تتجه الأنظار إلى مدينة جنيف السويسرية، الخميس المقبل، حيث من المقرر أن تنعقد جولة ثالثة من المفاوضات النووية بين الولايات المتحدة وإيران، في وقت تتعامل فيه عواصم غربية مع المحادثات باعتبارها الفرصة الأخيرة لتجنّب مواجهة عسكرية مباشرة، في ظل تصعيد غير مسبوق في الموقف الأمريكي على مستوى الحشد العسكري والتصريحات.
وبينما لم تسفر جولتان للمحادثات جمعتا واشنطن وطهران الشهر الجاري عن نتائج ملموسة، قال وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، أمس، إن بلاده التي تتولى دور الوساطة رتبت لجولة جديدة من المحادثات الأمريكية الإيرانية في جنيف، وسط مخاوف متزايدة من انزلاق الطرفين إلى صراع مفتوح.
ويأتي انعقاد الجولة المرتقبة بعد أيام من تحذير ترامب من أن "أشياء سيئة للغاية ستحدث" إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق ينهي النزاع الممتد منذ سنوات بشأن البرنامج النووي الإيراني، بالتوازي مع تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، ونشر مجموعتين من حاملات الطائرات وعشرات المقاتلات والقاذفات بالقرب من إيران.
وحسب ما نقلته وكالة رويترز، قدّمت طهران خلال الأيام الماضية تنازلات جديدة في محاولة لإنقاذ المسار الدبلوماسي، شريطة أن يتضمن أي اتفاق رفعًا فعليًا للعقوبات الاقتصادية والاعتراف بحق إيران في تخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية.
وتشمل هذه التنازلات، وفق المصادر التي لم تكشف عنها رويترز، تصدير نصف مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب إلى الخارج، مع خفض نسبة تخصيب النصف المتبقي، في خطوة تهدف إلى طمأنة الغرب دون التخلي الكامل عن البرنامج النووي.
كما أبدى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان تفاؤلًا حذرًا، معتبرًا أن الجولات الأخيرة "أسفرت عن مؤشرات مشجعة"، لكنه شدد، في الوقت ذاته، على استعداد بلاده "لكل السيناريوهات المحتملة".
وفي مقابل تفاؤل الرئيس الإيراني، يدفع نظيره الأمريكي دونالد ترامب بتعزيزات عسكرية متلاحقة إلى الشرق الأوسط، فيما تشير تقارير إعلامية أجنبية عن أن الضربة الأمريكية قادمة لا محالة لكن أين ومتى وما حجمها وطبيعتها هو ما لم يتحدد بعد.
وما يؤكد ذلك، تشديد المبعوث الخاص لترامب ستيف ويتكوف، على أن التوجيه الذي تلقّاه من الرئيس واضح "صفر تخصيب" هو النتيجة الوحيدة المقبولة لأي اتفاق، وذلك بعد أن أمهل طهران الأسبوع الماضي مدة 10 أيام إلى أسبوعين للتوصل إلى اتفاق.
وأثار ويتكوف جدلًا واسعًا عندما تساءل، في مقابلة مع قناة فوكس نيوز، عن سبب عدم "استسلام" إيران حتى الآن، رغم ما وصفه بـ"الضغط الهائل والقوة البحرية الضخمة" المحيطة بها، قبل أن يرد عليه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ببوست على إكس قال فيه "لأننا إيرانيون".
وبينما تُقدَّم مفاوضات الخميس المقبل على أنها محاولة أخيرة لاحتواء الأزمة، كشفت نيويورك تايمز عن أن ترامب أبلغ مستشاريه بأنه إذا فشلت الدبلوماسية أو ضربة أمريكية أولية محدودة في دفع إيران للتراجع، فإنه سيفكر في شن هجوم أوسع خلال الأشهر المقبلة، قد يستهدف إزاحة قادة النظام الإيراني، وعلى رأسهم المرشد الأعلى علي خامنئي.
ووفق الصحيفة، لم تُتخذ قرارات نهائية بعد، لكن ترامب يميل إلى تنفيذ ضربة استباقية في الأيام المقبلة، تهدف إلى إظهار جدية التهديد الأمريكي، وإجبار طهران على التخلي عن القدرة على تصنيع سلاح نووي.
وحسب الصحيفة الأمريكية، تشمل الأهداف قيد الدراسة مقارّ الحرس الثوري الإيراني، والمواقع النووية، ومنشآت برنامج الصواريخ الباليستية. غير أن شكوكًا واسعة تسود داخل الإدارة الأمريكية بشأن قدرة الضربات الجوية وحدها على تحقيق تغيير سلوك النظام أو إسقاطه.
وكشفت نيويورك تايمز أن ترامب ناقش خطط الضربات المحتملة خلال اجتماع في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، ضم نائب الرئيس جي دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ورئيس هيئة الأركان المشتركة دان كين، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف.
وخلال الاجتماع، ضغط ترامب على القادة العسكريين والاستخباراتيين لتقديم تقييم واضح للاستراتيجية تجاه إيران، إلا أن التحفظ كان سيد الموقف، إذ اكتفى كين بعرض القدرات العملياتية، بينما ركّز راتكليف على تقدير الموقف والنتائج المحتملة، دون تقديم تطمينات بشأن فرص النجاح.
وأشارت الصحيفة إلى أن الإدارة درست سابقًا خيارات بالغة الخطورة، من بينها نشر قوات عمليات خاصة على الأرض لتدمير منشآت نووية مدفونة عميقًا، لكنها أُرجأت بسبب المخاطر العالية واحتمال التورط في حرب طويلة الأمد.
وفي محاولة أخيرة لتفادي الانفجار، يجري بحث مقترح طرحه المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل جروسي، يسمح لإيران بتخصيب كميات ضئيلة للغاية من اليورانيوم لأغراض طبية وبحثية فقط.
وبموجب هذا السيناريو، يمكن لطهران القول إنها لم تتخلّ بالكامل عن التخصيب، بينما تستطيع واشنطن الادعاء بأن إيران أغلقت المسارات المؤدية إلى إنتاج سلاح نووي، لكن فرص قبول هذا الحل تبقى محدودة، في ظل تمسك ترامب العلني بسياسة "صفر تخصيب"، وتردد إيران في تقليص برنامج كلّفها مليارات الدولارات وأصبح رمزًا للسيادة الوطنية.
وإذا ما قررت واشنطن توجيه ضربة لطهران فإنها ستكون الموجة الثانية خلال أشهر قليلة، بعدما خاضت إسرائيل وإيران حربًا استمرت 12 يومًا في يونيو/حزيران الماضي، وشاركت فيها الولايات المتحدة بشن غارات جوية على إيران، قالت إنها بهدف "ردع طهران عن تطوير برنامجها النووي"، فيما ردت إيران على تلك الضربات الأمريكية بإطلاق صواريخ على قاعدة العديد الجوية الأمريكية في قطر، قبل أن يُعلن ترامب اتفاقًا لإنهاء الحرب.