجود لها، وأن النسخة الفنية المقلدة، أحيانًا تكون أكثر أصالة من الأصلية. يقابل هذا الكاتب سيدة فرنسية تعيش في تلك القرية الإيطالية وتملك جاليري للأعمال الفنية الأصلية. بالطبع إنها تقف على الجانب الأخر من نظريته، وهي إحدى عناصر الجذب بينهما. يجمعهما في الفيلم حوار طويل، في البداية داخل سيارة السيدة لزيارة القرية، بناءً على طلبها، وبعدها أثناء تجولهما سيرًا على الأقدام.

خلال هذه الرحلة، يعيش الاثنان دورة من دورات الحياة، كأنهما زوج وزوجة، وبينهما سوء تفاهم قديم حول طريقة كل منها في التعامل مع الأخر. وكما كتب الناقد ابراهيم العريس تعليقًا على الفيلم في مجلة الفيصل، في مقال بعنوان عباس كياروستامي.. السينما التي لا تشبه إلا ذاتها "يقومان معًا برحلة تستغرق ساعات هي زمن الفيلم. "وخلال الرحلة لا يعودان يعرفان، ولا نعود نحن نعرف ما إذا كانا غريبين التقيا أم زوجين يحاسبان ماضيهما. أو بالأحرى تحاسب المرأة "زوجها" على إهماله إياها. إنه دائمًا غائب. يكاد ينظر إليها. يكاد يحسّ بوجودها. وهي تفعل كل شيء كي يحس أنوثتها لكنه لا يفعل. يكاد يراها".

برومو فيلم نسخة طبق الأصل


كأن لقاؤهما هذا نسخة من أصل سابق عليهما، متطابقين تماما مع تلك "القصة الكونية" لآدم وحواء. يقول كيارستمي في أحد حواراته "لعل هذه العلاقة التي بدأت بين آدم وحواء هي نفسها على مر العصور، ولها أن تكون بين كاتب إنجليزي وامرأة فرنسية".

في رحلة الكاتب والمرأة، سواء بالسيارة أو على الأقدام، يسيران جنبًا إلى جنب، هناك إمكاتية للتفاهم أكثر، أما في لحظة جلوسهما أمام بعضهما البعض، فتحدث مواجهة قوية، وصدام. الرحلة الرمزية التي يختصران فيها هذان الوجهان الرمزيان رحلة أخرى شارخة في الزمن، يمثلان فيها دور"النسخة متجددة الأصل". بعلاقتهما يعيدان قصة أصل ما، سابق عليهما.

عن السينما الشعرية

شعرية كيارستمي ربما هي نقطة التقاء سينماه مع الصوفية. الغموض في أفلامه يأتي من تعدد الدلالات، وهو مايجمع الصوفية مع الشعر، فالصوفبة ليست شعرية ولكنها تتكون من حدوس باطنية حول تفاعل وخضوع مع و للأخر، تتجسد الحدوس عبر رموز غير محددة الدلالة، تصل أحيانا لدرجة الشعر وغموضه لتعبر عن هذه العلاقة.

ربما أفلامه ليست غامضة بمعنى كثافة الأحداث أو البتر المتعمد في التسلسل، أو حجب متعمد لأحد العناصر، ولكن هناك تعدد للدلالات لكل حدث، وللنهايات أيضًا، لأن الحقيقة الشعرية بطبيعتها ليست لها مصدر واحد، فهي ليست أحادية، وإنما تنمو في وسائط مختلطة للمعرفة والحدس معًا. فأفلامه تتحرك دومًا في وسط دلالي واسع ومتعدد، فالرموز الشعرية بالرغم من غموضها ولكن لها مكان استقبال واسع يتعدى أحيانًا الصورة المرئية للصورة غير المرئية، التي يولدها التعدد الدلالالي.

يشرح كيارستمي مايقصده بـ"السينما الشعرية" قائلًا "إنني لا أعني أن لها علاقة بالقصيدة. عندما أتحدث عن "السينما الشعرية"، فإنني لا أتحدث عن إرسال رسالة إنسانية، إنما أتحدث عن السينما في كونها كالشعر، تمتلك خاصيات الشعر المركبة، ولديها أيضًا الإمكانية الواسعة للشعر، لديها قدرات الموشور. هذا النوع من السينما، الشبيهة بالموشور، لها القدرة طويلة الأناة، وفي أي حالة معينة، في أي فترة زمنية محددة، بإمكانك أن تتصل بها بطريقة مختلفة والناس بإمكانهم اكتشاف ذواتهم فيها. أظن أن على السينما أن تحتذي حذو الفنون الأخرى، أن تقوم بالعملية ذاتها من التطور، وتتخذ الاستشراف ذاته الذي اتخذته تلك الفنون".