تنطلق اليوم الثلاثاء في واشنطن جولة جديدة من المفاوضات لثلاث أيام بين لبنان وإسرائيل، وسط مؤشرات متزايدة على ضغوط أمريكية لإعادة ترتيب الوضع الأمني في جنوب لبنان، عبر توسيع انتشار الجيش اللبناني وتقليص هامش الحركة العسكرية الإسرائيلية، في إطار مسار أوسع للتهدئة الإقليمية تقوده واشنطن بعد اتفاقها الأخير مع طهران.
وتأتي الجولة الخامسة من المحادثات اللبنانية الإسرائيلية بينما تتراجع تدريجيًا حرية الحركة التي تمتعت بها إسرائيل في الجنوب اللبناني منذ اندلاع الحرب الأخيرة، إذ كشفت وسائل إعلام إسرائيلية وأمريكية عن تعليمات جديدة صدرت لجيش الاحتلال الإسرائيلي تقصر عملياته على مواجهة التهديدات المباشرة، وتُلزم الوحدات الميدانية بالحصول على موافقات من رئيس الأركان قبل تنفيذ عمليات هجومية أو تفجير منشآت وبنى تحتية لبنانية.
ورغم نفي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس وجود أي تغيير في قواعد الاشتباك، فإن تسريبات من داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تشير إلى أن واشنطن أبلغت تل أبيب عمليًا بانتهاء مرحلة "العمل دون قيود" داخل لبنان، وهو ما انعكس في التوجيهات العملياتية الجديدة وفي جدول المفاوضات الجارية مع الجانب اللبناني.
انسحاب إسرائيلي ونزع سلاح حزب الله
وحسبما نقلت مونت كارلو الفرنسية عن مصدر إسرائيلي لم تسمه، تحمل تل أبيب إلى واشنطن خرائط لمناطق جنوب نهر الليطاني وجنوب ما يُعرف بالخط الأصفر، يجري بحث انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية منها، مقابل انتشار الجيش اللبناني بإشراف أمريكي وآليات مراقبة دولية، في خطوة توصف بأنها اختبار أولي لإمكانية الانتقال إلى ترتيبات أمنية أكثر استقرارًا على الحدود.
ويبدو أن جوهر المفاوضات الحالية لا يقتصر على وقف إطلاق النار، بل يمتد إلى رسم معادلة أمنية جديدة في الجنوب اللبناني، يكون فيها الجيش اللبناني الطرف المسؤول عن الأمن الميداني، بينما يُدفع حزب الله تدريجيًا إلى الخلف، سواء عبر الحد من نشاطه العسكري أو من خلال آليات رقابة وتحقق دولية يجري العمل على بلورتها.
يُؤكد ذلك حديث نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس في مؤتمر صحفي أمس، عن أن رغبة الولايات المتحدة في وقف إطلاق النار في المنطقة، مشيرًا إلى أن واشنطن تضع آلية لنزع سلاح حزب الله اللبناني، موضحًا أن "الوضع في لبنان سيكون موضع نقاش مستمر، نضع آلية لنزع سلاح حزب الله"، مردفًا "حريصون على أمن إسرائيل وسيادة لبنان، والمطلوب من إيران كبح جماح حزب الله".
في المقابل، ترفض قيادة حزب الله أي ترتيبات تُبقي القوات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية أو تنتقص من دور المقاومة، وتربط استمرار التهدئة بانسحاب إسرائيل الكامل من المناطق التي تسيطر عليها.
لبنان في قلب التفاهم الأمريكي الإيراني
التحرك الأمريكي فيما يخص لبنان لا يمكن فصله عن الاتفاق الأوسع الذي وقعته واشنطن وطهران مؤخرًا لإنهاء الحرب بينهما، والذي نص ضمن بنوده على وقف العمليات العسكرية في جميع الجبهات المرتبطة بالصراع، بما فيها لبنان.
فاستمرار الاشتباكات بين إسرائيل وحزب الله خلال الأيام التي أعقبت توقيع مذكرة التفاهم أثار قلقًا لدى الوسطاء، ودفع إيران إلى التلويح مجددًا بورقة مضيق هرمز، معتبرة أن أي خرق لبند وقف العمليات العسكرية يقوض أساس الاتفاق بأكمله.
وفي محاولة لمنع انهيار التفاهم الأمريكي الإيراني، أعلنت قطر وباكستان الوسيطتان، الاتفاق على إنشاء آلية أو "خلية لإدارة النزاعات" خاصة بالملف اللبناني، بهدف مراقبة الالتزام بوقف إطلاق النار ومنع انزلاق الأوضاع مجددًا نحو مواجهة واسعة.
تكشف هذه المتغيرات تباينًا متزايدًا بين الرؤية الأمريكية والإسرائيلية لمستقبل الجنوب اللبناني.
فبينما تنظر إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الملف اللبناني باعتباره جزءًا من حزمة أوسع تشمل البرنامج النووي الإيراني وأمن الملاحة في الخليج وأسعار الطاقة العالمية، تركز إسرائيل على الاعتبارات الأمنية المباشرة وترفض أي انسحاب قد يُفسَّر داخليًا على أنه انتصار لحزب الله.
ولهذا يواصل نتنياهو التأكيد أن جيش الاحتلال الإسرائيلي سيبقى في "المنطقة الأمنية" جنوب لبنان طالما اقتضت الحاجة، في حين تتحدث تقارير إسرائيلية عن احتمال مطالبة واشنطن لتل أبيب بالانسحاب التدريجي من بعض المناطق كإجراء لبناء الثقة وتمكين الجيش اللبناني من تولي مسؤولياته.
وتخشى الحكومة الإسرائيلية أن يؤدي تقليص وجودها العسكري إلى منح حزب الله فرصة لإعادة تنظيم صفوفه، بينما تراهن الولايات المتحدة على أن تعزيز دور الجيش اللبناني وإنشاء آليات رقابة جديدة قد يوفران بديلًا أكثر استدامة من الاحتلال العسكري المباشر.
لذلك قد تشكل جولة واشنطن الحالية أول اختبار فعلي لقدرة التفاهم الأمريكي الإيراني على الصمود، خاصة إذا نجحت في إنتاج ترتيبات أمنية مقبولة للطرفين على الحدود اللبنانية الإسرائيلية.