28 يناير – التاريخ الشعبي المُهدَر

28 يناير، تاريخ الجماهير الفعلي، ولحظة دخولها مسرح الأحداث كمارد أسطوري، هو وحده من بيده الحسم، تواطأ الجميع على تجاهله، أو المرور عليه مرور الكرام.

25 يناير - العلامة اﻷولى واﻷهم

من المفارقات السياسية للثورة المصرية، هذا الاستقطاب بين التواريخ التي تعد علامات فارقة في مسارها. العلامة الأولى والأهم تبقى 25 يناير/كانون الثاني 2011، التي يصطف خلفها أغلب من يطلقون على أنفسهم لقب "ثوريين" من مختلف التيارات السياسية، معتبرين هذا التاريخ هو العلامة الثورية لهم، رغم أن أحدًا ممن دعوا للخروج في 25 يناير لم يداعب مخيلته مجرد إسقاط وزارة.

لم يكن هناك ذكر لكلمة ثورة. كانت الدعوة لمجرد حشد احتجاجى كبير ضد قمع وتعذيب وزارة الداخلية. حتى التوريث لم يكن مذكورًا في الدعوة، وكانت أقصي أحلام الداعين أن يتم إقالة وزير الداخلية. وقياسًا على احتجاجات حاشدة سابقة كان يمكن أن يمر اليوم احتجاجيا وحسب، لينفض قرب المساء وينتهى كل شيء. وحده القمع وتوتر الأجهزة الأمنية من الاتساع وضخامة الأعداد نسبيًا، وسقوط قتلى في مدينة السويس، الذي أجج المشهد وحول مساره. وحيث لم يكن هناك منظمون، أو حتى تنسيقات بين المحتجين، كان الوضع كله مرشحًا للانفلات.

التصق [مسار الثورة] عند مثقفي الطبقة الوسطى بالدعوة، لأنها ببساطة مجدهم الذاتي الذي يجب أن يعظموه وأن يحتفظوا به.

التصق 25 يناير بالداعين، بالصفحات على الفيس بوك، الجروبات و"أنوي الحضور"، مجموعات النخب السياسية الصغيرة وأصحاب الحسابات الالكترونية. ورغم أن للنخلة مسارًا فيزيائيًا مغايرًا تمامًا للنواة، وأنها أضخم وأعقد ألف مرة في التركيب من نواتها، وأن نواة أي حدث ثوري يمكن أن تكون ببساطة حادث فردي كمثال بو العزيزي في تونس، إلا أن مسار الثورة المصرية التصق عند مثقفي الطبقة الوسطى بالدعوة، لأنها ببساطة مجدهم الذاتي الذي يجب أن يعظموه وأن يحتفظوا به، ومن ثم تم التغاضي تمامًا عن التربة التي تم تهيئتها عبر سنوات طويلة سابقة (موجة نضالات اجتماعية وسياسية متصاعدة منذ مطلع الألفية على الأقل) وعن عوامل تحول النواة إلى نخلة (التدخل الشعبي في 28 يناير، وتوسع المشاركة في باقي المحافظات، ونمو وتطور المطالب إلى الإطاحة بالنظام)، وحُجب حتى الفضاء السياسي الذي صنعه انتصار الثورة التونسية بالإطاحة بزين العابدين بن علي، وصارت الثورة المصرية هي 25 يناير 2011 التي دعا إليها جروبات مثل "كلنا خالد سعيد"، وهكذا أيضًا تحول وائل غنيم، التقني في شركة جوجل، إلى بطل ثورة، أو ربما مفجرها أيضا.

30 يونيو 2013 – أيقونة التباس الثورة

في الثلاثين من شهر يونيو/حزيران خرج الملايين من الشعب المصري ينددون بحكم محمد مرسي وتنظيم الإخوان الذي وصل إلى السلطة باتفاق مع العسكريين وحكم لمدة عام تقريبًا.

هذا التاريخ يشير ضمنيًا إلى عملية تعبئة واسعة ضد سلطة الإخوان، شارك فيها الإعلام الرسمي وقنوات البزنس بقدر ضخم، وتوسطها عملية التوقيع على استمارة "تمرد"، التي جمعت توقيعات الجماهير في الميادين العامة والمقاهي وغيرها، تحت سمع وبصر أجهزة الدولة، التي لا شك تواطأت بصور عديدة معها.

كان حكم الإخوان، موضوعيًا، مثار سخط وغضب شعبي لأسباب عديدة، وأيضًا كان مثار رفض وغضب أغلب القوى السياسية، بما فيها حلفاء سابقون للإخوان من اليسار والناصريين. وعلى صعيد موازٍ كانت فرصة سانحة للدولة والعسكريين للتخلص من منافسيهم التقليديين، بعد أن توسع نفوذهم بدرجة تنذر بانفرادهم التام بكعكة الحكم والبزنس.

نتيجة لتلك التعبئة المتعددة اﻷوجه، خرج ملايين المصريين يعلنون رفضهم لاستمرار سلطة الإخوان، ولكن ليس في مواجهة الأجهزة الأمنية تلك المرة، بل تحت حماية مباشرة منها ومن القوات المسلحة. شكل 30 يونيو لوحة شديدة التعقيد، فهو من جهة انتفاضة شعبية حقيقية، يشارك فيها الملايين من الجماهير ضد نظام الحكم، ومن جهة أخرى جسر لعودة العسكريين إلى صدارة المشهد السياسي، بل إن فلول نظام مبارك شاركوا فيه أيضًا بكل قوتهم.

هذا الوضع الذي يعيد بصورة ساخرة لوحة الانتفاضة التي أطاحت بمبارك، مع اختلاف في عدد من التفاصيل الهامة. كان الصدام تلك المرة يدور مع مليشيات الجماعة، وليس قوات الجيش أو الشرطة. كانت الدولة العسكرية ترغب بقوة في إزاحة الإخوان، لكن على أن تدفع الجماهير الثمن، وأن يتستر العسكريون خلف مظاهرات الجماهير.

هذا الحدث الهام في مسار ثورة (لم تكتمل) صار ملتبسًا في أدبيات كل أطراف الصراع، ما بين الانتساب إليه، وبين التنصل منه.. ما بين اعتباره ثورة ثانية، أو هو فحسب الثورة، أو اعتباره نصف ثورة، وبين اعتباره حلقة من حلقات انقلاب على الديموقراطية التي أتت بها الثورة.

ودون إغراق في تحليل ذلك المشهد، أو "الايقونة الثانية"، سرعان ما تم اعتماده –رغم أنه لم يستمر سوى عدة ساعات– ثورة ثانية، وتنافس الإعلام في تضخيمها، وألحقت بـ 25 يناير كي يصيرا ثورتين معًا. ووُضعت في ديباجة الدستور كثورة. وبالتدريج بدأ الاختلاف على إعطاء تاريخ 30 يونية وصفه المناسب.

بدأت دعاية الإعلام الرسمي ورجال البزنس في اعتبار 25 يناير أزمة أتت بالإخوان إلى الحكم، و30 يونيو ثورة خلصت البلاد من حكم الإخوان، ومن ثم فالثورة هي 30 يونيو، ويناير محض مؤامرة أو خطيئة. وسارع بعض اليسار ممن شاركوا في 30 يونيو إلى التنكر له واعتباره انقلابًا على رئيس شرعي انتخب ديموقراطيًا من الشعب، أو على الأقل حلقة رئيسية من مؤامرة الثورة المضادة على ثورة يناير، وأن يناير فحسب هو الثورة. آخرون رأوا فيه مشهدًا مركبًا، انتفاضة شعبية، وظفها وقطف ثمارها العسكريون، والبعض اسماها – نصف ثورة نصف انقلاب.

هذا الحدث الهام في مسار ثورة (لم تكتمل) صار ملتبسًا في أدبيات كل أطراف الصراع، ما بين الانتساب إليه، وبين التنصل منه (جزئيًا أو كليًا). ما بين اعتباره ثورة ثانية، أو هو فحسب الثورة، أو نصف ثورة، وبين اعتباره حلقة من حلقات انقلاب على الديموقراطية التي أتت بها الثورة. لكنه في كل الأحوال علامة لا يمكن تخطيها، وإن اختُلف حول توصيفها وفهمها.

28 يناير المحجوب

في 25 يناير كانت الدولة وأجهزتها في كامل قدرتهم وعتادهم، يعتقلون ويطاردون ويقدمون متظاهرين إلى النيابات والمحاكم. تم فض ميدان التحرير بالعنف وطاردت قوات الشرطة العشرات الذين لاذوا بالشوارع الجانبية لتفادى الإمساك بهم. حلقت الطائرات منذرة ومهددة فوق الشوارع والميادين.

28 يناير لم يكن يوم احتجاج، بل يوم حسم ثوري، كان بطله جماهير الأحياء والحواري. أنجزوا المهمة في بطولة فائقة، وخلال يوم واحد تقريبًا.

العنف الذي بدأته أجهزة الأمن في منتصف يوم 25، والذي أسفر عن سقوط قتلى في مدينة السويس، رفع مرجل الغضب والرفض إلى أقصاه، لكن القدرة على مواجهة أجهزة الامن لم تكن موجودة، والأعداد تتناقص بفعل القبض والتفريق والمطاردة. استمرت المواجهات بدرجة محدودة يومي 26 و27 يناير، واتُّفق على خروج عام يوم الجمعة 28 يناير، تحت عنوان "جمعة الغضب".

سبق جمعة الغضب تزايد عدد القتلى مما أثار غضبًا أوسع بكثير من حالة المشاركين في احتجاجات يوم 25. إنه غضب الجماهير الشعبية، التي كانت بدورها الضحية الأولى والرئيسية لقمع الشرطة وامتهان الكرامة، في هذا اليوم تحول مسار الثورة من انتفاضة محدودة إلى انتفاضة شعبية. قامت الجماهير الشعبية بتولي عملية الحسم مع أجهزة القمع البوليسي ومقراتها.

بكلمة، كسرت جهاز عنف الدولة، وكنست الطريق لتمر الثورة، التي كانت تتحرك بضعف وبطء. من احتجاجات ومناوشات إلى انتفاضة ثورية. لم ترفع الانتفاضة شعار النخب السياسية "سلمية، سلمية!" لكنها حسمت الأمر بأسلوبها (الثوري حقًا). لم يكن للمظاهرات أو الاحتجاجات أو الاعتصام الكبير في التحرير أن يحدث أو يستمر إلا لأن ذراع الجماهير الشعبية صرع عملاق أجهزة الامن وحطم مقاره.

لم يكن 25 يناير سوى يوم احتجاج شارك فيه عشرات الآلاف في مصر كلها. لكن 28 يناير لم يكن يوم احتجاج، بل يوم حسم ثوري، كان بطله جماهير الأحياء والحواري. أنجزوا المهمة في بطولة فائقة، وخلال يوم واحد تقريبًا. لقد غرقت الدولة في محيط الجماهير الضخم، وبسرعة استثنائية، بكثير من العنف، وكثير من الدماء، ولكن بحسم.

28 يناير هو التاريخ الشعبي للثورة، الذي تمر عليه النخب السياسية مرور الكرام، والذي لا يرد سوى في إيجاز مخل، ولم يغط أحداثه أو يشير إلى أبطاله أغلب من كتبوا عن الثورة حتى الآن، ولم يُنزّل أبدًا منزلته الحقيقية كنقطة تحول من احتجاجات إلى ثورة، من سطح نخبوي إلى عمق جماهيري، من مقاومة يائسة إلى جماهير منتصرة، ومن سذاجة النضال السلمي وقت الثورات إلى درس عملي في كيف تنتصر الثورات.

احتلت نخب البرجوازية الصغيرة وتنظيماتها التاريخ لتحصر قمته في 25 يناير، واحتل كتاب وإعلاميو الدولة التاريخ لحصر قمته في 30 يونيه، لكن 28 يناير، تاريخ الجماهير الفعلي، ولحظة دخولها مسرح الأحداث كمارد أسطوري وحده من بيده الحسم، تواطأ الجميع على تجاهله، أو المرور عليه مرور الكرام.