حصاد 2017| برقيات شكر إلى كُتب العام

تبقى القراءة من أجمل مسالك الهرب، لأنها ربما مُواجَهة ولو بطريقةٍ مُستترة وغير واضحة.

كل يوم تقريبًا تداهمنا أنباءٌ غير طيبة، في عالمنا العربي خصوصًا والعالم كله على العموم، ورغم ذلك وربما بسببه، يتعلّم الإنسان كيف يجد ملاجئ يحتمي بها من فوران السُخط والعجز بداخله، على سبيل الهُدنة والمُسكّنات المؤقَّتة لا أكثر، وتبقى القراءة من أجمل مسالك الهرب، لأنها ربما مُواجَهة ولو بطريقةٍ مُستترة وغير واضحة. أساهمُ هُنا بكلماتٍ قليلة حول أحب العناوين التي شكّلت واحة للاستجمام والسكينة خلال العام، ورغم عدم اقتصار قراءتنا على الكتب حديثة الصدور فقد حاولتُ الالتزام بهذا الشرط قدر الإمكان، مع الانتباه لقدرٍ من التنوّع في الاختيار.

كتب خارج التصنيف

ما بين التأمُّلات الفكرية والذاتية، والتقاطع مع نصوص وأعمال فنية سابقة، تنسج الشاعرة والأكاديمية المصرية إيمان مرسال كتابها الصغير هذا "كيف تلتئم: عن الأمومة وأشباحها" الصادر في سلسلةٍ خاصة بالتعاون بين أكثر من جهة، ما بين نهاية العام الماضي ومطلع هذا العام الموشك على الانقضاء. ويمزج الكُتيب ببراعة بين الخبرات الشخصية وطرح الأسئلة النظرية فيما يخص الصور المختلفة للأمومة، بعيدًا عن الأيقونة المؤسَّسة لها في المتن العام. لا يمكن اعتبار هذا الكتابة غير إبداعية، كما أنها لا تنتمي بوضوح إلى أحد الأنواع الأدبية المتعارف عليها، لذا فإنها تنشد قارئًا خاصًا، غير مبتلى بالكسل، ومستعد لأن يضع المسلمات القديمة تحت عدسات الفحص والسؤال.

اقرأ أيضًا: مساءلة صورة الأم في "عن الأمومة وأشباحها"- اقتباسات

كيف تلتئم

"كتاب النوم" لهيثم الورداني هو عَملٌ آخر يستعصي على التصنيف، في فقرات معنونة هي أقرب إلى حلقات في سلسلة نصوص إبداعية متصلة ومنفصلة، يتناول الكاتب والقاص المصري المتميز هيثم الورداني ذلك اللغز القديم الذي عاشرته الإنسانية منذ أن وجدت، النوم حاضنة الأحلام وأطيب خبز على مائدة الرب للبشر. الكتاب الذي صدر مطلع هذا العام (2017) عن دار الكرمة لا يوجد على غلافه تحديد لنوعه، وخيرًا فعلَ الكاتب والناشر، فهذا النطاق المفتوح في الكتابة والقراءة يفتح أفق الخبرة المعرفية والجمالية بحيث لا تنكفئ باحثةً عن متطلبات وشروط مسبقة. النوم هنا هو البطل والمقياس واللغز لا يتم البحث له عن حل، لكنه يخضع لتأمّل متعدد المستويات، لا يمكن الفصل فيها بين ما هو اجتماعي وسياسي أو شخصي وخاص. وبين الحين والآخر يسرّب هيثم أحلامًا لعلها من أحلامه الحقيقية أو أحلامه المكتوبة، حيث يسيل الزمن والمكان ويحضر الأحباب الغائبون كأنهم لم يرحلوا قط.

غلاف "كتاب النوم"

"اختراع العزلة" للروائي الأمريكي بول أوستر، وقد صدرَ هذا العام عن دار منشورات المتوسّط بترجمة سامر أبو هواش، وهو كتابان بين غلافي كتاب واحد: أولهما بعنوان "بورتريه رجل غير مرئي"، عن والد الكاتب، وقد شرعَ في كتابته بعد أيامٍ من رحيل ذلك الأب الغامض الذي بنى حول نفسه خلال حياته سياجًا من الصمت والعزلة، لكنّ كتابة أوستر تهدم ذلك السياج وتكشف عن الإنسان الذي عاش خلفه، عبرَ طبقات متراكمة من الذكريات وسرد مقتصد للمشاهد والحوادث المستعادة عبر الخبرة المباشرة أو الوثائق وقصاصات الصحف والأشياء المادية مما يتركه الراحلون. والثاني هو كتاب الذاكرة، ويتجوّل فيه أوستر حُرًا ما بين لحظات وأماكن وأشخاص، قد تبدو للوهلة الأولى لا يجمعها أي رابط، لكن مع التنبه للتيارات التحتية العميقة للسرد قد تتراءى لنا العلاقات والروابط واضحة، ويركز في تلك الاستيهامات السردية على بعض ثيماته المفضّلة والمتكررة بين صفحات أعماله السردية من قبيل العزلة وألعاب الذاكرة وتداخل النصوص الأدبية بأحداث الحياة وبالطبع لغز المصادفات العجيبة التي تظل تلاحقنا عبر الأمكنة والأزمنة في دوائر مدوّخة. هذا كتاب ممتع ومحكم وإنساني للغاية كذلك، كما أنه متحرر – حرية تامة تقريبًا – من سلطة البناء وضرورات السرد ولا يتبع غير فوضى الذاكرة المتماسكة مع ذلك.

"اختراع العزلة"

شِعر، شِعر، شِعر

أجدُ على الدوام صعوبةً بالغة في التحدُّث عن الشِعر عمومًا، بل إنني أشعر أن الكتابة عنه – نقدًا وتأويلًا وتشريحًا – تكون في أوقاتٍ كثيرة أقرب إلى الإساءة، وخاصة إذا كان الشعر حقيقيًا وحيًا، فأتى النقد ليجعل منه شيئًا زائفًا وميتًا. لذلك سأشير هنا باقتضابٍ إلى بعض أجمل الكتب الشعرية التي آنستني في العام الماضي، وهي ديوان أحمد شافعي بعنوان "77" (إصدار الكتب خان)، الذي يصعب أن تجد فيه صفحة غير جديرة بالقراءة، على عكس عشرات الأعمال والكتب الأخرى، والذي يبقى محتفظًا بروحه الخفيفة اللعوب مهما غرس أصابعه في أدق الجروح الإنسانية أو شرد ذاهلًا مع عقارب الوقت التي لا تُبقي ولا تذر.

ديوان "77"

الكتاب الآخر هو "بيتي له بابان" للشاعرة الكبيرة فاطمة قنديل، (دار العين)، وهي كتابة نادرة الصفاء والحساسية، كأنها مكتوبة بالأعصاب العارية ومستمدة من نار لوعة التجربة، كتابة عزلة ووحشة تمد جسرًا – رغم ذلك – نحو كل كائنات العالَم فتبدد الوحدة إذ تغني أغانيها.

غلاف "بيتي له بابان"

ثم يأتي الاكتشاف الرائع للشاعر الفلسطيني الراحل طه محمد علي، بديوان لمختارات من أعماله، بعنوان "صبي الفراشات الملونة"، صدر هذا العام (2017) عن الهيئة المصرية العامة للكتاب في سلسلة إبداع عربي، وندين للفضل في هذا الجهد للشاعر المصري محمود خير الله، الذي أحبَّ أن يشارك القراء اكتشافه المهم للشاعر شبه المجهول في مصر، الذي سيعرف القارئ ببساطة أنه أحد أهم من كتبوا قصيدة النثر في العالم العربي، وأنه قدّم خصوصيته الفلسطينية بطريقةٍ بعيدة تمامًا عمّا نتوقعه عادةً من خطابية البعض وغنائية البعض الآخر.

سرد، سرد، سرد

إذا استثنيتُ بعض الأعمال المترجمة التي أسعدت أوقاتي خلال العام الموشك على الرحيل، سواءٌ حديثة الصدور أو غير ذلك، ومنها على سبيل المثال رواية "آلموت" لفلاديمير بارتول، ونوفيلا "1900" (مونولوج عازف البيانو في المحيط) للساحر الإيطالي ألساندرو باريكو، ثم رواية "الطريق إلى إيدا" لريكاردو بيجليا، وبالطبع الرواية بالغة الأهمية والخصوصية "أنتَ قلت" كوني بالمن والتي أتحفتنا بها سلسلة الجوائز هذا العام. وركزتُ بدلًا من ذلك على الأعمال السردية المكتوبة باللغة العربية والصادرة هذا العام أو على الأقل نهاية العام الماضي، لبرزت أمامي بضعة عناوين مهمة، لا سبيل مهما فعلت ومهما اتسعت المساحة أن أوفي كلًا منها حقه.

عن دار ميريت، صدرت لمحمد داوود، مطلع هذا العام، روايته الأحدث "صخرة بيتهوفن"، وفيها يحوّل داوود ببراعة شديدة رحلة ميكروباص بين الأقاليم إلى شيء أقرب إلى الأوديسة المعاصرة أو مأساة إغريقية ولكن بأسلوب وتوجّه القرن الواحد والعشرين، يتفتت فيها البطل الواحد إلى بطولة جماعية، ينتقل السارد بين حيواتهم مفتشًا ونابشًا من غير أن يترك صغيرة ولا كبيرة في سرد متوتر ومتوازن.

غلاف "صخرة بيتهوفن"

ثم تأتي رواية "طُبع في بيروت" للروائي اللبناني القدير جبور الدويهي، لتأخذ قارئها في جولة فاتنة بين طبقاتها المتعددة، عبر تاريخ صناعة النشر والطباعة العريقة في لبنان وأزقتها الخلفية وأبطالها غير المجيدين بالمرة، وعبر جغرافيا هذه المدينة أيضًا وتحوّلاتها من زمن لآخر، عبر حكاية منسوجة بدقة وإحكام مذهلين، ومروية بلغةٍ مثل جريان نبعٍ مطمئن.

غلاف رواية "طُبع في بيروت"

غير أن المفاجأة بالنسبة لي كانت هي رواية الأردني معن أبو طالب، "كل المعارك"، التي تقتحم لأول مرة في الرواية العربية عالَم رياضة الملاكمة عبر بطلها سائد الذي يكتشف في عمر متأخر موهبته الكامنة في القتال ويسلم نفسه لهذا الشغف مضحيًا بكل شيء مألوف وراسخ في حياته المريحة معلومة المحطات. كانت المفاجأة في أسلوب السرد شديد البساطة والمباشرة أحيانًا حتى نكاد نشعر أننا أمام عمل تجاري بحت، لكنه يتوسّل بهذا المظهر ليسحب قارئه إلى مأزق بطله وحكايته، متيحًا له أن يطرح بنفسه الأسئلة التي يوحي بها السرد من غير تصريح حول لذة العنف البشري الصريح، والحق في تحويل طاقة العنف هذه إلى فعلٍ معترف به اجتماعيًا بل ويكون موضع إجلال وتقدير. لا أظنني قرأت فيما سبق رواية أولى لكاتبها تشي بكل هذا القدر من التمكن والرؤية الصافية للفن الروائي.

شكرًا لكل تلك العناوين وأصحابها وناشريها، ولآخرين كثيرين ممن لا تتسع المساحة لذكرهم، بقدر ما قدّموا لنا من متعة ورفقة وأوقاتًا رائقة.