سوريا والورّاق

المدرعات التي تحمل الاسم العبثي "قوات حماية المواطنين"- تذكرنا بالاسم الأكثر عبثية "الجيش العربي السوري".

تناثرت على شبكات الإنترنت صور الحرب: طفلة باكية بجوار منزل مهدم، مدنيون غاضبون، أوتوبيسات محطمة، نسوة يعُلن، أهالي يحملون الجرحي، المدرعات التي تحمل الاسم العبثي "قوات حماية المواطنين"- تذكرنا بالاسم الأكثر عبثية "الجيش العربي السوري" - حرائق بالمبان، فيديوهات معنونة بـ "بدء الاشتباكات".

تنتشر الأقاويل وفرق الجيش الخاصة، ويعم الحصار، وصار المرء يتساءل إن كان الجيش المصري سوف يرسل طائرات الرافال لتدك مواقع "الدواعش" في الجزيرة، أو سوف يبعث حاملة الطائرات الميسترال ليعزز حصارها. تبدأ الألحان الفاشية في التلفزيون والراديو عن "الجماعة الإرهابية" و"المسجلين" و"الخطرين"، بالضبط مثلما صدحت الألحان عن "حكم القانون" و"إزالة التعديات". حصار حقيقي لا يستطيع فيه الشباب العبور إلى "مصر" دون أن يُلقى القبض عليهم، لينضموا لمن خُطِفوا بالفعل. حصار تُقطَع فيه الكهرباء وتٌمنع أنابيب الغاز من الوصول للسكان الذين يُقَدَّر عددهم بحوالي المائة ألف.

اقرأ أيضًا: الوراق بين تويتر وجوجل.. هل نحن مهتمون حقًا؟

إنه فجر المدنية الجديد. إنه فجر التقدم، والتطور، والعمران الحديث: كم من المدن بُنيَت فوق دماء؟ كم من الجثث الحجرية سقطت لتنتصب أبراج الحديد والزجاج؟ مسيرة المستقبل السعيد عبر جغرافيا بديلة، لأناس جدد، لامعين ونظيفين، يقرأون في الصحف مانشيت "تكريم بنت البواب". البقاء للأصلح يا صديق، أو، لمزيد من الدقة، البقاء للأقوى.

بعض الناس خُدعوا بما فهموه عن تمدد الثروة للأطراف، تصوروا أن هجرة القطط السمان للكومباوند تعني تركهم للفقراء والمعدمين في حالهم. غضبوا من فكرة المجمع المغلق بالأسوار والحرس وترك بقية "الكلاب" ليواجهوا الطوفان (أسموها خطأ بـ"الجيتو"، بينما الجيتو هو المعزول الفقير، لا المنفصل المتخم بالثروة). كُتبَت الروايات وصُورَت الأفلام، ضاعوا في غضب مضلل، بشكل أو بآخر، ولهم الحق فيما يرونه من أمثلة تنتشر في العالم وبينها مصر، ولكنهم رأوا فقط نصف الحقيقة.

نعم، في لحظة تنتقل الثروة للأطراف، لكنها، ودومًا، تتحين الفرصة للهجوم على المركز. والسكان؟ المعدمين الذين يقطنون أغلى الأراضي؟ هم من يتم إلقاؤهم—إن كان حظهم حسنًا—إلى جيتوهات في الضواحي، بدورهم.

اقرأ أيضًا: من القرصاية إلى الورّاق.. "درس خصوصي" في معركة البقاء

كنت في برلين، وذهبت مع ثلاث صديقات عزيزات لمشاهدة فيلم وثائقي عن العقارات في برلين والهجوم عليها من المستثمرين الأجانب. رأيت ما يمكن أن يفعله المُلّاك لإخلاء السكان من أجل كومباوند جديد سعيد يطل على نهر الشبريه، في مدينة تعج بالجزر. رأيت أيضًا مقاومة السكان، مقاومة الفنانين الذين استعمروا بيوتًا مهجورة قديمة صارت الآن تُقَدَّر بملايين ومليارات اليوروهات. ضحكت حينما سمعت عن اقتحام الشرطة لإحداها، ليفاجأوا بآلاف البالونات الملونة، ومئات من الفنانين يرتدون أنوف المهرجين، متقافزين حولهم كالمجانين. كانت صديقتنا الرابعة، البرازيلية، صاحبة الأتيليه الذي قرأت فيه من روايتي الأخيرة، تشتكي من تحرش السكان الطفيف بمكانها الجديد. ورغم كل هذا، ورغم نزع اللافتة مرتين وإلقاء الطلاء الأحمر على الواجهة ليلًا، كانت تقول: "أتفهم ذلك جدًا. بالضبط مثلما تفهمت هؤلاء السكان الذين يجلسون على السلالم في كرويتزبرج، ليروعوا السيد الأنيق من ميونخ، الذي يتفحص شقة جارهم تمهيدًا لشرائها من المالك. لم يقولوا له شيئًا، فقط جلسوا بصمت منذر، وفهم الرجل الرسالة".

في الوراق يرسلون قوات الجيش والشرطة، بمعداتهما التي ابتيعت من المال العام، ليقتلوا مواطنًا (ربما اثنين، ربما تسعة) ويجرحوا 25 (ربما أكثر)، ولكن في برلين يمكن للمالك أن يبني سورًا من الطوب على نافذتك، لأن واجهة المبنى تخصه.

ومع ذلك، ففي برلين تتدخل الشرطة لتنفيذ مخطط مالك، متفق مع قطط سمان، مثل عمدة مدينته، ولكنها لا تتدخل في جزيرة كاملة، لتقول فجأة "هذه أملاك الدولة". أي أملاك دولة؟ هنالك مطار قديم يدعى تمبلهوف، تحولت أراضيه الشاسعة—في مكان متميز من المدينة—لحديقة بديعة، مساحة واسعة من اللون الأخضر. قررت البلدية أن تبني عليه مجمعًا للمساكن، في ظل أزمة إسكان تتصاعد ببطء، ولكن القرار خضع لاستفتاء، وتم تأجيل المشروع لسنوات قادمة، والمفترض أن يكون البناء على نصف المساحة الخضراء فحسب، إن حدث.

قاموا باستفتاء، لأن هذه هي "أرض الناس"، ولم يقل أحدهم إنها "أرض الدولة".

تسمع أحيانًا ما يقال عن "نزع للملكية من أجل صالح عام". رأينا هذا في السد العالي، رأينا هذا في مشروعات مثل المحور أو الطريق الدائري، قد نعترض على ذلك، قد نتساءل عن حق تعويض الناس، ولكن تبقى في النهاية مسألة "الصالح العام". أي صالح عام وراء قطط دبي السمان؟

أخبرتني صديقة إيطالية منذ سنوات عن دراستها للمجتمعات العمرانية، وحدث أن ذهبنا معًا لحفل إحدى صديقاتها وانخرطنا في مناقشة حتمية حول تطوير العشوائيات، ربما كانت منطقة الزبالين هي محور نقاشنا، لا أتذكر، ولكنني كنت أسأل عن الحلول الممكنة لتطوير مثل هذه المناطق. كنت لا أمانع فكرة إعادة تخطيط المكان، ولكن من أجل سكانه، لا من أجل قطط سمان يزرعون حدائق الأسمنت ليجنوا منها النقود. كان ما يشغلني هو كيفية إعادة تسكين الجميع بعدما تغيرت المساحات الحاوية لهم: الأمر المنطقي بعد إعادة التخطيط.

خضنا نقاشًا طويلًا، انتهى إلى مفهوم جديد نوعًا: أخبرتني أن هناك رأيًا يذهب لترك المنطقة كما هي، بشكل أو بآخر، اعترافًا بأن السكان قد وجدوا بالفعل معادلاتهم النافعة التي يعيشون بها حياتهم. كل ما يمكن فعله هو تطوير الهيكل القائم بالفعل، لا هدمه ولا إعادة تخطيطه. يمكنك مثلًا تطوير البنية التحية، محاولة اختراع تنسيق بديل يتلاءم مع العشوائية التي تسود المكان. تساءلت: "تحويل الموضوع إلى عشوائية خلاقة؟"، قالت لي مبتسمة: "شيء مثل هذا".

ولكن ما الذي يهم المستثمر في حياة أفضل للبشر؟ نعم هو يبيع هذا كشعار إعلاني، ولكنه يبيعه للزبائن، وتبيعه السلطة السياسية، من سماسرة الأرض ومرتزقة الكحك، لفقراء آخرين، تصادف كونهم غير معدمين وغير مهددين، ليقولوا لهم بفخر: "انظروا، دبي على النيل".

وهكذا تنبري مجموعة من أحقر الناس فينا، لتقول بغضب: "اطردوا الحثالة.. دعوا البلد لتتزين، وتتجمل، وتنظف". هؤلاء من يحلمون بجُحر زجاجي في برج من أبراج الوراق الجديدة؛ دبي على النيل.

من أجل "دبي على النيل" تشن الدولة الحرب على أضعف حلقة من حلقات مواطنيها. من أجل ذلك تسيل الدماء وتُفقَأ العيون وتُزهَق الأرواح. من أجل ذلك يبرر بعض الناس قتل بعضهم.

دبي على النيل. يا له من حلم وضيع.