فيلم Mother!.. في مواجهة جنون العالم

الأم؛ الصانعة؛ حامية المنزل؛ مانحة الوجود، تنطلق من كيانها الاجتماعي وتتجاوزه، فتتحول إلى غريزة حية من الوعي، وإدراك الخطر. وحدها، تستطيع أن تضع حدا لجنون العالم.

فيلم "(Mother! (2017"، هو فيلم أمريكي، من تأليف وإخراج دارين أرونوفسكي. أنتجته شركة "بروتوزوا Protozoa"، بالتعاون مع شركة "بارامونت Paramount". تمثيل جينفر لورانس، خافيير بارديم، إد هاريس، و ميشيل فايفر.

يعرض الفيلم قصة زوجين، يعيشان وحيدين، في منزل كبير ومنعزل. الزوج كاتب، متفرغ لكتابته، لكنه يعاني من انقطاع الوحي، وحبسة الكاتب writer's block. الزوجة تعتني بالمنزل؛ وحدها ترمم جدرانه، بعدما احترق ذات مرة في الماضي؛ تضع كافة التفاصيل؛ تقوم بالطهي، ومباشرة أعمال التنظيف والصيانة؛ توفر أسباب الهدوء والسعادة، ليباشر الزوج عمله. يحل ضيف غريب للبيات بمنزلهما، يضيّفه الزوج، بينما تتحفظ الزوجة. هنا تبدأ سلسلة من الأحداث، تبدو منطقية في البداية، ثم تخرج عن السيطرة. تتحول الزوجة إلى دخيلة على منزلها. تتسارع المشاكل، ويتعقد المشهد، فيتحول منزل الزوجية، حرفيًا، إلى مركز صراع عالمي.


ظاهر الفيلم يتناول قصة خلاف زوجي من الحياة اليومية العادية. زوجة ترغب في الحياة الهادئة المستقرة بعيدًا عن الناس ومشاكلهم؛ تلزم منزلها، وتعتني به باعتباره "الجنة". بينما يعاني الزوج من هذا الهدوء؛ يرى في اتصاله بالناس، من المعجبين بكتاباته، ودعوتهم للمنزل، أسبابًا للكتابة والحياة. هي، تملك حسًا ينذر باقتراب الخطر، كما تستطيع أن تكون وعيًا، بل، وتحاول التدخل. بينما هو، المنغمس تمامًا في إحساسه بنشوة تهافت المعجبين، لا يملك حسًا أو وعيًا بالعواقب؛ يمنعها من التدخل، فتتفاقم الأزمة وتتناسل الصراعات، في مشاهد سيريالية النزعة، حتى يقوم الوعي (هي)، بوضع حد لهيستريا الدمار، التي لحقت بالمنزل.

في الواقع، يبحث العمل في أسباب وجود البشر -كعادة أرونوفسكي في معظم أعماله. هنا، يتوسط صورة الحياة اليومية، ليروي رواية مختلفة، ويتخذ موقفًا مغايرًا من قصة الخلق.

اعتنى أرونوفسكي بأن يحشد عددًا هائلًا من الدلالات، التي تشير إلى ميثولوجيا بداية الخلق في الديانات الإبراهيمية؛ المنزل الكبير المنعزل، المحاط بالأشجار من جميع الجهات؛ وصف الزوجة المنزل بأنه الجنة بالنسبة لها؛ دخول الزوجين الغريبين إلى الجنة، كدخول آدم وحواء إليها؛ بداية المشاكل مع دخول الغريبين للغرفة المحرمة، وكسرهما الكريستالة/الشجرة المحرمة؛ قتل أحد ابني الغريبين أخاه؛ عائلة الغريبين بها أفراد من أصول عرقية مختلفة؛ هوس الجمهور بالكتاب الجديد، في نهاية الفيلم، الذي تحول إلى دوامة اجتذبت كل الأحداث والصراعات الملتهبة بالعالم ونقلتها إلى المنزل؛ الكاتب يهدي ابنه إلى عموم الناس، في نهاية الفيلم، كإرسال ابن الرب إلى البشر -حسب الرواية المسيحية- فيأكلونه حيا.

يبدو أن المؤلف قد اختار أن يتبنى الرواية المريمية -رواية السيدة العذراء، عن قصة الخلق، هذه المرة من منظور فني ومنطلق فكري مختلفين عن السائد. تجربة الفيلم اعتبرت أن الإله، الخالق، هو صاحب الخطيئة الأصلية وسبب لها؛ هو من خلق آدم وحواء، كما سمح بدخولهما جنته، ليتخلص من حبسة الكاتب لديه؛ هو كذلك من وضع الكتاب، الذي ولد الصراعات، كما أنه اجتذب الناس ليطأوا جنته/منزله وأسرته ويفسدوها.

هي؛ الأم، شخصيتها الفنية مكتملة الملامح ومرسومة تاريخيًا بدقة. ففي العقيدة المريمية لبعض طوائف الكنيسة الغربية، هي شريكة الفداء؛ بلا خطيئة أصلية؛ الحبلى بلا دنس. في رواية الفيلم تحاول إنقاذ نفسها والوليد، لكن الرب ينتزعه منها ويهديه إلى البشر فيقتلونه. ومع ذلك، لا تستطيع أن تكره، لا تملك في أعماق قلبها سوى أن تحب وتسامح وتستمر في العطاء.

إن هوس أرونوفسكي بتوضيح مضمون أفلامه، على اعتبار أن المحتوى غامض، وقد لا يصل المُشاهد كاملًا، يجعله ينتصر لوجود الدلالات والإشارات في نصوصه، على حساب النص نفسه، وعلى حساب ما تستطيع أن تمنحه فنية العرض السينمائي للتعبير عن نص جيد.

الرواية الفنية لقصة الفيلم جيدة جدًا، كما أنها تبحث في عدد من مفاهيم الوجود والنفس. نمط العرض، كذلك، أضفى على المَشاهد غموضًا وحيوية وطابعًا ملحميًا. ولا يمكن تجاهل لمحة التفسير الأنثوي للعالم، التي تناولها الفيلم، فالأم استطاعت أن تكّون وعيًا مغايرًا عن النموذج القياسي للزوج، مما منحها علمًا/إدراكًا للخطر. تبني رواية الأم في العرض يعد تأصيلًا لمفاهيم الفلسفة النسوية، والتي ترى في كل ما هو أنثوي، كالعاطفة والشعور باقتراب الخطر والانفعال وعمق الارتباط بالآخر، وسائل لإدراك العالم بطريقة صحيحة، ومختلفة عن النماذج الذكورية القياسية.

كان من الممكن أن تكون القصة أكثر رحابة واتساعًا على مستوى التأويل، باستخدام إشارات أقل، ولكن أرونوفسكي يشاء أن تسقط جميعها في اتجاه التفسير اللاهوتي، فلا تحتمل الإشارات مجتمعة تفسيرًا آخر. ومع ذلك، لم يزل من الممكن رؤية الفيلم كنزاع زوجين بشريين، مرسوم بعناية فنية شديدة. وبينما نرى أن النص كان يحتمل أكثر من تفسير ، إلا أن هذا شأن أرونوفسكي الخاص، كما أن هوسه بتوضيح مضمون أفلامه، على اعتبار أن المحتوى غامض وقد لا يصل المشاهد كاملًا، يجعله ينتصر لوجود الدلالات والإشارات في نصوصه على حساب النص نفسه، وعلى حساب ما تستطيع أن تمنحه فنية العرض السينمائي للتعبير عن نص جيد.

العالم يصنع للمرة الأولى.. العالم يصنع للمرة الألف

تعود أساليب تصوير السيدة مريم إلى فترات فنية سابقة وعديدة. كرست أبرز المحاولات لوحات وتماثيل رخامية لتصويرها. نتحدث عن فناني عصر النهضة الإيطاليين، أعمال رفاييل، مايكل أنجلو، دوتشيني، ليوناردو دافنشي، وغيرهم، مما يتزين به عدد من الكنائس الغربية. يبدو أن أرونوفسكي قد وجه عناية كبيرة، كذلك، تجاه أيقونات الكنيسة الشرقية؛ نشير هنا إلى البوستر الذي يحمل وجه جينفر لورانس الرخامي ذو الشقوق، الذي يحاكي خامة الأيقونات القديمة ووضعية رأس السيدة مريم الأوسع انتشارًا في التصوير.

يشاء أرونوفسكي أن يرسم تحفته الجديدة؛ روايته الخاصة عن قصة الخلق، فيصنع هذا الفيلم. كما سبق وأن رسم مايكل أنجلو لوحته الأشهر على سقف كنيسة السيستين بالفاتيكان.

أرنوفسكي الخالق لم يصل بعد إلى عظمة صناعة الجسد الكامل..

شخصيًا، أميل إلى تمييز أفلام أرونوفسكي في ثلاثة مراحل فنية: المرحلة الأولى، تضم أفلام "باي Pi 1998"، و"مرثية حلم Requiem for a Dream 2000"؛ المرحلة الوسطى وبها فيلم "النبع The Fountain 2008"؛ المرحلة الحاضرة، الأكثر نضوجًا، والتي تضم أفلام "المصارع 2008 The wrestler"، و"بحيرة البجع Black Swan 2010" و"الأم".

لاقت أفلام المرحلة الأولى صدى جيدًا. فاز "باي" بجائزة أحسن فيلم في مهرجان "صن دانس" لأفلام السينما المستقلة. وتم ترشيح "مرثية حلم" لنيل عدد من جوائز الأوسكار وغيرها. وإن كان الأسلوب الفني لهذه المرحلة جريئًا، إلا أن عناصره كانت بدائية؛ التركيز على الأصوات التي تصدر من مكونات المشهد السينمائي؛ أصوات الغلق والفتح؛ الموسيقى ذات الطابع الصراعي (Epic)؛ اللقطات القريبة من الشخصيات؛ تتابعات من صور خلايا حية؛ منحنيات ونماذج رياضية؛ صراعات نفسية؛ خيالات جنسية جانحة. جميعها شذرات جمعها أرونوفسكي في سياق فكرة جديرة بالعرض، بينما الإخراج يجعلك تشاهد استجابات مؤلمة لمريض نفسي. الأمر الذي لم يرتقي لمستوى صياغة مزج فني سينمائي حقيقي.

مع تقدم المرحلة، ينجح أرونوفسكي في ترويض عدد من عناصر الإخراج؛ أسلوبه المميز في تصوير لقطات طويلة من خلف كتف الممثل البطل يستمر في أعمال المرحلة الأخيرة، بل ويستطيع أن يطور وظيفته السينمائية، وإن لم يغال فيه. الكاميرا المتجولة خلف كتف الأم، كانت ضرورة فنية لعرض المكان/المنزل باعتباره عنصر أساسي من عناصر صناعة الحدث. ثم تنقلب الزاوية لتبرز وجهها في لحظة ما. في تطور واضح عن استخدام اللقطات الطويلة من الخلف، مقارنة بفيلم كالمصارع مثلًا، حيث استخدمت اللقطات الخلفية المتجولة في وقت مصارعته ظروف المعيشة، متجنبة وجهه الحقير خارج الحلبة، بينما تتوجه إليه من الأمام في لحظات الإعداد والمصارعة. التوظيف السينمائي للأسلوب جيد، ومختلف.

لم يزل اهتمام أرنوفسكي بشريط الصوت في الفيلم يتربع على قائمة اهتماماته في الصناعة. بينما تعلم تهذيب هذه الصناعة، فلم تعد الأصوات مجانية والاستجابة لها استجابة عصبية. الحس الصراعي ما زال موجودًا؛ وقع اﻷقدام على الأرضيات الخشبية؛ سقوط الولاعة خلف الكومود ورنة الصوت؛ صوت الإنذار المرتفع للغاية؛ الوجود المادي الذي يصاحب شعورها بأن هنالك ثمة خطأ ما؛ تعالي الأصوات والهتافات وصوت الحرب في المشاهد الاخيرة، مفردات تميزت في التعبير عن عنصر الصوت بالفيلم.

الفيلم جدير بالمشاهدة، وعلى الرغم من أنه يستحق الاعجاب، إلا أن أرونوفسكي (الخالق)، لم يصل بعد إلى عظمة صناعة الجسد الكامل. بدأ بوحيدات الخلايا مع أفلام المرحلة الأولى، ثم صنع نسيجًا متوسطًا، ربما تمكن في المرحلة الحاضرة من صناعة أعضاء مكتملة، لكنه لم يصنع جسدًا كاملًا متناغمًا، لم يصل بعد إلى سر العبقرية، التي تضع الفوضى والنظام، وتجاورهما سوية في مزج واحد.