تصميم أحمد بلال، المنصة
انتفاضة المحلة في 6 أبريل 2008

يناير وGen z| بين جيل 46 وجيل يناير وGen Z

منشور الثلاثاء 17 شباط/فبراير 2026

 قبل 80 عامًا، في فبراير/شباط 1946، اندلعت واحدةٌ من أكبر الانتفاضات في تاريخ مصر وشكلت لحظة مفصلية في تاريخ مواجهة الاستعمار الإنجليزي والملكية. 

رغم أن قوام انتفاضة 1946 الأساسي من الطلاب والشباب، فإننا نراها الآن، كما رآها قادتها من قبل، استكمالًا لنضال تاريخي بدأت ملامحه بالتشكل في الثورة العرابية وشهدت ذروتها في ثورة 1919، واستمر مستفيدًا من خبرات الماضي متسلحًا بوعي طبقي وسياسي جديد يرى المشهد بطريقة أكثر جذرية وينادي بمطالب لا تنازلات فيها. 

لم ير جيل الأربعينيات أنفسهم بمعزل عمن سبقوهم ولم يضعوا حاجزًا عمريًا يفصلهم عن الأجيال السابقة عليهم، ورأوا الصراع بنظرة علمية ينقسم فيها المجتمع والتاريخ إلى طبقات لا أجيالًا. 

كان تحالف "الأجيال" هذا بمفهوم نشطاء اليوم نقطة القوة الكبرى في الانتفاضة التي لم تقتصر على الجيل الجديد الممثل بالطلاب بل اتحدوا مع الجيل الأكبر الممثل في العمال وكونوا اللجنة الوطنية للعمال والطلبة، وهو ما أدرك إسماعيل صدقي خطره الشديد على السلطة وعبر عنه في محاولات تفاوضه مع أحد القادة الطلابيين، حسب كتاب انتفاضة 1946 في مصر لهشام عبد الرؤوف، "نحن مستعدون على أن نوافق لكم على الإضراب الذي ستنظمونه وكل شيء لكن العمال يخرجوا، لا شيء اسمه العمال والطلبة، لجنة تنفيذية موافقين، مظاهرات وإضرابات موافقين، لكن عمال وطلبة سنضربكم".

لم تنجحْ محاولات صدقي في حصر الانتفاضة في النطاق العمري الضيق للطلاب، وشهد يوم 21 فبراير/شباط إضرابًا عامًا ومظاهراتٍ خرج فيها العمال والطلاب معا معبرين عن تحالف طبقة واحدة مختلفة الأعمار واعية بذاتها ومصالحها في مواجهة سلطة من طبقة أخرى. 

ورغم فشله استمر صدقي في محاولات ضرب التحالف الوطني والطبقي، ووصف العمال بالدهماء واتهمهم بالمسؤولية عن أعمال الشغب بعد أن "اندسوا وسط الطلاب المثقفين المتحضرين"، وهو ما جعله موضع استهجان، وكتبت جريدة الوفد المصرية "ليس الوطن ملكًا لصدقي، بل هو وطننا نحن ووطن الدهماء". 

خدعة "شباب الثورة"

إذا كان هذا هو الموروث الثقافي الذي نحمله ونتعلم من تجاربه لماذا نصر الآن على رؤية ثورة يناير بعين الأجيال المنفصلة، ولماذا بعد مرور 15 سنة عليها ما زلنا نفككها ونقسم واقعنا بطرق سبقنا في تخطيها من هم قبلنا بـ80 سنة؟ 

من الأخطاء الرئيسية في التعاطي مع الثورة حضور فكرة الأجيال في خطابها الإعلامي، خصوصًا على لسان من تصدروا باعتبارهم "جيل الثورة"، فرغم أنها جاءت ذروةَ عقد كامل من النضال تصدرته الطبقة العاملة وإضراباتها المتكررة، التي اتسمت بطابع جذري في معارضة السلطة فإن هذا الخطاب أغفل نضالهم قبل وأثناء الثورة وصوّر يناير باعتبارها ثورة للشباب وحدهم.

ليس أيُّ شباب، فالخطاب هنا يركز على شباب المدونات وفيسبوك وتويتر من الطبقة الوسطى وما فوقها، الذين لعبوا دورًأ فاعلًا في الدعوة ليوم 25 يناير، لكنه يخفي عن قصد أو بدونه ما تلا ذلك من أحداث، إذ شاركت الطبقات الأفقر في يوم 28 يناير مسجلين بطولات، فضلًا عن الدور الحاسم للعمال عبر إضرابهم عن العمل في آخر أيام الثورة، الذي شلّ البلاد، بعد محاولة النظام عزل اعتصام التحرير واستمرار العمل في الدولة كأن شيئًا لم يكن.

لكن هل هذا مبرر لاستمرار الخطأ الذي وقع فيه "شباب الثورة" واستمرار التعامل بمنطق الأجيال والشباب في التعاطي مع الواقع السياسي؟  

مشكلة Gen Z

من إضراب عمال طنطا للكتان، أغسطس 2008

نحن اليوم في 2026 أحاول جاهدًا ألا أرى الحدث الهائل الذي شاهدته طفلًا في عمر 6 سنوات بأعين طالب الطب الذي أتم الواحدة والعشرين، لا أستطيع ادعاء مشاهدة الثورة وفهمها فالأمر اقتصر على متابعة انفعالات أهلي أمام قناة الجزيرة لبعدهم الجغرافي عن التحرير وعن أي مكان تقام فيه المظاهرات في المدينة الأقرب لنا وهي المنصورة، فبعد تجريف الساحة السياسية وغلق أي هامش متاح للحركة لا نرى أي حركة تُذكر غير تلك التي يقوم بها العمال الذين كانوا شبابًا في فترة الثورة، نعيش الآن على ذكرى حدث لم نشارك فيه، معلقين عليه خيبات حياتنا وعلى فشله هو و"جيله" مسؤولية واقعنا المزري، ولكن أحد فئات هذا الجيل المهزوم ما زال يحاول على أرض الواقع، تحركه دوافع طبقية واجتماعية لتحسين واقعه متحديًا كل سلطة و كل قمع، لا يأبه بحنين جيلنا ولا حتى جيله لأيام ولّت، فموقعه الطبقي يجبره على الحركة، وهو العامل الأكثر تأثيرًا في الفعل السياسي، ولهذا تحركت الجماهير في 1946 بدوافع طبقية واجتماعية ووطنية، لا مكان فيها لنعرات "نحن الشباب" أو نحن الجيل كذا، منفتحين على التعاون مع كافة الأجيال الأكبر والأصغر بل و متحدين السلطة.

هذا وعيهم بعدم اعتماد الحراك السياسي على فئة عمرية محددة منعزلة ترى نفسها والآخرين من خلال تاريخ ميلادهم لأن التصنيف العمري لا يستطيع أن يحدد الموقع الطبقي والاجتماعي وبالتالي الملكية والعمل أو الدخل. والتي تمثل المعايير الأساسية في تحديد العلاقة بالسلطة ومدى جذرية المطالب في التغيير.

وإنما معتمدين على التصنيف الطبقي كمعيار وحيد علمي قادر على تفسير الواقع و متغيراته مما مكنهم من تنظيم صفوفهم و أخذ مواقف جذرية ليس فقط في مواجهة الاستعمار ولكن في مواجهة الطبقة الحاكمة المصرية سواء كانت السراي أو كبار الملاك المتحكمين في الأحزاب السياسية التي ادّعت الوطنية والمعارضة.

اعتمادهم على التصنيف الطبقي معيارًا وحيدًا علميًّا قادرًا على تفسير الواقع ومتغيراته مكنهم من تنظيم صفوفهم واتخاذ مواقف جذرية ليس فقط في مواجهة الاستعمار، لكن في مواجهة الطبقة الحاكمة المصرية، سواء كانت السراي أو كبار الملاك المتحكمين في الأحزاب السياسية التي ادّعت الوطنية والمعارضة. 

إن العمال اليوم، وإن افتقروا إلى الأساس النظري الأيديولوجي والتنظيم، يظلون هم الطبقة الوحيدة التي ما زالت تواجه بكل ما تملك سياسات الإفقار والإسكات، هذا ما يبينه حجم الاحتجاجات العمالية التي تتصاعد عامًا بعد عام، هذه الحركة المتصاعدة نفسها من شأنها تطوير أدوات الوعي والتنظيم في أوساط العمال لتكمل الحركة ما تفتقر إليه.

هذا ما يعيد إلى الأذهان الدور الذي لعبته الحركة العمالية عشية ثورة يناير وخلالها، غير مكترثة بحديث صراع الأجيال أو المحاكمة غير العلمية لحدث مر عليه 15 عامًا أو تصنيف مرحلة عمرية كاملة وحصرها في مسمى فضفاض كـ"Gen Z"، فإن كنا نريد فعلًا تحليل الواقع والماضي فلنقتدي بهذه الطبقة التي أكسبها موقعها وعيًا فطريًّا يمكنهم اليوم من حسم مواقفهم تجاه السلطة.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.