تصميم أحمد بلال، المنصة
التفوق العسكري الساحق لأمريكا وإسرائيل لا يكفي لحسم الصراع والتوازن الاستراتيجي لا يعتمد على القوة وحدها.

من إغلاق "هرمز" إلى اتفاق جنيف.. هل ربحت أمريكا الحرب؟

منشور الأربعاء 17 حزيران/يونيو 2026

"يمكنك بدء الحرب متى شئت، لكن لا يمكنك إنهاءها متى شئت".

تنطبق مقولة الكاتب والدبلوماسي الإيطالي نيكولو مكيافيلي على نهاية العدوان الأمريكي الذي استغلته طهران في تحقيق مكاسب كبيرة، بينما اضطرت واشنطن لقبول العديد من الشروط الإيرانية من أجل الخروج بأقل الخسائر.

بعد أكثر من ثلاثة أشهر على بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران نهاية فبراير/شباط الماضي، توصلت طهران وواشنطن إلى مسودة اتفاق من المقرر توقيعه الجمعة المقبل في جنيف، لينتهي نزيف الخسائر التي طالت العديد من دول المنطقة والعالم.

لم تعطِ إيران ترامب أي فرصة لتحقيق وعوده المتكررة لإنهاء الحرب، وامتنعت عن بعض جولات التفاوض، لتكتب بنفسها موعد توقيع الاتفاق في 19 يونيو/حزيران الحالي، حسبما يقول رخا أحمد حسن مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق لـ المنصة، مرجعًا السبب إلى الصمود الإيراني وقدرته على تصدير الأزمات لترامب عبر الضغوط الدولية من أجل فتح المضيق.

تراجع أمريكي ونصر إيراني

لم يعلن الخصمان النص الكامل للاتفاق إلا أن التسريبات عكست تباينًا واضحًا في الصورة التي يقدمها كل طرف.

وزّعت طهران عبر إعلامها مذكرة تفاهم مفصّلة من أربع عشرة نقطة، تبرز فيها مكاسبها من إنهاء الحرب. وفقًا للرواية الإيرانية، تشمل المسودة وقفًا فوريًا لإطلاق النار على جميع الجبهات بما فيها لبنان، إلى جانب التزام أمريكي بعدم التدخل في الشؤون الداخلية الإيرانية. وفي غضون ثلاثين يومًا، يتعين على واشنطن سحب قواتها من المناطق المحيطة بإيران، ورفع الحصار البحري، وإعادة فتح المضيق وفق ترتيبات تحددها طهران.

وتتسم الأبعاد الاقتصادية لمذكرة التفاهم، وفقًا للرواية الايرانية، بطموح لافت؛ إذ تتطرق إلى تعليق العقوبات المفروضة على مبيعات النفط والبتروكيماويات، فضلًا عن خطة إعادة إعمار بثلاثمائة مليار دولار تمولها الولايات المتحدة وحلفاؤها، إضافة إلى الإفراج عن أربعة وعشرين مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة خلال الستين يومًا المخصصة للتفاوض، على أن يُتاح نصفها قبل انطلاق المفاوضات. وخلال هذه المرحلة، تُجدد إيران التزامها بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، مع اشتراط عدم فرض عقوبات جديدة طوال فترة المباحثات.

غير أن التناقضات بين الموقفين الإيراني والأمريكي تهدد الوصول لأي اتفاق نهائي يوم الجمعة. فبينما تتحدث طهران عن إعادة فتح مضيق هرمز في غضون ثلاثين يومًا وفق ترتيباتها التي قد تشمل الرقابة والتفتيش وتدابير أمنية أو رسوم عبور، تصرّ واشنطن على الفتح الفوري دون قيود أو رسوم، وتطالب بإزالة إيران فورًا للألغام البحرية.

وخلال مقابلة مع CNBC، توقع جي دي فانس نائب الرئيس الأمريكي فتح هرمز أمام الملاحة من دون رسوم على المدى البعيد، على أن يُحسم ذلك خلال المفاوضات التقنية، بينما أفادت وسائل إعلام رسمية إيرانية بأن المضيق قد يشهد عبورًا مجانيًا لمدة 60 يومًا فقط.

وبينما تشترط طهران إلغاء العقوبات كليًا، مع تعليقها قبل التفاوض، والإفراج عن اثني عشر مليار دولار من الأموال المجمدة قبل بدء المفاوضات النووية، أعلن ترامب صراحةً أن رفع العقوبات ليس مطروحًا في المرحلة الأولى، وأن أي تخفيف مرهون بالتزام إيران وبجداول زمنية تدريجية وبتقديم تنازلات.

يُضاف إلى ذلك حديث النص الإيراني عن عدم "إنتاج" أسلحة نووية باعتباره التزامًا بمعاهدة عدم الانتشار، بينما يدّعي ترامب أن إيران ملزمة بتفكيك موادها النووية وتدميرها عبر تخفيف تخصيب اليورانيوم عالي التخصيب تحت إشراف أممي، وهو بند لا وجود له في المسودة الإيرانية.

وفي هذا السياق، وفي ظل تعارض تصريحات ترامب مع المسودة، تبقى الكثير من الأطراف الإيرانية قلقة من قدرة الاتفاق على الصمود، ولهذا ستسعى طهران للحصول على تصديق من مجلس الأمن على الاتفاق النهائي مع الولايات المتحدة وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي في مؤتمره الصحفي الأسبوعي أن بلاده "استخلصت عبرا من التجارب السابقة" مع الولايات المتحدة.

الأهداف الأمريكية من الحرب.. تتهاوى

عند بداية الحرب، أعلنت الولايات المتحدة وإسرائيل مجموعة من الأهداف الطموحة، بدءًا من إسقاط النظام الإيراني وتدمير سلاح الجو والبحرية، وحتى وأد البرنامج النووي. فما الذي تحقق؟

يعتبر الأستاذ الزائر بحلف الناتو والأكاديمية العسكرية الملكية ببروكسل اللواء دكتور سيد غنيم، طهرانَ أكبر المستفيدين من البنود المُسربة. "تضمنت المسودة الإيرانية إقرارًا أمريكيًا بإمكانية بقاء اليورانيوم المُخصب والمنشآت النووية في إيران دون نقله إلى أي دولة أخرى، وهو تراجعًا أمريكيًا عن مطلب التخلص منه ونقله إلى واشنطن. كما أن المسودة لم تتضمن إشارة للبرنامج الصاروخي الذي تعتبره إسرائيل تهديدًا مباشرًا، وكان هدفًا للحرب في بدايتها"، حسبما قال غنيم لـ المنصة.

لكن نائب الرئيس الأمريكي قال الاثنين الماضي إن إيران "لن تمتلك سلاحًا نوويًا أبدًا"، وأنها إذا التزمت التزامًا طويل الأمد بعدم إعادة بناء برنامجها النووي فسيكون مرحبًا بها في الاقتصاد العالمي، "أما إذا حاولت إعادة بناء البرنامج النووي فلن تكون لديها الموارد اللازمة للقيام بذلك أبدًا"، واصفًا ذلك بالـ"موقف الرابح للشعب الأمريكي في الحالتين". وأكد فانس أن النظر للاتفاق من زاويةِ ما ستحصل عليه إيران دون النظر لما ستقدمه في المقابل، هو أمر مخل ولا يعطي الجانب الأمريكي حقه.

يعتبر مساعد وزير الخارجية الأسبق أن التسريبات عن مذكرة التفاهم والطريقة التي تدافع بها الإدارة الأمريكية عنها تعكس اهتزازًا كبيرًا لصورة الولايات المتحدة بعدما فشلت في تحقيق أهدافها المُعلنة، فضلًا عن عدم قدرتها على حماية دول الخليج التي استغلت أرضها وقواعدها لتوجيه الضربات.

مكاسب أمريكا.. العودة لما قبل الحرب

يرى غنيم أن المكاسب الأمريكية تنحصر في استقرار سوق النفط والملاحة بفتح المضيق بعدما تسببت الهجمات الإيرانية في إغلاقه، وهو الذي أكده ماثيو ميلر، الذي كان يشغل منصب المتحدث باسم الخارجية في إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، بقوله إن ترامب قدّم تنازلات مهمة لإيران من أجل العودة إلى الوضع الذي ​كان موجودًا قبل الحرب، حسبما نقلت رويترز عنه أول أمس الاثنين.

"ليست لدينا أي ضمانات بتسوية البرنامج النووي يومًا ما، لكن إيران أظهرت للعالم أنها تستطيع احتجاز الاقتصاد العالمي رهينة والحصول على شيء من الولايات المتحدة في المقابل"، أضاف ميلر.

يرى محرر الشؤون الدولية في BBC جيريمي بوين، أن الاتفاق بمثابة نفَسَ ارتياحٍ ظلّ محبوسًا في نفوس الذين قلبتْ الحربُ حياتهم رأسًا على عقب، واصفًا العدوان الأمريكي بأنه "أسوأ خطأ ارتكبه ترامب على صعيد السياسة الخارجية حتى الآن".

يمثل الخروج القوي لإيران خسارة للولايات المتحدة أمام حلفائها في الخليج بعدما برزت هشاشة المنظومة الأمنية التي قادتها واشنطن منذ تسعينيات القرن الماضي، ما دفع عواصم الخليج إلى إعادة تعريف استراتيجياتها الأمنية والدبلوماسية، والبحث عن بدائل أخرى.

المكسب الوحيد لدول الخليج من الاتفاق، حسب غنيم، أنها ستنعم بفترة هدوء ولو قصيرة من الضربات الإيرانية المتلاحقة، لكنه يتساءل عن مدى إمكانية مشاركتها في إعادة إعمار إيران باعتبارها دول صديقة للولايات المتحدة، وهنا قد تكون دول الخليج دفعت ثمن الحرب مرتين.

وفيما يخص الحديث عن إنشاء صندوق تعويضات بـ300 مليار دولار، أكد ترامب أن بلاده لن تدفع أي أموال لإيران، ونشر على تروث سوشيال "على عكس مئات المليارات من الدولارات التي دفعها أوباما لهم، بما في ذلك 1.7 مليار دولار نقدًا، لن يتم تبادل أي أموال في هذا الاتفاق".

وكشف مصدر مطّلع على تفاصيل الاتفاق لرويترز أن صندوقًا استثماريًا خاصًا بقيمة ثلاثمائة مليار دولار، مُصمَّمًا لتحفيز تدفق الاستثمارات نحو إيران، جرى النص عليه في إطار الاتفاق الأمريكي-الإيراني، مؤكدًا أن أكثر من نصف هذا المبلغ بات موضع تعهد فعلي من جهات لم يسمها.

وأوضح المصدر ذاته أن الهدف من هذا الصندوق هو منح الطرفين حافزًا اقتصاديًا لإنهاء الحرب.

إسرائيل أكبر الخاسرين

بينما تقدم الولايات المتحدة وقف الحرب باعتباره إنجاز طال انتظاره، ترفض إسرائيل الاتفاق جملة وتفصيلًا وتعتبره غير ملزم لها. وتؤكد أن الصيغة الحالية تطلق يد إيران في الشرق الأوسط، خصوصًا فيما يتعلق بالبرنامج النووي، وتُصر على استكمال عملياتها العسكرية في لبنان، والضاحية الجنوبية على وجه الخصوص.

تُشير البنود المُسربة إلى وقف إطلاق النار بما يتضمن العدوان الإسرائيلي على لبنان، وتقضي بانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة في الجنوب، وهو ما يسبب خلافًا بين ترامب ونتنياهو.

وانتقد ترامب أثناء اجتماعات قمة مجموعة السبع في فرنسا الممارسات العسكرية الإسرائيلية في لبنان لاستهداف مقاتلي حزب الله، قائلًا "ليس من الضروري قصف مبانٍ سكنية بأكملها لملاحقة المقاتلين"، كما عبر خلال الأيام ‌الماضية عن استيائه من الهجمات الإسرائيلية على بيروت قائلًا "كان من الممكن أن تهدد التوصل لاتفاق ‌مع إيران".

خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام الكونجرس الأمريكي، 24 يوليو 2024

يرى غنيم إن الموقف الإسرائيلي غير مفاجئ، خاصة مع حرصها على التوسع في المنطقة والتخلص من التهديد الإيراني وبرنامجيها النووي والصاروخي، مشيرًا إلى أن إسرائيل لن تلتزم بالاتفاق حتى لو وقعت عليه، وستستند لاتفاقية الأمن القومي 2019 لضرب "أي تهديد لأمنها" وبالتالي خرق الاتفاق.

فيما يُقدِّر مساعد وزير الخارجية الأسبق أن إسرائيل بإمكانها توجيه ضربات لحزب الله في لبنان، لكنها لا تستطيع بأي شكل الدخول في مواجهة مع إيران بدون دعم أمريكي، ما يتيح لترامب فرصة في الضغط على نتنياهو.

الفجوة بين ترامب ونتنياهو

توقّع رخا أحمد حسن اتساع الفجوة بين ترامب ونتنياهو في الأيام المقبلة، بعد تحذير الرئيس الأمريكي لرئيس الوزراء الإسرائيلي من أن إسرائيل ستقاتل بمفردها إذا رفضت التهدئة.

يشير حسن إلى أنه حال اشتد الخلاف بين الحليفين فإنه سيضعف موقف نتنياهو داخليًا وبالتالي يؤثر على فرصه في الانتخابات.

وفيما يلزم الاتفاق أمريكا بوقف العدوان الإسرائيلي على جميع الجبهات، يجبر إيران على فض الاشتباك وإلزام حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن والحشد الشعبي في العراق بعدم مهاجمة إسرائيل. يشير حسن إلى أن أمريكا ستسعى خلال المفاوضات لتقييد تسليح إيران لتلك الجماعات، مستبعدًا حدوث ذلك فعليا بسبب الارتباط العقائدي، وخصوصًا حزب الله.

"عملياتنا جزء من معادلة وحدة الساحات والقرارات، وتتخذ بشكل منسق مع بقية الساحات، وهدفها حماية المنطقة بالكامل أمام أطماع العدو الإسرائيلي الذي يعلن سعيه لما يسميه الشرق الأوسط الجديد وإقامة ما يطلق عليه إسرائيل الكبرى"، يؤكد نصر الدين عامر، أحد مسؤولي الإعلام في جماعة الحوثي اليمنية لـ المنصة.

ويضيف عامر "هذا التهديد لا يستثني بلدنا اليمن. هذا واضح للجميع. ولذلك نحن نقوم بواجبنا طاعةً لله والتزامًا بتوجيهاته وندافع عن بلادنا وشعبنا وأمتنا".

واعتبر موقع أكسيوس الأمريكي أن الاتفاق لا يزال يواجه سلسلة من الأسئلة الجوهرية التي ستحدد ما إذا كان سيتحول إلى تسوية دائمة أم إلى هدنة تنهار خلال أسابيع.

حسب البنود المسربة، تميل كفة النصر لصالح إيران، بينما تبذل أمريكا جهودًا جبارة لتبييض صورتها والخروج بمظهر المنتصر. رغم ذلك، فإن الإجابة الحاسمة على "سؤال المنتصر" ستتضح الجمعة من خلال النص الكامل للاتفاق خلال اجتماع فانس والمبعوثَين الأمريكيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، والوسطاء الباكستانيين والقطريين.