هكذا تكلم جاري أولدمان

عندك أنا مثلًا يا جوني، اشتغلت، وغيرت في شكلي، وصوتي، وهيئتي، ومثلت أدوارًا لم أكن أحلم أني سأقوم بها يومًا، وسرت على الحائط، ووقفت على شعر حواجبي، وعملت نفسي أراجوز أمام الأكاديمية، كي تعيرني انتباهها بترشيح واحد، ولم تفعل!

هاااااااااااح.. أخيرًا لاحظ أحدهم وجودي، أخيرًا نلت الأوسكار، لقد كانت حقًا خطة محكمة!

أنا جاري أولدمان، أشهر ممثل مغمور في تاريخ السينما، لم آخذ حقي كما ينبغي لموهبتي الفذة وأدائي العبقري في كل الأعمال التي قدمتها، خاصة في السينما. هناك الكثيرون مثلي، ولكني الأقدم بينهم ربما، سبقني غيري من المشهورين المغمورين، وبقيت أنا، وكريستوفر نولان، وديفد فينشر، وتيم بورتن من المخرجين، ومن الممثلين جوني ديب، وإدوارد نورتون، وجون ترافولتا، وصامويل جاكسون، وإيمي أدامز.. وكثيرون غيرهم، وأظن أن جوني ديب رمى طوبة الأوسكار، ولم يعد يقبل حتى دعوات الحضور.

معي هنا نولان، وديب، سأتحدث إليكما يا صديقيَّ العزيزين، فقد كنت في محنتكما، وعلمت ما هي الوسيلة التي ينبغي أن أظهر بها للنقاد، حتى يلتفتوا بعيون مسهدة، مشدوهة، إلى هذا الممثل أو هذا المخرج أو هذا الفنان، قائلين "ما هذا الجمال! لقد كنا في غفلة عن فلان هذا! فلنمنحه جائزة!"


وها أنا قد اكتشفت الخدعة..

لاحظت يا عم نولان، ويا أخ ديب، أن الجوائز يهمها في المقام الأول أن يكون العمل تاريخيًا، يجسد أحد أشهر الشخصيات الحقيقية عبر التاريخ، ويا حبذا لو كان الفيلم بيوجرافيا عن شخص بعينه، أو لحظة من لحظات حياته، شخص مهم، ومؤثر، أو كما فعلت أنا عندما اخترت دوري للحظة عصيبة من لحظات حياة تشرشل، في فيلمي، ولي النعمة، Darkest Hour.

ستقول لي يا نولان، أنك بالفعل "اتنيلت" وعملت فيلم عن لحظة تاريخية، وكنت وشيكًا من خطتي، لما حدثتك عنها من قبل، فصنعت فيلمك Dunkirk، وأنك كنت مؤمنًا بوجهة نظري في الموضوع، إلى الدرجة التي جعلتك تختار نفس اللحظة الزمنية ونفس الأحداث الخاصة بفيلمي، وأنك مع ذلك لم تحرز أي جائزة، لا أحسن فيلم، ولا أحسن مخرج، وستقول لي أنك تعبت في هذا الفيلم أكثر من أي فيلم مضى وأنك وأنك، وكل هذا الكلام. حسنًا، اسمعني للنهاية.. كان لابد لفيلمك من شخصية محورية يا عم نولان، مثل فيلمي، على الأقل إن لم تحصل على جائزة أحسن فيلم أو مخرج، سيفوز أحد أبطال فيلمك بجائزة ما في التمثيل.

اقرأ أيضًا: فيلم The Shape Of Water.. فانتازيا تهرب من الواقع فتتورط فيه

ولكن فيلمك لم يكن على هوى الأكاديمية، ببساطة لأنه لا يحمل شخصية مثل، آآ، مثل تشرشل مثلًا! لا تغضب مني، أنا لا أهزأ بك، وأنا إنجليزي مثلي مثلك.. آآآآه نسيت أن أقول لك، بمناسبة "مثلي مثلك".. هذه طريقة أخرى يمكنك بها حصد الجوائز يا نولان، أن تتحدث عن المثليين! لا لا لا، لا تنفعل، أنا أريد مصلحتك. إن كنت هوموفوبيك، أو ترى أن ذلك فنًا منحطًا، أو طريقة مكيافيلية، نحصل بها على جائزة، رغم عدم إيماننا الحقيقي بالفكرة، فما المشكلة؟ أنا أقول لك، ما المشكلة يا نولان؟ فلتصنع فيلمًا عن المثليين يا أخي، ولتجعله بشكل مختلف عمن سبقوك، وستنال شرف المحاولة، وأقول لك، سأعطيك شهادة من الآن، إن فعلت ذلك، سيتم ترشيحك للأوسكار، وإن كان حظك حسنًا، ولم يكن هناك الكثير من الأفلام في سنتك عن الأقليات والمثليين والعنصريين إلخ، ستحرز الجائزة!

انظر مثلًا ماذا حل هذه السنة في الأوسكار ال90، هناك العديد من الأفلام التي تتحدث عن نفس هذا الكاتيجوري الذي أتحدث عنه، عندك مثلًا فيلم Mudbound يتحدث عن العنصرية والحرب، وفيلم Get out يتحدث عن العنصرية، وفيلمي Darkest hour وفيلمك Dunkirk أفلام تاريخية حربية، وفيلم Call me by your name عن المثليين، وفيلم The shape of water عن علاقة تفوقت على المثلية الجنسية، بين أنثى، وحيوان ذكي تم اكتشافه..

عندك مثلًا يا نولان، The shape of water حصد الإخراج وأحسن فيلم، بينما Get out حصد السيناريو الأصلي، أما بالنسبة للسيناريو المأخوذ عن عمل، فلم يحصده Mudbound حتى لا تهيج الأقلية المثلية، ولكي يقال إن الأوسكار تدعم كل الأقليات، ففاز بها Call me by your name.. إنهم يوزعون الجوائز بالتساوي على الأفلام.. فهمت يا نولان؟ شغل مخك!

اقرأ أيضًا: Get Out.. احذر المنطقة الغارقة

إذا لم تعجبك الفكرة، فستعجب فينشر، أو بورتن، أو ربما أذهب بها إلى حبيبي جوني ديب، ليس عندي أدني مشكلة، أما أنت يا نولان، فأنت الخسران، وخلي جوائز المونتاج ومكساج الصوت تنفعك!

جوني ديب، صديقي الفنان، كيف ترى نفسك في دور شخص مثلي؟ عن نفسي أنا ليس عندي مانع، حتى أنني أديت دور رجل مثلي بالفعل في فيلم Prick up your ears سنة 1987، ولكن لم تكن هناك هوجة الجوائز الجنسية والعنصرية مثل هذه الأيام، وفي النهاية فكرت في الدور السياسي، ولكني لا أظنه يليق بك، إنما دور رجل – لامؤاخذة – مثلي، سيكون مبهرًا عليك فيم أظن، هذا دور خلق لجوني ديب بالقوة، وينتظر وجوده بالفعل في أحد أفلامك القادمة، كي تحصد الأوسكار التي ترشحت لها ثلاث مرات.. يا خايب.. اتعلم من عمك.. عمك جاري ياض.

انظر يا جوني، أنا أعلم أنك "اتمرمطت" في السينما، وطلعت عينك، وترشحت للجائزة عن أدوار، في نظري عبقرية، ولا سيما أدوارك العظيمة في بقية الأفلام التي لم تترشح أصلًا، هذه الأكاديمية لا تعطي للناس حقوقهم، إلا إذا تحايل عليها الناس.

عندك أنا مثلًا يا جوني، اشتغلت، وغيرت في شكلي، وصوتي، وهيئتي، ومثلت أدوارًا لم أكن أحلم أني سأقوم بها يومًا، وسرت على الحائط، ووقفت على شعر حواجبي، وعملت نفسي أراجوز أمام الأكاديمية، كي تعيرني انتباهها بترشيح واحد، ولم تفعل!

لقد كنت شبحًا بمعنى الكلمة، أدواري العظيمة في تاريخي السينمائي لم يكن لها وجود تقريبًا بالنسبة للنقاد، خذ عندك مثلًا، مثلت شخصية دراكولا، وأصبح فيلمي هو قطب أفلام الفامبايرز، ومثلت دور بيتهوفن في Immortal beloved، وصدقت كوني أصم فعلًا، وقمت بدور رجل سيكوباتي سادي مخيف له مزاج خاص في Leon The Professional، ومثلت دور جوردن في The Dark Knight، وتلونت وغيرت جلدي وشعري وجسمي وأدائي تمامًا، وتحولت لعازف البيز المجنون، لدرجة أن الناس لم تعرفني في Sid and Nancy، وقمت باختطاف الرئيس الأمريكي في Air Force One، وقمت بدور شخصية غرائبية، فريدة، وهي شخصية ثانوية من مسرحية هاملت في فيلم Rosencrantz & Guildenstern Are Dead، وقمت بتجسيد قواد وتاجر مخدرات في True romance وضفرت شعري، وقلبت كياني، وشقلبت حالي!

ماذا تريد منا الأوسكار بحق الجحيم يا جوني؟!

اقرأ أيضًا: هكذا تكلم كيفين سبيسي

أخطأت الأوسكار في مرة، ورشحتني لنيل الجائزة في أقل أدواري على الإطلاق يا جوني، عن فيلمي Tinker tailor soldier spy، كنت سأجن، فكان أدائي عاديًا، ولم يكن الدور صعبًا علي، ولم أكن أتوقع ترشيحي لجوائز بسببه أصلًا، لم أكن أعلم كيف تفكر الأكاديمية، ربما هي تعطي الأوسكار على مجمل الأعمال، فتعطيك ترشيحًا، كي تنبهك أنك الفائز القادم، ولكن ليس الآن، فهناك أولوية حجز، للمثليين والسود والسياسيين والإنسانيين والأقليات!

نعم فقد حدث ذلك مع آخرين، منهم حبيبنا كلنا ليوناردو ديكابريو، فقد تم ترشيحه في أهم أفلامه، ثم نال الجائزة في النهاية على فيلم، لم يكن ديكابريو فيه في قمة إبداعه The Revenant، في حين مثلًا أداؤه العظيم في فيلم Django Unchaind لم يتم ترشيحه لأوسكار، تخيل يا جوني!

عندك أيضًا يا نولان، إذا كنت ما تزال هنا، على سبيل المثال، مخرجنا العظيم مارتن سكورسيزي، لم يأخذها على Goodfellas ولا على Gangs of New York ولا حتى على The Aviator بل على فيلم عادي، لم يكن بنفس الكفاءة، وهو The Departed واحكم أنت، أنت المخرج هنا لا أنا.

فيلم Gangs of New York مثلًا حصد عشرة ترشيحات، ولم يفز بأي جائزة.. عجييييب! ربما تفكر الأكاديمية بأن في ذلك الخيار مكسب للفيلم، وأن أصحاب الفيلم سيرضون بالنتيجة الكبيرة، عشششـرة ترشيحاااات... يااااه! "وجايين على نفسيكوا ليه طيب؟".

المهم يا جوني، ويا نولان، ربما تكونا من المحظوظين، لأنكما في حياتكما المهنية، تم ترشيحكما لجوائز الأوسكار، وحصدتم عدة جوائز مهمة، وجوائزكما أكثر من جوائزي، فأنت يا جوني حصدت 75 جائزة، منهم واحدة جولدن جلوب عن دورك في Sweeney Todd ، وأنت يا نولان فبسم الله ما شاء الله حصدت 131 جائزة، رغم سنك الصغير، الله أكبر عليك. أما أنا، فغلبان، مجموع جوائزي في تاريخي القديم عن عمر يناهز الستين، حصدت 56 جائزة فقط، ولكني أفضل منكما بالأوسكار، لقد سددتما ركلات عديدة تجاه المرمى، أما أنا، فسددت ركلة واحدة، وجائت في الهدف.. تعلما من بابا جاري.. تعلما.