جرينلاند.. الكرة تتحدى الطبيعة وتسبق السياسة

طقس شديد البرودة، جبال ومرتفعات وطرق غير ممهدة لم تمنع سكان جرينلاند، أكبر جُزُرِ العالم، من ممارسة كرة القدم ومحاولة الانضمام للاتحاد الأوروبي للعبة (يويفا).

وتقع جرينلاند على مقربة من السواحل الكندية؛ ورغم قربها من أمريكا الشمالية إلا أنها ظلت تحت سيادة الدنمارك حتى عهد قريب.

وتسعى جرينلاند للاستقلال بشكل تام عن الدنمارك، وأجرت استفتاءً قبل 8 سنوات للانفصال ولتحظى بحكم ذاتي وصوّت نحو 75% من المشاركين بالموافقة.

صحيفة "FourFourTwo" الرياضية الشهيرة، أفردت مساحة واسعة في عددها الأخير للحديث عن كرة القدم في جرينلاند، التي يستغرق موسمها الكروي أسبوعًا واحدًا فقط كل عام.

الطقس والتضاريس

هذا هو السبب الرئيسي لاختصار الموسم الكروي في جرينلاند لأسبوع واحد؛ فالطقس شديد البرودة طوال العام والثلوج تكسو كل شيء، حيث لا يصبح المُناخ مناسبًا لخوض مُنافسات كرة القدم.

في الصيف، وتحديدًا من مايو/أيار إلى سبتمبر/أيلول، يذوب الجليد ويصبح الجو ملائمًا قليلًا لخوض المباريات، مع استمرار الرياح والأمطار، أسبوع واحد يكون كافيًا لتحديد بطل جرينلاند.

وبخلاف الناديين المُمثلين للعاصمة "نوك"، تخوض باقي الفرق المشاركة رحلات بطولية للقدوم من أرجاء جرينلاند وصولًا للعاصمة للمشاركة في البطولة الكروية السنوية، ويلجأ كثير منهم لاستخدام القوارب من أجل التنقل بسبب صعوبة السفر عبر الجبال وعدم توافر شبكة طرق تربط بين جميع المناطق.

وتقام منافسات الموسم على ملعب واحد في العاصمة "نوك، وكانت أرضية الملعب، حتى الموسم الماضي مُغطاة بالرمل والزلط، ما كان يسبب مصاعب للاعبين طوال المباريات، وكانت المعاناة تتضاعف بالنسبة لحراس المرمى، الذين كانوا مطالبين بالارتماء على أرض الملعب والتصدي لهجمات المنافسين.

في العام الحالي تم اللجوء للنجيل الصناعي، ويتوقع أن يساعد هذا الأمر اللاعبين على إظهار مهاراتهم بشكل أفضل.

وتُحيط بالملعب الجبال من كل جانب، ويعتليها المشاهدون لمتابعة المباريات، ويوجد عدد محدود من المقاعد الصغيرة تجاور الملعب. وعرفت روابط التشجيع طريقها إلى جرينلاند، حيث يرتدي المشجعون قمصان الفرق التي يدعمونها، ويضعون الأعلام على الجبال.

صورة من ملعب في جرينلاند. المصدر: جارديان

وتضم منافسات الدوري في جرينلاند 8 فرق، وتقام البطولة بنظام المجموعتين؛ حيث تضم كل مجموعة 4 فرق، ويصعد الأول والثاني من كل مجموعة إلى نصف النهائي، ثم يتواجه الفائزان في المباراة النهائية الحاسمة.

ويمثل العاصمة "نوك" ناديان هما "IT-79" و" B-67" بينما تأتي باقي الأندية من مناطق مختلفة بالجزيرة في رحلات شاقة.

نادي B-67 هو حامل اللقب خلال الـ4 سنوات الماضية، ولكنه الأقل شعبية داخل العاصمة، حيثُ تعتبره الجماهير "نادي الأثرياء" مدللين على ذلك بأن راعي النادي شركة خمور شهيرة ترعى أندية أوروبية كبرى.

وقد تتساءل لماذا تتم تسمية الأندية هُناك بحروف بجانب الأرقام، والإجابة أن هذه الحروف تدل على أسماء مناطق بجرينلاند يصعب نطقها، فيتم اختصارها إلى حرف أو حرفين، أما الرقم فهو عام تأسيس كل نادٍ.

معاناة المنتخب

الجهاز الفني لمنتخب جرينلاند يتكون من فردين فقط، ريني أولسن مديرًا فنيًا، وتيكل جيبريلول مساعدًا له.

ويشغل تيكل أيضًا منصب المدير الفني لفريق B-67، وهو من أصول إريتيرية، رحل عن بلاده إلى الدنمارك ثم انتقل إلى جرينلاند في 2009.

يقول "أولسن" إن الوضع التنظيمي للعبة كرة القدم في البلاد صعب للغاية "اللاعبون يقدمون تضحيات كبيرة والأمر غير مُربح لهم".

ويعمل كثير من اللاعبين في وظائف أخرى غير كرة القدم؛ لكنهم ينضمون لفرقهم قبل انطلاق المسابقة ليتم تأهيلهم للمباريات على أن يعودوا لمزاولة مهنهم عقب انتهاء البطولة.

ويرفض بعض اللاعبين، وفقًا لأولسن، تلبية دعوة اللعب لمنتخب جرينلاند حتى لا يفقدوا وظائفهم الأُخرى.

يضيف أولسن أن هناك من يُفضل لعب كرة اليد؛ حيث لا توجد عوائق لممارستها بشكل منتظم داخل الصالات المُغلقة.

ويقول أيضًا إن بعض المواهب المُميزة لا تجد أن اللعب في جرينلاند مُناسبًا لها، فترحل إلى الدنمارك، وتلعب، غالبًا، في دوريات الدرجات الأدنى.

ويُعد جاسبر جرونكر، الجناح الدنماركي السابق لنادي تشيلسي الإنجليزي المولود في "نوك" أشهر لاعبي جرينلاند.

ويشير المدرب إلى أزمة رئيسية تواجهه "اللاعبون لا يلتزمون بنظام غذائي أو رياضي، خاصة هؤلاء الذين يلعبون في فرق بعيدة عن العاصمة، منهم من يعتاد التدخين أثناء العمل".

وتعد جرينلاند، واحدة من دول قليلة، تُمارس كرة القدم ولا تقع تحت عباءة الفيفا، بسبب وضعها السياسي الذي لا يزال مُعلقًا بخصوص استقلالها أو تبعيتها للدنمارك.

واتخذت جرينلاند خطوات للمشاركة في المُنافسات؛ حيث أرسلت فرقها لبعض الدورات المجمعة الصغيرة، كما انضمت لاتحاد conIFA، وهو اتحاد موازي للفيفا يضم بعض الدول الصغيرة التي لم تحصل على عضوية الفيفا بعد، ويهدف لإيجاد مُنافسات قوية للمنتخبات لحين الحصول على بطاقة الانضمام للاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا).

جزر الفارو، التي تلعب حاليًا ضمن قارة أوروبا، مرت بنفس الظروف السياسية لجرينلاند سنوات طويلة، وكانت عضوًا ضمن conIFA لفترة غير قصيرة، حتى نجحت في الحصول على استقلالها الكروي، وتأمل جرينلاند في تكرار التجربة.

وواجهت جرينلاند معارضة إسبانية ضد انضمامها للإتحاد الأوروبي لكرة القدم في معركة موحدة ضدها وضد "جبل طارق". ولكن خسرت أسبانيا المعركة بانضمام "جبل طارق" للإتحاد وخوضه المنافسات، لذا فالطريق أصبح مُمهدًا أمام جرينلاند خلال السنوات القليلة القادمة للحصول على أصوات الموافقة على الانضمام.

ويعد نجاح جرينلاند في إقامة منافسات الموسم الماضي على ملعب "نجيل صناعي" دفعة قوية للحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي، وقال "جون ثورينسن" رئيس اتحاد كرة القدم إنه يتمنى أن "يحافظ الغطاء الثلجي على النجيل الصناعي".

وتسعى جرينلاند حاليًا لبناء ملعب مغطى يصلح للاستعمال لمدة 3 أشهر طوال العام، ولكن "التكلفة المرتفعة قد تعرقل المشروع".

كرة الصالات.. الحل المثالي

"كرة القدم داخل الصالات هي الحل الذي سيضع اسم جرينلاند على خريطة كرة القدم".. هكذا يعتقد ريني أولسن" المدير الفني لمنتخب جرينلاند.

الطقس ومشاكل أُخرى قد تكون عائقًا كبيرًا أمام فرق جرينلاند من أجل منافسة الدول الأُخرى؛ ولكنّ الفرصة مُتاحة عند ممارسة كرة القدم داخل الصالات، وقد أثبتت منتخبات الرجال والسيدات قدرة كبيرة على ذلك.

منتخب الرجال لكرة الصالات أحرج الفريق الدنماركي على ملعبه، وكذلك تمكن من الفوز على جزر الفارو، وهي نتائج إيجابية للغاية حفزت إرسال دعوات لمواجهة فرق الصالات في "جرينلاند" من أماكن مُختلفة.

ويقول أولسن إن الهدف الحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، والمشاركة في التصفيات "سيأتي بالتدريج، خطوة تلو الأخرى".