عمرو خالد وماكينة الإخوان.. بلح السياسة وعنب الدين

تَعَوَّد عمرو خالد استخدام ملعب السياسة، معتمدًا على ورقة الانسحاب إلى أرضية الدعوة متى ظن أن ضبابية المشهد ستعيق تحقيق أحلامه، لكنه انسحب هذه المرة بعدما أفرط في تعاطي السياسة، ودون أن يدرك أن بساط الدين ينسحب من تحت قدميه.

ليلة من ليالي رمضان قبل أعوام طويلة مضت، ربما في 2006، كانت بالتحديد ليلة السابع والعشرين، حاولت طويلًا إقناع والدي بالمبيت في المسجد، حينها كنت مقتنعًا أنني راغب في الاعتكاف تقربًا إلى الله، ربما بعد كل هذه السنوات أدركت أنه كان لي فيها مآرب آخرى.

أغلق المسجد أبوابه بعد صلاة التراويح ليسمح للمعتكفين بفسحة من التفرغ للعبادة، فلعلها تكون ليلة القدر. أخذ كلٌ زواية، هذا مع مصحف، وذاك مع كتاب، وآخر اختلى بنفسه يصلي لله. لا يقطع الهدوء إلا همسات القارئين، وربما همسات بين صديقين أدركا مبكرًا الهدف الأساسي لتلك التجمعات، فقررا الحديث عن مباراة لكرة القدم، أو مسلسل رمضاني ذهب إلى منزله خلسة ليشاهد إحدى حلقاته.

النظام والإخوان.. وبينهما "اقرأ"

مر الوقت بطيئًا حتى منتصف الليل تقريبًا دون أحداث مختلفة، اللهم إلا مناوشات بين منظمي التجمع ومخبر وصل المسجد فجأة ليجمع أسماء المعتكفين. رحل المخبر قانعًا بما منحوه إياه من قائمة بأسماء البعض المعروفين أصلًا للأجهزة الأمنية – هكذا قالوا - وتبادلوا الحديث عن أسباب وصول الضيف الثقيل. رددوا كلامًا طويلًا حينها عن تضييق الدولة على «الملتزمين»، ومحاولتها منع عباد الله من الاعتكاف لله في بيوت الله، لكن لا أحد قال السبب الحقيقي. تركوني للزمن، ووحده أخبرني بكل شيء.

فجأة وصل أحدهم بجهاز تليفزيون إلى داخل المسجد، ليلتف حوله بعضهم، منشغلين في عمليات معقدة. نجحوا أخيرًا في تركيب طبق التقاط أقمار صناعية في محيط المسجد. تذكر أن الحديث عن توصيل تليفزيون بـ "الدش" في 2006 في قرية صغيرة بالمنوفية لا يتملك إلا كبار رجالها أطباقًا مماثلة كان حدثًا فريدًا. بالنهاية باتت كل الأمور جاهزة لبدء العرض. وأطل البطل، بينما عشرات العيون تحدق باتجاه الشاشة التي باتت تحمل شعار "قناة اقرأ".

تحدث الداعية الشاب –والمصادفة أن التصوير كان من قاعة خلفها المسجد الحرام- عن ليلة القدر وعن اسم الله العفو، بينما آذان الكل مصغية، والأفواه فاغرة، والأذهان صافية، قبل أن يدعو لمن "يشاهدوه الآن" بالعفو والمغفرة والعتق من النيران بنفس أدائه الجسدي الذي لم يتغير أبدًا رغم كل التغيرات التي طرأت عليه لاحقًا. حينها كانت الأكف مرفوعة والبكاء يجمع الكل.


الإخوانبوك

لاحقًا، قرر والدي السماح لهذا الاختراع المذهل بالدخول إلى منزلنا. بات في بيتنا طبق يلتقط النايل سات، وكان من أهم الضيوف على شاشتنا كل ما ينطق به عمرو خالد، الرجل الذي كان ملء السمع والبصر، والداعية المستنير الذي لم يخل جهاز حاسب آلي حينها من سلاسل برامجه كاملة، والذي لم يكن –في ظن مشاهديه- ينطق عن الهوى.

يملك الإخوان جهاز تواصل اجتماعي ضخمًا، وصلوا إليه وطبقوه على الأرض قبل أن يكشف مارك زوكربيرج عن فيسبوك بسنوات عبر الإنترنت. أدركوا أن الوصول السريع إلى الجمهور عبر "مجموعات" المساجد وملاعب كرة القدم، و"صفحات" السي دي والهارد ديسك، و"إيفنتات" تكريم المتفوقين علميًا ورياضيًا ودينيًا، يضمن لأفكارهم الانتشار المطلوب بين الجمهور، وصناعة شحصيات عامة "بابليك فيجرز" تمكنهم من التأثير المباشر وغير المباشر على البسطاء – وصفوة المجتمع كذلك - وضمهم، أو على الأقل تقريبهم إلى دعوتهم.


كان عمرو خالد – في ذلك الحين - فخر إنتاج ماكينة التواصل الاجتماعي الإخوانية. صنعوه على أعينهم، وأشرفوا على غرس ثمرته يومًا بعد يوم، علقوا ملصقات بمواعيد برامجه في كل المساجد، ووزعوها مسجلة على كل جهاز كمبيوتر مر –ولو بالصدفة- على أحد نشطائهم، ونشروا الملايين من كتيبات الجيب تحمل قصصًا ومواعظ بدائية، وشرائط كاسيت تحمل محاضراته بين عوام الناس، بالإهداء تارة، وكجوائز للمسابقات الدورية التي يعقدونها في كل مناسبة تارة أخرى.


الخروج من جلباب الإخوان

انخرطت في حياتي الجامعية المعقدة، شاب ريفي خرج فجأة من قريته المحدودة إلى آفاق القاهرة. لم يكن يشغلني كثيرًا عمرو خالد الداعية، ولم يكن يشغله أيضًا على ما يبدو. تنقلت تدريجيًا بين درجات من التحرر تخبو حينًا وتعلو أحيانًا، وتنقل الرجل بين خططه الاجتماعية والتنموية، مبتعدًا تدريجيًا عن محاضراته الدينية الخالصة التي قادته ليكون عمرو خالد.

أتت 2008، أصبحت عضوًا باللجنة الثقافية في اتحاد طلاب كلية إعلام القاهرة، وأطلق عمرو حملة "حماية"، تابعت الحملة عن كثب، ثم قررت الانخراط فيها، راسلت موقعه الرسمي دون رد، فقررت التحرك وحيدًا. كانت أول مرة أدخل فيها مكتب الحرس الجامعي، لم أكن أعلم – أو ربما علمت ولم أكن مقتنعًا - أن موافقتهم لازمة لتنظيم نشاط طلابي، لا سيما وأنه تابع مباشرة لاتحاد طلاب رسمي. حصلت على التصريحات المطلوبة، دون ذكر اسم الحملة بالتأكيد، ونظمته تحت عباءة رسمية لكن الحدث لم يكن على النحو المطلوب، لا الاتحاد وفر النفقات ولا الحملة، ولم يكن جيبي شبه معدوم الدخل كفيلًا بأي شيء، المهم أن النشاط اكتمل بحضور طلابي ليس بالكبير. شعرت حينها بأنني أخوض مغامرتي الأخيرة مع الرجل. لا أدري إن كان تجاهل الحملة لدعمي هو السبب أم طريق التحرر الذي كنت قد خضت فيه مسافات طويلة بالفعل، لكنها كانت آخر علاقة لي بالرجل. طالب المتعاطين بتغيير حياتهم والتوقف عن المخدرات، فغيرت حياتي وتوقفت عن مخدر "عمرو خالد".

لم يشعر الإخوان بأي خطر من محاولات عمرو الانفصال بـ"صناع الحياة"، التي تفرعت عن شجرتهم، الشاب كان يسعى - في ظنهم- لتأمين النبتة الجديدة من أيدي الأجهزة الأمنية المتربصة، لا سيما في ظل حظر راعيها من الظهور – العلني على الأقل - في مصر لسنوات، لكن عودة "خالد" المفاجئة في نوفمبر/تشرين الثاني 2010، وظهوره في درس لأول مرة منذ سبع سنوات من الغياب، وبدعوة من عبد السلام المحجوب وزير التنمية المحلية ومرشح الحزب الوطني في الإسكندرية، وفي دائرة الرمل التي شهدت قبلها بأسبوع اشتباكات دامية بين الأمن وأنصار الجماعة أدت لإصابة نحو 40 شخصًا واعتقال أكثر من مئة، وضعت ألف علامة استفهام حول الرجل، الذي بدأ قادة الجماعة وأنصارها ينظرون لحرصه على التحرر من عبائتهم بشكل مختلف.


الإخواني صبحي صالح، منافس المحجوب في تلك الدائرة حينها وصف عمرو خالد بأنه "تربية إخوان"، ودعاه للتراجع عن المحاضرة، لكن الرجل أصر على اقتناص فرصة لا تعوض للعودة والمشاركة في لقاء عام في مصر بعد غياب طويل، وقال إن هدفه هو أن يُسمع صوته، وأن يوصل رسالته.

لم يمهل القدر عمرًا للاستفادة من نتائج تحالفه الجديد. جرت الانتخابات، ثم اندلعت شرارة 25 يناير من العام التالي، ليطل الداعية الشاب بوجه جديد كناشط سياسي هذه المرة، وهو الذي أصر قبلها بشهرين فقط أن دوره دعوي وتنموي ولا علاقة له بالانتخابات ولا بالسياسة من بابها.. ظهر في 11 فبراير/شباط عبر عدة قنوات تليفزيونية، ليشيد بـ "الثورة.. سلميتها وشبابها القائد والملهم"، لكنه لم ينس نبرة صوته وأداءه الجسدي الذي لم يتغير، مطالبًا بـ"حضن كبير" يتسع لكل المصريين بلا تشكيك ولا تخوين.

مرت الأيام، وتناسى الطرفان كبوة "ندوة المحجوب"، فكف الإخوان أيديهم عن عمرو خالد، وكف يديه عنهم. أسسوا حزبًا لأول مرة، وأسس حزبًا، تفاخروا بخلفيته الدينية ودعوا علنًا لتطبيق الشريعة، فشدد على أن حزبه تنموي ولا يرتبط بالإسلام السياسي، تراصوا بجوار حلفائهم التقليديين، فحشد لاعب الكرة المعتزل أحمد حسن والسباحة المعتزلة رانيا علواني وآخرين. لكن الأهم أن الرجل انخرط كليًا في السياسة التي قال قبل شهور إنه بعيد عنها.


الداعية الغارق في السياسة دون رأي دقيق


مرت الحياة السياسية في مصر بعد 25 يناير بكثير من المتغيرات. لا أخجل بعد كل هذه السنوات أن أعترف أننا خضناها دون وعي. لم يكن غريبًا أن أصوت للشيء ونقيضه في انتخابات تلو أخرى، فرفاق الثورة أحق بالاختيار ولو كرهناهم، هكذا كنت أظن.

رشح الإخوان محمد مرسي لرئاسة الجمهورية، ووصل لجولة إعادة شرسة مع أحمد شفيق. لم يكفهم دعم الحلفاء، فلجأوا لاستدعاء "خرافهم الضالة"، لكن عمرًا خذلهم. رفض دعم أي من المرشحين علنًا. هنا فقط أدرك الإخوان بالعلامة الكاملة أن "خالد" أسس حظيرته الخاصة التي منحته دور القائد والملهم والزعيم، ولا ينوي مطلقًا العودة لحظيرة تعيده لمقاعد المشاهدين، ولو كان في صفوف كبار المدعوين.

وصل الإخوان للسلطة –تدريجيًا- بعد 25 يناير، فقال الرجل، في حوار تليفزيوني بعد تأسيس حزبه، إنه كان منتميًا لجماعة الإخوان "كمعظم طلاب الجامعات الملتزمين"، قبل أن يختار طريقه الخاص، ورحلوا بعد 30 يونيو فنفى بشكل صريح أي صلة له بالتنظيم. ووصل مرسي للسلطة في 30 يونيو 2012 دون دعم خالد، فأكد عمرو علنًا ثقته الكاملة في تسليم الرئيس المنتخب للسلطة في انتخابات نزيهة، وفي حرص جماعته السابقة على التعددية، ثم رحل "المعزول" في نفس التاريخ بعد عام واحد، ليقول الداعية إنه غير مؤهل ليعطي موقفا سياسيًا ولا رأيًا دقيقًا، لكن همه الأول –حسب تعبيره- تصالح الجميع من أجل التعايش السلمي.


"ملعب الدعوة" لم يعد يتسع للابن الضال

طوال هذه الفترة، عمل الإخوان بدأب على نقل جهاز تواصلهم الاجتماعي إلى المنصات الإلكترونية، وانتشروا بكثافة عبر مختلف مواقعها، وصولًا أمن لهم –مرحليًا- درعًا وسيف، لكن علاقتهم بالشارع –كما بالدولة- توترت بعد 30 يونيو، توترًا أسقط عنهم الدرع، لكنه أبدًا لم ينتزع من أيديهم السيف.

حاول عمرو قدر استطاعته العودة لملعبه، على أرضه، وبين جماهيره، انسحب تمامًا من العمل السياسي، وحاول العودة للدعوة التي يقتنع كليًا أنه أخذ بناصية أدواتها، لكنه نسي أو تناسى أن لاعبين آخرين انتزعوا مكانه في التشكيل الأساسي، وأن جل الجمهور انسحب من دعم الفريق، وباقيهم لم يعد على عهده بالداعية. ظهر الرجل من جديد في فيديو دعوي لا يحمل أي لمحة من السياسة في حجه الأخير؛ الكعبة خلفه، يتحدث عن مكارم الحج، وبنفس الأداء الجسدي، خصص جانبًا من ابتهالاته لأعضاء صفحته على فيسبوك، تمامًا كما كان يفعل مع مشاهديه على شاشة "اقرأ"، لكن كل شيء تغير بمرور السنوات، سنوات مرت ضمنت لـ"خالد" التوسع من قناة تحمل شعار "قو إيمانك" إلى مواطنتها "الرسالة"، وبجانبها قنوات مصرية متعددة، حتى صار ضيفًا دائمًا على الفضائيات والأرضيات، لكنها سحبت منه جمهوره الأصلي "كوادر الإخوان ومحبيهم"، ولم تضمن له جمهورًا بديلًا من معارضي الجماعة وأنصار النظام الجديد، الذين لم يثقوا في الرجل المحسوب –ولو رغمًا عنه- على الجماعة المطرودة من جنة الحكم.

سقط الدرع ففشل الإخوان في صد الهجوم الكاسح ضدهم في الشارع وعلى الإنترنت، لكن السيف كان كفيلًا بتوجيه ضربات موجعة لمناهضيهم، فما بالك لو كان الهدف هذه المرة ابنهم الضال.

فشل الدرع لأن نغمة "مش إخوان بس باحترمهم" لم تعد تلقى نفس الرواج –الجزئي- الذي كانت تتلقاه قبل سقوطهم المدوي، لم يعد ممكنًا الحديث بخير عنهم على لسان غيرهم، فكلمة تدافع عنهم تعني وصم قائلها فورًا بالانتماء للجماعة التي تصنفها الدولة وفئة لا بأس بها من الناس بالإرهاب، لكن السيف ما زال قويًا. ابحث بدأب عن سقطات مناهضيك، انشرها عبر حساب أحدهم على منصة تواصل إلكتروني، لتبدأ الرحلة. اللقطة طريفة ومثيرة للجدل على كل حال، سيلتقطها آخرون –ربما يكرهون الجماعة أصلًا- فيجري تداولها على نطاق واسع، ومنها إلى المواقع الإخبارية وصفحات الجرائد، ثم إلى شاشات الفضائيات.

انتشرت اللقطات الجديدة لعمرو خالد سريان النار في الهشيم، وتندر عليها القاصي والداني، ليتبعها اقتناص أحدهم لصورة مع الداعية رافعًا أصابعه الأربعة بعلامة "رابعة" وسط ذهول كامل لعمرو، الذي لما يفق بعد من ضربة السيف الأولى. أصدر الرجل البيان تلو البيان، والتعليق بعد التعليق، لكن رده لم يجد الأصداء التي توقعها، ليصبح الرجل أمام خيارات ضيقة لن يسعفه أيها في تحقيق "الحلم" الذي ظل يراوده، فلا أنصار النظام الجديد يحملون له مشاعر إيجابية، ولا المتعاطفين مع الإخوان يطيقون لابنهم الضال قولًا.


الزمن تغير.. فخسر بلح السياسة وعنب الدين

أدركت بمرور الزمن أنني كنت متعلق بحلم "الاعتكاف" للقاء زملاء الدراسة والتكريم وملعب كرة القدم والرحلات، الذين كانوا جزءًا من "ماكينة الإخوان" الذين منحوني دائمًا – كما فعلوا مع غيري - شعورًا بالتميز كنت أفتقده في بيتي وبين دوائري الاجتماعية التقليدية. فهمت أن الأمر لم يكن مرتبطًا بشكل مباشر لا بالعبادة ولا بإحياء ليلة القدر. استوعبت أن المخبر الذي زار المسجد لم يكن يستهدف الدين بذاته، وإنما كان "عبدًا للمأمور" في صراع خفي علني بين النظام وأقرب ملاحقيه في ساحات السياسة، والمهدد الأكبر لوجوده، لكن عمرًا لم يدرك الدور المهم للماكينة الإخوانية النشطة.

لا أعرف كيف تصرف "رفقاء الاعتكاف" الذين ذرفوا الدموع ليلة القدر في "باسمك نحيا"، وأمنوا بحرقة على دعوات عمرو لمشاهديه خالصة من دون الناس مع الفيديو الأخير. تفرقت بنا السبل لم أعد متابعًا لحساباتهم على فيسبوك، لكنني أظن –وليس كل الظن إثم- أنهم خاضوا كالذين خاضوا، متندرين بفكاهة يحسدون عليها نفس الأدوات التي طالما أشادوا بها.

تعود عمرو خالد استخدام ملعب السياسة، معتمدًا على ورقة الانسحاب إلى أرضية الدعوة –التي كان يؤمن بصلابتها تحت قدميه- متى ظن أن ضبابية المشهد ستعيق تحقيق أحلامه، لكنه انسحب هذه المرة بعدما أفرط في تعاطي السياسة، ودون أن يدرك أن بساط الدين ينسحب من تحت قدميه. هذه المرة قطع كل حبال وصاله بالإخوان علنًا، بعدما كان يلجأ سابقًا لحيلة الصمت تارة والحياد تارات، وهو العارف –أكثر من غيره- أن من ليس مع الجماعة عند أنصارها فهو ضدها فلا هو طال بلح السياسة ولا عنب الدين.