وقائع متكررة لاتهام "الفراولة" .. الزراعة تنفي علاقتها بفيروسات الكبد.. ومطالبة بتشديد الرقابة

بدأت إدارة الشؤون الصحية بولاية فيرجينيا الأمريكية التحقيق في ظهور حالات إصابة بفيروس الالتهاب الكبدي الوبائي "أ" لدى عشرة أشخاص، تبين أن جميعهم تناولوا عصير فراولة من سلسلة محلات ومطاعم "تروبيكال سموذيز"، التي أعلنت سحب كل الفراولة المجمدة التي ذكرت أنها استوردتها من مصر، واستبدلتها بأخرى.

وحسب البيان الذي نشرته الإدارة على موقعها الرسمي، أن هناك احتمالاً كبيرًا في أن تكون تلك الفراولة المجمدة المستوردة من مصر، هي المسبب الأساسي لانتشر الفيروس ذو الصفة الوبائية بين سكان الولاية. بعدما تبيّن أن الحالات المصابة تناولت العصير في الأيام من 5 إلى 8 اغسطس/ آب الجاري. وأنهم يخضعون الآن للعلاج. وناشدت الإدارة المواطنين الذين تناولوا عصير الفراولة من السلسلة نفسها خلال الخمسين يومًا الماضية، بإجراء فحص طبي.

وأشارت وزارة الصحة في فيرجينيا إلى مواصلتها التحقيقات في الحالات، بالتعاون مع قسم الزراعة والخدمات الاستهلاكية، وإدارة الغذاء والدواء الأمريكية، ومراكز السيطرة على الأمراض، لتحديد مواقع إضافية يحتمل أن تكون الفراولة المصرية انتشرت فيها.

الحكومة تحذر من "الشائعات"

على الرغم من تشكيل وزارة الزراعة، لجنة للوقوف على حقيقة الاتهامات الموجه للشحنة المصرية، إلا أنها تعاملت أيضًا مع البيان الأمريكي الرسمي باعتبار أن ما ورد فيه "شائعة"، وحذرت من تداعيات الترويج لها على اقتصاد البلاد.

ووصف المستشار لاإعلامي لوزير الزراعة، عيد حواش، البيان الرسمي الذي يشكك في تسبب الفراولة المصرية في حالات إصابة بالفيروس الكبدي، بأنه "شائعات" تهدف إلى ضرب الاقتصاد المصري. مناشدًا وسائل الإعلام بـ"عدم الترويج لمثل هذه الأقاويل، غير الصحيحة بالمرّة".

وقال حواش لـ"المنصة" إن الوزارة لم تتلق إخطارًا رسميًا بشكوى، "كما هو مُفترض من التعامل بين الحكومات". واستند مستشار الوزير في نفي الاتهامات إلى أن "جميع الصادرات الزراعية المصرية تخضع للتحليل في المعمل المركزي التابع للوزارة"، والذي أكد أنه مُعترف به دوليًا.

أكثر من مُتهم

أكدت الدكتورة منال حمدي السيد، مستشار منظمة الصحة العالمية للفيروسات الكبدية، لـ"المنصة"، استحالة أن يكون النبات نفسه عائلاً ووسيطًا للأمراض الكبدية، إذ لم تُسَجل حالات في السابق بهذه الطريقة، وأن النبات لا ينقل الفيروس الكبدي "أ"، والذي تنتقل عدواه من خلال التلوث.

وأوضحت لـ"المنصة": أن أغلب الأطعمة التي تنقل هذا الفصيل من الفيروسات الكبدية هي الأطعمة الباردة والمُجمدّة، خاصة في فصل الصيف. وأن هذا هو سبب التحذير الطبي المستمر من خطورة تناول الثلج والمثلجات مجهولة المصدر، خاصة وأن الفيروس قادر على الحياة فيها لمدة سنتين. وقالت السلطات الصحية الامريكية إن الفراولة المصرية التي يرجح تسببها في نقل الفيروس كانت مجمدة.

ونبهت "السيد" إلى أن فُرص انتشار المرض- البعيدة تمامًا عن النبات نفسه- تظل قائمة في مختلف مراحل المنتج من الحقل إلى يد المستهلك، فقد يتلوث في التعبئة، أو من خلال الأيدي والأسطح الملوثة بالفيروس، أو عدم غسل الطعام جيدًا. ما يعني أن إثبات صحة تسبب الفراولة نفسها كمادة مجمدة في نقل الفيروس، يستلزم إيجاد خلايا الفيروس الحاملة لنفس التركيب الجيني الموجود في دماء المصابين، داخل عبوات الفراولة المجمدة التي يعتقد أنها تسببت في نشر الفيروس، قبل تعرضها لـ"الخلاط" والكؤوس وأيدي العاملين والأسطح في المطعم، التي قد يكون أحدها هو سبب العدوى.

وبيّنت الطبيبة المختصة بأمراض الكبد أن درجات الحرارة العالية التي تتجاوز 90 درجة لمدرة أربع دقائق كفيلة بقتل الفيروس.

رقابة لم تمنع المشكلات

أوضح هاني إبراهيم، مدير إحدى شركات تصدير الخضروات والفاكهة الطازجة، أن السائد في تصدير الفراولة للسوق الأمريكية هو أن تكون مُجمدة من مصدرها هنا، لندرة شحن المحاصيل الطازجة عامة إلى هناك بسبب صعوبات المسافة والتكلفة.

وقال إبراهيم لـ"المنصة" إن بعض مُصدري الفراولة يلجأون لجمعها من السوق آخر الموسم، للحصول عليها بسعر متدني بسبب حرارة الجو، التي تتسبب في انتشار الآفات في المحصول؛ ما يدفع بعض المُزارعين لاستخدام المبيدات، التي قد تظهر بقاياها في المحصول حتى بعد تجميده.

أما عن أسباب ظهور مشكلات في شحنات بعض المنتجات بعد وصولها السوق الأجنبية، فأرجع سببه إلى أن التحاليل تكشف نسبة مُتبقيات المُبيدات في الشحنة، ولا تكشف عن مسببات الأمراض.

وكشف هاني إبراهيم عن ان ظهور مسببات امراض أو بقايا مبيدات في شحنات الخضروات والفاكهة المجمدة الصادرة من مصر لا تحول دون تصديرها، لأن تقارير الفحص تصدر عن جهة إسترشادية غير مُلزمة. فضلاً عن عدم وجود جهة فحص في المطارات أو الموانئ. ما دفعه لوصف عملية الرقابة على الخضر والفاكهة في مصر بأنها- إلى الآن- "ليست إجبارية وغير مُلزمة".

الفراولة المذنبة

لست هذه المرة الأولى التي تتهم فيها السلطات الصحية الأجنبية الفراولة المصرية بالتسبب في انتشار فيروس الكبد الوبائي "أ". فحسب ورقة علمية منشورة بدورية لانسيت الطبية، قال الباحثون إن فيروس الكبد الوبائي "أ" انتشر بين 176 أمريكيًا كان 71% منهم مصابين بخلايا فيروس تحمل ذات التركيب الجيني. وتجددتالإصابة مرة أخرى في العام نفسه بين مواطنين في منطقة اسكندنافيا (فنلندا والدنمارك والنيرويج)، وتبين في المرتين أن المصابين جميعًا تناولوا ثمار فاكهة فراولة مستوردة من مصر.

وللـ"إيكولاي" نصيب

وقبل الشك في تسبب الفراولة المصرية في إصابات الفيروس الكبدي، بخمسة أعوام؛ قرر الاتحاد الأوروبي حظر استيراد بعض البذور والفاصولياء من مصر، بسبب شكوك في أن واردات من بذور الحلبة المصرية، كانت وراء تفشي بكتيريا "إيكولاي" المميتة في أوروبا.

وقررت مفوضية الصحة في الاتحاد الأوروبي، في يوليو/ تموز 2011، سحب بعض البذور المصرية من سوق الاتحاد، وحظر استيراد بعض البذور والفاصولياء من مصر، حتى نهاية أكتوبر/ تشرين الأول من العام نفسه.

وأعلنت المفوضية، في ذلك الوقت، أن كل بذور الحلبة التي استوردتها أوروبا منذ عام 2009، من الشركة المصرية التي ورد أنها مصدر الكمية الملوثة بالبكتيريا، ينبغي أن تُسحَب وتُختَبر وتُعدَم. إذ ربط تقرير لمحققي الاتحاد في ذلك الوقت، بين البذور المستوردة من مصر، وبين حالتي تفشي للبكتيريا التي أصابت ما يزيد على 4100 شخصًا، أودت بحياة 49 منهم.

حظر استيراد المنتجات الغذائية المصرية، لم يتعلق بالأمراض فقط، إذ أن عدم المطابقة لمواصفات الجودة القياسية، واكتشاف عطب في بعض الخضروات المُصّدرة والفواكهة، كان سببًا للحظر في حالات أخرى.

وحظرت روسيا- لمرّتين-، خلال عام 2011، استيراد البطاطس من مصر، بعد تحذيرات من جهات صحية حكومية روسية بشأن سوء حالة الشحنات الواردة إليها، كما كررت الأمر بحق شحنات برتقال.

مسؤولية مشتركة

على الرغم من ظهور مشكلات في المحاصيل المُصَدَّرة كما سُجل في الحالات السابقة؛ إلا أن وزارة الزراعة تؤكد استحالة التصدير دون اجتياز الفحص المعملي.

ويقول عيد حواش إن التحاليل ملزمة للمُصَدِّرِين، ومع وجود حجر زراعي وهيئة للرقابة على الصادرات والواردات، لا تخرج الشحنات دون فحص يجرى على عينة من المنتج سواء طازج أو مجمد "لضمان الجودة وخلوه من الأمراض المعدية"، وما يرفضه المعمل لا يمكن تصديره، وتُبلغ به الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات.

لكن ذلك لم يحل دون وجود مشكلات في الشحنات، وهو ما يفسره مُصَدِّر الخضروات والفواكه "هاني إبراهيم" وهو محصول البطاطس، الذي قال إنه يخضع للفحص لضمان خلوه من العفن البني، تلبية لمطالب السوق الأوروبية، التي تلزم بشهادات وجود ممارسات زراعية جيدة بخصوص الأرض ومحطات التعبئة.

ويستدرك: "لكن العمل من محطات معتمدة، ليس ضمانا لجودة المنتج وخلوه من المبيدات"، وحمّل المُصَدِّر مسؤولية تلك المخالفات على المُصدّر والفلاح "الذي لا يوجد رقيب عليه سوى نفسه"، للتأكد من الاستخدام الواعي للمبيدات وفي الفترة التي تحددها الإدارات الزراعية وتسمى بالفترة الآمنة، "وليس قبل الحصاد مباشرة".

وطالب "إبراهيم" الحكومة بتطبيق ما تفعله وزارة الزراعة في تشكيلها للجان فحص محاصيل الخوخ والزيتون المصدرة للاتحاد الأوروبي، وهي بعد في الحقول. وأن يُطَبَّق هذا الإجراء على كافة المحاصيل؛ ما اعتبره أنه حلاً لإلزام المزارعين والمصدرين بتحليل العينات حتى من قبل التعبئة، على أن يلتزم المزارعين والمصدرين بمنظومة العمل الحديثة، من خلال عقود تكفل سلامة المحصول من المبيدات، وتوقيع غرامات على المخالفين.