بلحة يكتسح.. سيناريو تخيلي لانتخابات لم تحدث

هذه الأحداث لا تمت للواقع بصلة، وهي كتابة إبداعية من وحي خيال كاتبها، وأي تشابه بينها وبين الواقع محض مصادفة.

بدأت الحكاية بفيديو عابث لأطفال لاسعين، ثم قلبت بجد عليهم وعلى الذين خلفوهم وعلى الشعب بأكمله.

انتشر الفيديو على صفحات فيسبوك قبل الانتخابات بعشرة أيام، تناقله الناس تحت عناوين مختلفة من أكثرها انتشارًا "طلبة ابتدائي يقومون بزفة لموكب بلحة"، كانت مدة الفيديو نصف دقيقة، لم تكن جودته عالية، ربما لأن الذي التقطه كان مرتبكًا وهو يصور سيارات الموكب السوداء وهي تعبر بسرعة في شارع عريض لم تتبين ملامحه، وقف على ناصيته أطفال يرتدون زيًا مدرسيًا ما، ليهتفوا بعد عبور السيارات المسرعة "يا بلحة يا بلحة"، ثم ضحكوا بعدها بصوت عال وانتهى الفيديو.

لم يكن في الفيديو شيء استثنائي يبرر انتشاره الهستيري، كانت الأجواء الخانقة التي تعيشها البلاد هي وحدها التفسير، وإذا كنت سمعت عن قصة ذلك الطفل الذي هتف في موكب الملك وسط المهللين والمصفقين، قائلًا إنه رأى الملك عاريًا، ستفهم لماذا احتفى الكثيرون بذلك الفيديو القصير، فقد كان تنفيسًا عن عجزهم وقلة حيلتهم أمام موجات القمع المجنون، واحتفاءً بشجاعة أطفال ربما لو كانوا حسبوا عواقب فعلتهم لما فعلوها.

كان يمكن للفيديو أن يروح لحاله بعد انتهاء "ترينده"، لكن محاميًا طامعًا في الشهرة التي نالها أساتذة أقدم له في مجال الحسبة الوطنية، قام بمجهود مضنٍ نيابة عن أجهزة الأمن، فتعرف على المكان الذي تم فيه تصوير الفيديو والذي اتضح أنه قريب من بيت عائلته، وبمساعدة موظفيه وأقاربه تم التعرف على وجه أحد الأطفال الذين ظهروا في الفيديو، وتم إبلاغ أجهزة الأمن عنه وعن أهله، الذين اتضح أن لأحدهم علاقة قديمة بحركات سياسية معارضة، ليتم القبض على الطفل وأبيه، ويقوم على الفور بالاعتراف على زملائه، الذين بدورهم تم القبض عليهم وعلى آبائهم وأعمامهم في حالة وفاة الأب أو سفره.

وكالعادة تحولت الحكاية في لمح البصر من طرفة مبهجة إلى مأساة حزينة، وظهرت هاشتاجات تطالب بالحرية للأطفال المعتقلين، وتغريدات تدعو الأمم المتحدة للضغط لكي يتم الإفراج عنهم، وفيديوهات ترثى الحال الذي وصلت إليه البلاد وتناشد الرئيس أن تأخذه الشفقة بالأطفال وأسرهم، وفيديوهات مضادة تناشده ألا تأخذه بهم وبالذين خلفوهم شفقة ولا رحمة، وكتب أشهر المعارضين للرئيس تغريدة من مقر إقامته في الخارج قال فيها "هل وصل بنا الحال إلى الأطفال؟ هل نحن بحاجة لقراءة الميثاق العالمي للطفل؟ ما الذي يحدث في بلادي؟".

عبد السلام يثير الجدل

في ظل هذه الأجواء، انتشرت في جنبات فيسبوك تدوينة طويلة تحمل عنوان "في بؤس المعارضة البلح"، كتبها باحث وناشط شبه مشهور اسمه عبد السلام عقيل، يحظى بتقدير في الأوساط الثورية، اعتبر فيها أن حفاوة الكثيرين بفيديو الأطفال قبل أن يحدث ما تبعه من مآسٍ، يدل على إفلاس الخطاب المعارض الذي يبتهج لإطلاق اسم بلحة على رئيس البلاد، ومع أن الغرض من إطلاق الاسم كما يفترض هو الإشارة إلى عدم اتزان الرئيس العقلي والعصبي، لكن مطلقي التسمية ينسون أن هذا الرئيس نفسه هو الذي قام بتصفية المعارضة بشكل ممنهج، وتمكن من التغلب على كل منتقديه باختلاف اطيافهم، وأدرك من أين تؤكل الكتف إقليميًا ودوليًا، ونجح في الإفلات بقرارات شديدة الخطورة لم يكن يجرؤ سابقوه على الاقتراب منها، وأن فرحة الثوريين والمعارضين بلقب بلحة بعد كل هذا، تشبه حملة الهاشتاج البائسة التي انطلقت قبل سنوات، ثم نسيها الكل حين لم يتغير شيء إلا إلى الأسوأ، خاتمًا تدوينته بأن انجرار المعارضة المدنية إلى هذه السكة، يدل على بؤس وإفلاس كاملين، بعد أن أثبتت الأيام خطأ شخصنة المعارضة، لأن البلد في الواقع لا يحكمها شخص وحيد ستسهل السخرية منه في مهمة إطاحته، بل يحكمها نظام لتحالف جماعات المصالح، إن لم تتم إجادة فهمه والتعامل معه بعقلانية، ستظل البلاد تنتقل من سيئ إلى أسوأ.

مزاج شعبي

برغم الانتشار المدهش الذي حظيت به التدوينة، تنوعت ردود الأفعال عليها بشكل مثير للتأمل، بعض أنصار الرئيس المعتدلين رحبوا بها بوصفها ظهورًا لأصوات عاقلة واقعية في أوساط المعارضة حتى لو تأخر ذلك، أما أنصاره المتطرفين فاعتبروها تأكيدًا على هزيمة شاملة للطابور الخامس وفلول المؤامرة الأجنبية، كثير من أنصار التيارات الإسلامية اعتبروها استمرارًا في خيانة العلمانيين والليبراليين وكراهيتهم لكل ما هو إسلامي، أما آراء من يطلق عليهم لقب القوى الثورية والمدنية فقد انقسمت بين من يرى التدوينة نموذجًا يجب أن يحتذى في النقد الذاتي الذي يطالب به الجميع دون أن يمارسه أحد، وبين من هاجموها بشراسة واعتبروها حذلقة من شخص يتبع على الدوام منهج "خالف تعرف"، مستشهدين بتدوينات وتغريدات سابقة له كان يتهم فيها كل من يفكر بعقل بأنه إصلاحي جبان.

أصوات قليلة ابتعدت عن السجال الشخصي، واعتبر أصحابها أن مشكلتهم مع التدوينة أنها تخالف المنهج الذي يفترض أنها تدعو إليه، لأنه ليس من الواقعية ولا العقلانية في شيء، تجاهل أن الحكم على فعالية سخرية سياسية ما، يكون برصد مواقف السلطة وأنصارها إزاءه، وليس بعمل تقييم نقدي لجودة السخرية الفنية، وأن غضب السلطة المجنون من الفيديو يؤكد أهمية وفعالية توجيه النقد والسخرية نحو شخص الرئيس، لأن بقاءه محصنًا من السخرية أمر يهم نظام المصالح الذي تتحدث عنه التدوينة، التي تتصور أصلًا أن الخطاب الشعبي يمكن السيطرة عليه وتوجيهه، وتنسى أن السخرية من الرئيس بوصفه ببلحة يشبه وصف حاكم سابق بالاستبن وأسبق بالبقرة الضاحكة وأسبق بقوقه المجنون، مما يجعل تلك التسمية أمرًا يرتبط بالمزاج الشعبي الذي لو تمكن أحد من فهم تعقيده وتناقضاته، لكان بديهيًا أن يكون في موقع السلطة، بدلًا من أن يكون في موقع التنظير والجدل على فيسبوك.

"وتوالت الأحداث عاصفة"

أخذت الأمور منحنى غريبًا في تطورها، حين قام أشهر مذيعي التوك شو بقراءة مقاطع من التدوينة في برنامجه المسائي، واختار بالتحديد المقاطع التي تتحدث عن نجاح الرئيس في السيطرة على البلاد بشكل لم يتحقق منذ أيام عبد الناصر، بينما تواصل معارضته إفلاسها، خصوصا بعد انسحاب معارضيه من خوض الانتخابات الرئاسية بدلا من خوضها بشجاعة، ولم يفهم أحد من المشاهدين لماذا توقف المذيع فجأة عن قراءة التدوينة، ولا لماذا بدا عليه الارتباك الشديد، حتى أنه تم سماع أصداء لصوت عالٍ ينبعث من سماعة أذنه، ليخرج المذيع بعدها إلى فاصل قصير، مع أنه كان قد عاد قبل دقائق من فاصل إعلاني طويل، وحين عاد لم يكمل الحديث فيما كان بدأه، بل انتقل إلى فقرة استضاف فيها ممثلين لعدد من الجمعيات الشبابية، تحدثوا عن دورهم المرتقب لحشد الشباب للمشاركة في الانتخابات التي ستبدأ بعد أيام.

في اليوم التالي فهم الجميع سر ما حدث للمذيع الشهير، حين استدعته نيابة أمن الدولة العليا بتهمة الاشتراك في إهانة رئيس الجمهورية، وقررت حبسه أربعة أيام على ذمة التحقيق، وعلى عكس ما توقع الكثيرون لم يتحدث زملاؤه في برامج التوك شو عن ما حدث له، بما فيهم زوجته الإعلامية الشهيرة التي جاهدت عبثًا لإخفاء احتقانها، وهي تتحدث بانفعال عن أهمية المشاركة في المعركة المصيرية التي يراقبها العالم بأسره. في حين اشتعلت ساحات السوشيال ميديا بالبوستات والكوميكس والإفيهات والهاشتاجات التي كان اسم بلحة القاسم المشترك الأعظم فيها مع حضور لافت لمنافسه في الانتخابات الذي اعتمد الكثيرون له لقب "الخرونج"، وبدا أن قضية الأطفال الذين تعرضوا للاعتقال بعد فيديو زفة الموكب ستتوارى كغيرها من قضايا المعتقلين.

لكن القضية عادت إلى دائرة الاهتمام قبل الانتخابات بيومين، حين انتشر فيديو حزين سجلته أم أحد الأطفال التي حكت عن زيارتها لابنها في سجن الأحداث، ورؤيتها لآثار الضرب التي تعرض لها طفلها من الضباط الذين طلبوا منه أن يعترف أن والده هو الذي أجبره على ما فعله، ليسمحوا له بالخروج والعودة لحضن أمه. وزاد توتر الأجواء بعدها حين تم القبض على الأم، وتحدثت برامج التوك شو عن مؤامرة دولية متقنة تسعى لإفساد العرس الديمقراطي في ليلة الانتخابات، وأكد مذيعوها وضيوفها أن الرهان أصبح الآن على ذكاء الشعب ووعيه تجاه المؤامرة، وظهرت تسريبات نشرتها بعض الصحف الأجنبية أن سجن المذيع الشهير تم بقرار مباشر من الرئيس، الذي اعتبر أن مجرد ذكر اسم بلحة على الهواء إهانة مباشرة له لا ينبغي أن تمر أبدًا ولو كان حسن النية وراءها.

حديث من القلب

في ليلة الانتخابات زاد توتر الجميع، حين تحدى الرئيس فترة الصمت الانتخابي، وظهر فجأة في مؤتمر شبابي من المؤتمرات التي يحب أن يتحدث فيها بقفاه. كان الرئيس غاضبًا كما لم يشهده أحد من قبل، وقال في تداعياته إنه لولا خوفه من الله لترك للجميع الجمل بما حمل، لكنه لن يسمح لقوى الشر أن تشمت في البلاد، وأنه سيشكو جميع المواطنين إلى الله عز وجل إذا سمحوا أن تضيع بلادهم من أيديهم. كان واضحًا أن المؤتمر الانتخابي عُقد على عجل لتنفيس انفعالات الرئيس، لأن مداخلات المشاركين كانت في إطار التمجيد والمرهمة والتأييد والثناء على ردود أفعال المواطنين المقيمين في الخارج الذين انتخبوا القائد ليكمل مسيرته، ولم يتم تطعيم الجلسة كالعادة بأسئلة تناقش بعض الأزمات والقضايا. لكن كل شيء انفجر، حين خرج أحد الشباب السائلين عن النص، وقام ـ بحسن نية كما ادعى في التحقيقات التي لم تكن في صفه ـ بدعوة الرئيس إلى تذكير الشعب بأهم نقاط برنامجه الانتخابي الذي سيواصل مسيرته المظفرة في النجاح والإنجازات.

وقف الرئيس على غير العادة، واستدار ناظرًا بغضب إلى الجموع المتراصة خلفه، وقال بصوت هادر أنه ليس مرشحًا انتخابيًا يمكن من الأساس قبوله أو رفضه، بل هو رئيس مستدعى نزل الملايين إلى الشارع لتفويضه كي ينقذ البلاد، وأنه حمل روحه على كفه من أجل ألا يتم اغتصاب زوجاتهم وبيع أطفالهم وإخصاء رجالهم، وبالتالي فهو لا يعد بشيء ولا يخاف من شيء، وأنه كان صريحًا عندما قال للجميع في البداية إنه عذاب ومعاناة، وبالتالي فهو سيفعل أي شيء من أجل تصحيح أوضاع البلاد الكارثية، وأنه سيواصل حسم الملفات التي خشي سابقوه من الاقتراب منها، مثل دعم رغيف العيش والمواد البترولية ومجانية التعليم وقانون الإيجار القديم ونقل سكان العشوائيات والأحياء المسيئة لسمعة البلاد خارج نطاق المدن، وقال وهو ينظر في أعين وزير الدفاع وقادة أفرع القوات المسلحة إنه حين اتخذ قرارات مصيرية مثل تعويم العملة وخفض دعم البنزين وترسيم الحدود، كان يتلقى تحذيرات من بعض الأجهزة الأمنية تنبهه لخطورة ما يقوم به، لكنه كان يقول لهم إنه لا يخاف من شيء، طالما كان الله معه وطالما كان الجيش في ظهره وسندًا له، وأنه ليس لديه ما يقوله للمواطنين سوى أن يتوقفوا عن الكلام ويبدأوا العمل، وإلا فهم أحرار ومسؤولون أمام الله، ثم قام بالانصراف من القاعة وسط ذهول الجميع الذي غالبوه بالتصفيق لدقائق أمام شاشات التلفزيون.

رقصة رئاسية

منذ الساعات الأولى لأول أيام الانتخابات، لم يصدق أحد حين نقلت القنوات والمواقع الإلكترونية مشاهد تزاحم الناخبين بعشرات الآلاف أمام اللجان الانتخابية، في البدء ظن سيئو النية أن المشاهد معادة ومقتطعة من تغطية انتخابات سابقة، لكن مشهد الطوابير الانتخابية الممتدة والمكتظة، كان مختلفًا عن أي انتخابات شهدتها البلاد، باستثناء أن أحدًا لم يكن يرقص أمام اللجان هذه المرة، بل كان الجميع يشارك بجدية مصحوبة بالهدوء، ليتبارى معلقو وخبراء القنوات الفضائية في الإشادة بحكمة الشعب ووعيه وإحساسه بالخطر وهبته لإنقاذ بلاده في لحظات الجد.

في منتصف اليوم ظهر الرئيس في لجنة انتخابية قريبة من بيته، كان ضاحكًا ومستبشرًا، كأنه شخص مختلف تمامًا عمن رآه الناس بالأمس، وحين طلب منه مراسل القناة الأولى كلمة للمواطنين، علق على غياب الرقصات الشعبية المبهجة التي تعود عليها أبناء الشعب في أعراسهم الانتخابية، واختار سيدة خمسينية من العاملات في اللجنة، وقام بالرقص معها على أنغام أغنية وطنية للمطرب الخليجي الأول في البلاد، بطريقة سرعان ما أنتجت سيلًا جارفًا من الكوميكس والفيديوهات الساخرة والهاشتاجات.

نتائج المؤامرة

قبل أن تنتهي ساعات اليوم الانتخابي الأول، بدأت صور وفيديوهات عديدة تنتشر على السوشيال ميديا، تظهر بطاقات انتخابية قام أصحابها بالشطب على اسم الرئيس ومنافسه الشهير بالخرونج، وكتبوا بدلًا من ذلك بخط واضح اسم بلحة، لم يتوقع أحد أن يتجاوز عدد تلك الصور والفيديوهات الآلاف، ولم يخطر على بال أحد أن البلاد ستشهد مع نهاية اليوم الانتخابي أخطر وأغرب أزمة سياسية في تاريخها المعاصر. وحده الرئيس وقادة أجهزته الأمنية والسيادية باتوا يعلمون أن أرقام البطاقات الانتخابية التي كتب عليها اسم بلحة تجاوزت الخمسة مليون بطاقة في يوم واحد، بينما لم يحظ الرئيس بأكثر من مائة ألف بطاقة انتخابية تحمل اسمه، ولم يحظ منافسه الخرونج بأكثر من مائتي صوت.

في اجتماعهم السري العاجل اتفق الجميع أن رقمًا ضخمًا من المخربين والعابثين كهذا سيستحيل التعامل معه بإجراءات أمنية في وقت قصير، لذلك جرى الاتفاق على أن يتم القبض الفوري على أي مشتبه فيه أمام اللجان الانتخابية، مع تكثيف الحشد الإعلامي لدعوة الناخبين للمشاركة وألا يجعلهم الزحام على أبواب اللجان الانتخابية يتكاسلون عن المشاركة، لتكون المفاجأة أن كل من ذهبوا إلى اللجان الانتخابية في اليوم التالي لم يتجاوز المائة ألف مواطن في جميع أنحاء الجمهورية، أغلبهم قاموا بكتابة اسم بلحة، برغم أن الجميع كانوا يحملون صور الرئيس ويقومون بتقبيلها وهم يرقصون، ليصدر في نهاية اليوم الثاني قرار جمهوري بفرض غرامة فورية قدرها عشرون ألف جنيه على كل من يثبت تخلفه عن الانتخابات، على أن تقوم الشرطة بتحصيلها فورا والقبض على كل من يمتنع عن دفعها.

كما كان متوقعًا، حطمت طوابير اليوم الثالث والأخير الأرقام القياسية في المشاركة بشكل غير مسبوق في الشرق الأوسط، لكن التقارير التي كانت ترفع أولًا بأول إلى ديوان الرئاسة، كشفت عن انقسام البطاقات الانتخابية إلى قسمين، أكبرهما يحمل اسم بلحة، وثانيهما يحمل اسم المرشح الخرونج، وأن جميع أقسام الشرطة في أنحاء البلاد تمتلئ بمن ثبت ارتكابهم جريمة كتابة اسم بلحة على البطاقات الانتخابية، وأن هناك شبهات بوجود تواطؤ من أغلب المشرفين على اللجان الانتخابية لتسهيل كتابة الناخبين لاسم بلحة على البطاقات، وأن هناك مؤامرة دولية كبيرة لم تتضح تفاصيلها بعد، نتيجتها أنه لو تم التعامل مع البطاقات الانتخابية التي كتبت اسم بلحة على أنها أصوات باطلة ولاغية، سيكون الفوز من نصيب المنافس الخرونج بوصفه الحاصل على المركز الثاني في الأصوات بما يتجاوز مليون صوت.

ظروف غامضة

كان على الرئيس وأجهزته اتخاذ قرار سريع قبل البدء في فرز الأصوات، خاصة أن الأجهزة لجأت مع بداية اليوم الثاني للانتخابات إلى قطع الانترنت عن البلاد، بعد الإعلان عن قطع ثلاثة كوابل بحرية في ظروف غامضة، قال رئيس هيئة الاستعلامات إنها بالتأكيد جزء من المؤامرة الدولية المستمرة، في الوقت الذي تزايدت الضغوط الدولية لإعادة الإنترنت بعد تعطل الخدمات البنكية وانهيار البورصة، توقع الجميع إعلان الأحكام العرفية وإلغاء الانتخابات، خاصة بعد أن أذاع التليفزيون الحكومي تقارير عن قيام الرئيس بعقد اجتماع عاجل مع أسرته الممتدة التي قدمت من أكثر من محافظة، توجه بعده مع أسرته الصغيرة إلى جامع الحاكم بأمر الله لأداء صلاة الظهر، ثم إلى الجامع الأزهر لأداء صلاة العصر، ثم ذهبت الأسرة الرئاسية إلى نصب الجندي المجهول وقامت بوضع باقة من الزهور عليه، ثم قامت بزيارة قبر الملك فاروق وقبر الرئيس جمال عبد الناصر وقبر الرئيس أنور السادات وقبر السيد كمال الشاذلي وقبر الكاتب محمد حسنين هيكل وقبر الشيخ محمد متولي الشعراوي وقبر الدكتور مصطفى محمود وضريح الأغا خان وقصر الرئيس حسني مبارك ومسجد المشير محمد حسين طنطاوي وفيلا الدكتور كمال الجنزوري، وهي زيارات لم يفهم الناس مغزى إذاعة صور لها في نشرات الأخبار التي تم إصدار قرار بتعميمها على كافة وسائل الإعلام.

بعد يوم ونصف من الفرز الذي تم وسط إجراءات أمنية وعسكرية مشددة لم يسبق لها مثيل، عقدت اللجنة العليا للانتخابات مؤتمرًا صحفيًا دوليًا، أعلنت فيه نتائج فرز صناديق الانتخابات، والتي حصل فيها المرشح الخرونج على المركز الثاني بأصوات بلغت المليون ونصف مليون صوت، بينما حصل المرشح الرئاسي بلحة ـ هكذا تم نطق اسمه دون أي إضافات ـ على 35 مليون صوت محققًا رقمًا قياسيًا غير مسبوق في تاريخ المشاركات الانتخابية في الشرق الأوسط، وفي حين أصيب الملايين بالذهول لعدم انقطاع الإرسال عن المؤتمر الصحفي الذي ظن الكثيرون أنه تعرض لاختراق من قبل قوى معارضة، انتظر المؤيدون تدخل قوات الأمن لمداهمة المؤتمر والقبض على جميع من فيه.

زيارة إلى دار المحفوظات

كانت خدمة الإنترنت قد عادت للعمل قبلها بيوم، ومع ذلك لم تظهر هاشتاجات ولا بوستات ولا فيديوهات ساخرة ولا كوميكس، لأن الناس كانوا بحاجة إلى استيعاب ما يجري قبل التعليق عليه، وحين أدار الملايين مؤشرات التليفزيون نحو القنوات الأجنبية فوجئوا ببعض مراسليها يقولون أنه تم بشكل رسمي توزيع مجموعة من الأوراق والوثائق الرسمية عليهم تثبت أن بلحة كان الاسم الحقيقي لرئيس البلاد منذ ولادته، وأن هذه المعلومة الموثقة لم يكن يعرفها سوى المقربون منه والذين كانوا على اطلاع على شهاداته الرسمية المودعة في دار المحفوظات منذ عقود، وهو ما تأكد منه المراسلون بأنفسهم خلال زيارة سريعة نظمتها لهم الأجهزة الأمنية، وأن اسمه الذي عرفه به الناس في الفترة الأولى، ليس سوى اسم شهرة لا يعتد به قانونًا، وأن الرئيس قرر الاستغناء عنه رسميًا، ليكتفي بالاسم الذي اختار أهله وناسه أن ينادوه به منذ نعومة أظافره، وأنهم حين سجلوه في البطاقات الانتخابية، جعلوه بذلك الفائز الشرعي بالانتخابات والممثل الرسمي الوحيد للشعب الذي هو الباقي والمعلم والحارس السيد.

زادت صعوبة فهم ما يجري على الملايين الذين توالت عليهم التطورات كالصواعق، خصوصًا حين انضمت كل قنوات التلفزيون إلى بث موحد من داخل مجلس الشعب، حيث أعلن عن تأدية الرئيس الجديد لمراسم اليمين الدستورية في جلسة تاريخية يحضرها كبار رجال الدولة، ليفاجأ الملايين برئيس مجلس الشعب يعلن للمواطنين عن استقبال الرئيس الفائز في الانتخابات الرئاسية السيد بلحة رئيس الجمهورية والقائد الأعلى للقوات المسلحة، وفور دخوله القاعة وقف جميع أعضاء مجلس الشعب لتحيته بصحبة كبار رجالات الدولة ورؤساء الهيئات القضائية وقادة الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة وسفراء الدول العربية والأجنبية المعتمدين.

عهدًا جديدًا

وبعد أن قام بأداء اليمين الدستورية، ألقى خطاب ولايته الرئاسية الجديدة الذي تعهد فيه بمواصلة إنجازاته، وبعد أن أنهى الرئيس بلحة كلمته القصيرة والدافئة، قام السيد رئيس مجلس الشعب بمصافحته وأهداه مصحفًا مذهبًا ودرع مجلس الشعب، ثم طلب منه تقبل هدية بسيطة من الشعب الباقي المعلم الحارس السيد في مستهل فترة رئاسته الثانية، وهي قيام نواب الشعب بالموافقة على تعديل دستوري يلغي تقييد الفترات الرئاسية بفترتين، ويجعلها مفتوحة مدى حياة الرئيس، على أن ينص في المادة الجديدة على اسم بلحة بوصفه رئيس البلاد الدائم، ويترك لسيادته حق اختيار خليفته، دون الحاجة إلى انتخابات رئاسية، على أن يتم تخصيص موارد الانتخابات الرئاسية التي كانت تهدرها البلاد لإنشاء شبكة إنترنت وطنية جديدة، تراعي القيم والمبادئ والأخلاقيات وتحترم الدستور والقانون، يقوم بالإشراف اليومي عليها وتوجيه ما ينشر فيها مجلس الشورى الذي تقررت إعادته على الفور وتشكيله من ألف شاب اختارهم الرئيس بلحة بنفسه، على أن يكون نصفهم من أبناء كبار ضباط الجيش والشرطة ورجال القضاء مع تخصيص كوتة للفتيات والمحاربين القدامى وشيوخ الأقباط والشعراء الغنائيين وراقصي الطنبورة ومتحدّي الإعاقة.

تمت الموافقة على المواد الجديدة بالإجماع أثناء وقوف الحضور وتصفيقهم وزغاريد بعض السيدات وإغماء أغلب الرجال من شدة الفرح، وقبل أن يخرج الرئيس من القاعة تم إبلاغه بصدور قرار بالإجماع بإطلاق اسم بلحة على القاعة الرئيسية لمجلس الشعب وعلى شارع قصر العيني وعلى ميدان التحرير وكوبري ستة أكتوبر وقناة السويس بكافة تفريعاتها والسد العالي وبحيرة ناصر والمعهد القومي للأورام وصحيفة الأهرام والجامعة العمالية ومجلس الدولة ونفق الشهيد أحمد حمدي، على أن يتم تفويض كافة المحافظين في اختيار الشوارع والميادين والمؤسسات التي سيطلق عليها اسم بلحة في المحافظات والأقاليم، وبدأت البلاد عهدًا جديدًا، بدأ بفيديو عابث لأطفال منفلتين، قلب بجد عليهم وعلى الذين خلفوهم وعلى الشعب بأكمله.