"المُخبرون الشُرفاء".. سلاح من مجاهل التاريخ لشوارع المحروسة

هذه البضاعة تلقى رواجًا لدى "مواطنين شُرفاء" يُقدمون الأمن على ما عداه من أمور، وتلقى أيضًا قبولًا من نوع آخر لدى مواطنين آخرين، يتجاوبون مع هذه النداءات الرسمية بتقديم بلاغات لكنها افتراضية على فيسبوك عن حبيب سابق يتهمونه انتقامًا بأنه إرهابي، أو ينتوي الترشح.

تتصاعد العمليات العسكرية ضد "الإرهابيين"، ويشعر المواطنون بحالة التعبئة العامة التي يعيشها جنود الجيش والشرطة، دون أن يتوقع أي من هؤلاء المواطنين أنه قد يُصبح مشروع جندي، ليس في القوات النظامية التي تخوض معاركها على جبهات مختلفة، بل في سلاح آخر غير مُسمّى رسميًا، مهمته هي الإبلاغ عن الآخرين.

البلاغ هنا لن يكون للشرطة بدافع إثبات وقوع جريمة كما جرت العادة، بل سيكون بدافع الريبة من مواطن تجاه مواطن آخر وفقًا لما يتيسر له من معلومات قد تكون غير مبنية على أدلة وفقط آراء شخصية، وستكون الجهة التي تتلقاها منه هي الجيش الذي أعلن في بيان الأسبوع الماضي تخصيص 3 أرقام هاتفية لهذا الغرض.

ذكر البيان العسكري أن الغرض من الأرقام هي "سُرعة التواصل مع المواطنيين وتلقي المعلومات والبلاغات حول العناصر الإرهابية والأماكن المشتبه تواجدهم بها، وكذا محاولات التسلل والتهريب عبر الحدود والسواحل المصرية".


وزاد البيان بأن أهاب بـ"أبناء الشعب المصري" التعاون وتقديم البيانات الدقيقة التى تساعد الأجهزة المعنية فى اكتشاف وتتبع وضبط العناصر الإجرامية واتخاذ الإجراءات القانونية حيالهم، على حد ما ذكره نصًا.

وكما بدا من التعليقات على البيان، فإن الاستعداد للعمل من أجل الوطن موجود لدى عشرات وربما مئات، ومنهم من كتب نصًا عبارة الامتثال للأوامر "تمام يا فندم...." ومنهم مَن تساءل عن كيفية التعامل وإمكانية انخراط جهات أمنية في التصدي لهؤلاء، بل ومن فرط الحماس اقترح بعضهم "التصدي للصفحات المحرضة بشكل أو آخر عالسوشيال ميديا" باعتبارها "أصبحت أكثر خطرا عالأمن القومي .." كما كتب أحدهم.

استدعاء "طليعة" ناصر

ليست هذه المرّة بالأولى التي يتعامل فيها الجيش- ذو العقيدة القتالية- مع المدنيين باعتباره جهة تتلقى بلاغاتهم، ففي عام 2015 حين كانت حرب الشوارع بين اﻷمن واﻷخوان ما تزال مُستعرة، خصص الجيش خطًا هاتفيًا ساخنًا ليتلقى من المواطنين "البلاغات والمعلومات حول اكتشاف أو الحصول على أي مهمات أو ملابس عسكرية أو شرطية يتم يتداولها خارج القوات المسلحة والشرطة المدنية".

ومثل الآن، لم يكتف الجيش بإطلاق الرقم، بل أهاب بالمواطنين "التعاون وسرعة الإبلاغ عن أي بيانات من شأنها الحفاظ على أمن وسلامة جناحي الأمن والاستقرار في مصر".

الحديث عن أمن مصر وسلامتها، لم يعُدْ هادئ النبرة كما عهده الناس وقت حُكم نظام مُبارك، ليس الآن، فالنبرة صارت أكثرة علوًا منذ اندلاع ثورة 25 يناير التي آلت بالحكم- مؤقتًا- إلى 19 عسكريًا، غالبية سنوات خبراتهم مُتمحورة حول الميدان والعدو والخطط والمؤامرات التي يجب التصدي لها.

ربما تلك العقلية التي حكمت على مدار شهور متصّلة بين عامي 2011 و2012، هي التي دفعت التليفزيون المصري الرسمي لإطلاق إعلان في تلك الفترة التي شهدت حراكًا احتجاجيًا واسعًا، وكان يحذّر الشعب من "الجواسيس".


قوبل الإعلان بانتقادات من مئات وربما آلاف المصريين، عبر فيسبوك وتويتر، خاصة وأنه يُظهر "الجاسوس" في كادر كان به لافتة كُتب عليها "عيش حرية عدالة اجتماعية"، ما رأى فيه البعض إهانة للمتظاهرين إن لم يكن اتهامًا غير مُباشر لهم بالعمالة، كما قابله بعضُ آخر ممن رأوا أنه يؤثر سلبًا على السياحة، بالسخرية منه بإعلان موازٍ.


سواء كان الإبلاغ مطلوب أن يكون عن جواسيس أو عن مواطنين، فإن السلطات المصرية الحالية، الإعلامية والعسكرية، في هذا الشأن لم تأت بجديد، فإبلاغ المواطن عن أخيه المواطن بتقرير سري فكرة تضرب بجذورها في عُمق تاريخ البلاد منذ الحقبة الناصرية.

في عام 1963، أسس نظام عبد الناصر التنظيم الطليعي ككيان تابع لمنظمة الشباب، وكلاهما منضوٍ تحت لواء الاتحاد الاشتراكي الذي كانت الدعاية للنظام واحدة من أبرز مهامه، لكن في السرّ كانت مهمة أعضاء التنظيم الطليعي هي تقديم التقارير عن مُعارضي "ثورة يوليو" ونظامها.

المثير في هذا التنظيم، لم يكن أنه ضم المئات من "رجال الدولة" والمعارضين والشخصيات العامة في عهد ناصر ومن بعده السادات ثم مبارك، حسبما وثّق الأستاذ الجامعي حماده حُسني في كتاب له، وكشف ذلك واحد من هؤلاء الرجال، وهو وزير الخارجية الأسبق عمرو موسى الذي قال في مذكراته التي صدرت أواخر 2017 أنه كان عضوًا فيه، بل المُثير هو نوعية التقارير التي كان يرفعها أعضاء التنظيم للسلطات.

وحسبما وثّق حُسني، تنوعت التقرير بين واحد عن رواية أو مسرحية، أو عن الاتجاهات السياسية للمسيحيين، أو نشاط مُدير محطة إذاعية، أو حتى هتافات ترددت في جنازة سياسي راحل مثل مُصطفى النحّاس، بل كان أحد التقارير بعنوان "مذكرة عن بعض العائلات القبطية تقوم مساء كل ليلة بفتح جميع حنفيات المياه بمنازلهم".

كان التنظيم الناصري على قدر من سوء السُمعة لدرجة أن قال عنه الكاتب عبد الناصر سلامة في مقال نشرته المصري اليوم إن مهمة أعضائه "أولاً وأخيراً كانت أمنية بحتة، بمعنى أن عضو التنظيم يجب أن يقدم تقارير أمنية يومية فى زملاء العمل وجيران الشارع وأحياناً رفقاء المنزل"، وأن ذلك التنظيم "بالفعل استطاع التفوُّق على جهات الأمن الرسمية فى الكثير من المواقف والعمليات".

ولّت الحقبة الناصرية، لكن فكرة التنظيم- كما يبدو- قابلة للتعايش والتجدد مع اختلاف العصور، وفي هذا حذت مصر حذو أوروبا، لكن في وقت لم تكن فيه معقلاً لديمقراطيات راسخة كما هي الآن.

.. و"أورويلية" أوروبا

كأجزاء من رواية للكاتب الإنجليزي جورج أورويل، صاحب المؤلفين الأشهر عن الديكتاتوريات والحكومات القمعية "مزرعة الحيوانات" و"1984"، تُخبرنا صفحات من تاريخ أوروبا عن فترات كان فيها المواطن مُخبرًا يرفع للسلطة التقارير السريّة عن أخيه المواطن.

في ألمانيا هتلر النازية وإيطاليا موسوليني الفاشية، كان طبيعيًا بل وينطوي على بطولة ووطنية أن ترفع للسلطات تقريرًا سريًا في حق جارك أو زميل عملك، كما يوّثق كتاب after the victorians: the world our parents know.

وفي الفترة بين عامي 1945 و1989، شجّعت ألمانيا الشرقية ومعها دول شرق أوروبا مثل رومانيا وبولندا وتشيكوسلوفاكيا والمجر وبلغاريا، مواطنيها على التجسس على بعضهم البعض، كما ذكر كتاب of the people, by the people: new history of democracy، الذي قال إن أفراد الشعب في ذلك الوقت كانوا يتحولون إلى جزء من نظام مراقبة ضخم.

تلك الحقبة البعيدة التي تجسس فيها المواطن على المواطن، ولّت بعد ما اعتراها من ضعف تلا سقوط النازية والفاشية والشيوعية، لكن فكرتها بقيت قائمة وكانت سببًا في زلزال هزّ بلد هادئ مثل سويسرا قبل ربع قرن تقريبًا، فيما عُرف بـ"فضيحة الملفّات السرية" 1989.

دار الأمر "الفضيحة" حول وضع الشرطة الفيدرالية السويسرية 900 ألف مواطن ومؤسسة تحت المراقبة خلال فترة الحرب الباردة، بسبب ما كان يُشتبه بأنَّه سلوك "غير سويسري"، في عبارة تُحيي في الأذهان الشعارات التي ترفعها أنظمة شمولية كذريعة للتفتيش في ضمائر المواطنين.

أحد ضحايا الملفّات السرية كان مواطن وصحفي سويسري، تحدث في تصريحات لموقع "سويس إنفو" عن صدمته، ليس من وجود ملف عنه لدى الشُرطة، بل من "نقل المواطنين- ومنهم جيرانه- معلومات عنه إلى الشرطة".

بدعوى الحفاظ على "السلوك السويسري" أو على "سلامة جناحي الأمن والاستقرار في مصر"، تُطلق الجهات ذات السلطة والسيادة أوامرها لمن يمتثلون بدافع الوطنية والخوف والقلق على البلاد؛ فتحوّلهم من "مواطنين شُرفاء" إلى جنود "مُخبرين" في سلاح سري وغامض بلا آلية عمل أو معايير واضحة للبلاغات، ففقط كل ما يعرف عنه أنه موجه لاستهداف الآخر ، أي آخر مشكوك في درجة وطنيته.

وهذه البضاعة تلقى رواجًا لدى "مواطنين شُرفاء" يُقدمون الأمن على ما عداه من أمور، وتلقى أيضًا قبولًا من نوع آخر لدى مواطنين آخرين، يتجاوبون مع هذه النداءات الرسمية بتقديم بلاغات لكنها افتراضية على فيسبوك عن حبيب سابق يتهمونه انتقامًا بأنه إرهابي، أو ينتوي الترشح.