بعد "مدى مصر" و"متصدقش".. الاتحاد الأوروبي يطالب مصر بحماية الإعلام المستقل
دعا الاتحاد الأوروبي، السلطات المصرية، للحفاظ على وسائل الإعلام المستقلة، معتبرًا حمايتها أمرًا "أساسيًّا" يتسق مع الالتزام المشترك بقيم الديمقراطية، وسيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان.
وأصدر الاتحاد بيانًا اليوم الخميس حمل اسم المتحدث باسم الشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، أنور العوني، شدد فيه على أن حرية التعبير تمثل "حقًا أساسيًّا لكل من الاتحاد الأوروبي ومصر"، وذلك في أعقاب الحكم الصادر قبل يومين بإغلاق موقع "مدى مصر" المستقل، في الوقت الذي تقيد فيه حرية 6 صحفيين من منصة "متصدقش" للتحقق من الأخبار.
استند البيان الأوروبي إلى الإطارين الرئيسيين الحاكمين للعلاقات مع القاهرة، مشيرًا إلى أن كلًا من اتفاقية المشاركة والشراكة الاستراتيجية والشاملة يفرضان "التزامًا مشتركًا بالقيم العالمية للديمقراطية، وسيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية".
كما أشار إلى أن الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان في مصر تسعى لتعزيز ثقافة التعددية وتنوع الآراء، وأن القوانين المصرية تقر بالحق في حرية الرأي والتعبير، مضيفًا أنه "على ضوء ذلك، فإن الحفاظ على وسائل الإعلام المستقلة وحمايتها يعد أمرًا أساسيًا".
وبينما تطرق بيان الاتحاد الأوروبي إلى واقعتي توقيف طاقم تحرير منصة "متصدقش" وإدانة رئيسة تحرير "مدى مصر"، فإنه لم يطالب بالإفراج عنهم أو إلغاء الحكم القضائي، ولم يدعُ إلى اتخاذ أي خطوة محددة من جانب السلطات المصرية.
ودخلت اتفاقية الشراكة الأورومتوسطية حيز التنفيذ في يونيو/حزيران 2004 وتشكل الأساس القانوني للعلاقات بين الجانبين. وفي 17 مارس/آذار 2024، وقع الطرفان إعلانًا مشتركًا لإطلاق الشراكة الاستراتيجية والشاملة، أرفقها الاتحاد بحزمة دعم مالي تبلغ 7.4 مليار يورو للفترة 2024-2027، وتتضمن 5 مليارات يورو في هيئة قروض ميسرة، و1.8 مليار يورو استثمارات إضافية، و600 مليون يورو في صورة منح، بينما أطلقت الحكومة المصرية استراتيجيتها الوطنية لحقوق الإنسان في عام 2021.
تغريم وإغلاق ومصادرة
وقضت محكمة جنح القاهرة الجديدة، يوم الثلاثاء الماضي، بتغريم لينا عطا الله 3 ملايين جنيه مصري في أولى جلسات المحاكمة، بتهمة إدارة موقع إلكتروني دون ترخيص. كما أمرت بإغلاق الموقع ومصادرة معداته، وهي العقوبة القصوى المنصوص عليها في قانون تنظيم الصحافة والإعلام.
ووفقًا لهيئة الدفاع، مُنع ممثلون عن الاتحاد الأوروبي ودبلوماسيين من ألمانيا وفرنسا والنمسا والدنمارك وإسبانيا وبلجيكا والسويد، إلى جانب مبعوثين من بريطانيا وكندا والنرويج وسويسرا، من حضور الجلسة.
وفي نفس يوم صدور الحكم على لينا عطا الله، قررت نيابة أمن الدولة العليا تجديد حبس ستة من صحفيي منصة "متصدقش" لمدة 15 يوماً على ذمة القضية رقم 8083 لسنة 2026، وهم: محمد أشرف، وعبد الله قدري، وإسلام بركات، وعمر هلال، ومحمد عادل، ومحمد محمود، والذين يمثلون كامل الفريق التحريري للمنصة.
"القومي لحقوق الإنسان" على خط توفيق الأوضاع
على صعيد متصل، أكد المجلس القومي لحقوق الإنسان أنه استعرض أزمة المواقع الإلكترونية الساعية إلى توفيق أوضاعها، وذلك في اجتماعه الشهري الذي عقد أمس الأربعاء، وتناول أبرز المستجدات المتعلقة بحالة حقوق الإنسان في مصر.
وأعلن المجلس في بيان نشره اليوم الخميس على منصاته بالسوشيال ميديا، خلا من أي إشارة إلى "مدى مصر" أو "متصدقش"، اعتزامَه "مواصلة التشاور مع الجهات الرسمية المعنية، ومن بينها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ونقابة الصحفيين، بهدف بحث سبل معالجة هذه المسألة للاسهام فى التوصل إلى حلول مناسبة".
وسبق أن أعلن نقيب الصحفيين خالد البلشي أن النقابة تعكف على إعداد مسار طعن قانوني ضد الحكم، لافتًا إلى أن وتيرة الإجراءات السريعة تثير تساؤلات جدية بشأن منح الدفاع الفرصة الكافية لتقديم مرافعته.
ودعا البلشي في بيان نشره على صفحته بفيس بوك بعد ساعات من صدور الحكم على لينا عطالله لإرساء قواعد ترخيص شفافة تطبق بالمساواة على جميع المنصات، مع ضرورة وقف الملاحقات القضائية بتهمة العمل دون ترخيص، ورفع الحجب عن المواقع الإخبارية، وبدء حوار مؤسسي مع النقابة بشأن منظومة التراخيص، معتبرًا أن هذه القضية يجب أن تكون "جرس إنذار للجميع"، ومحذرًا من أنها تبعث برسائل تتناقض مع مخرجات لجان الحوار الوطني وتطوير الإعلام الرامية إلى رفع القيود عن العمل الصحفي.
إدانات دولية وحقوقية وحزبية واسعة
قوبل الحكم بحق لينا عطا الله بموجة تنديد حقوقية ودولية واسعة؛ إذ اعتبرته منظمات، من بينها العفو الدولية وحماية الصحفيين والمراسلون بلا حدود والاتحاد الدولي للصحفيين، "ضربة قاصمة" ومسعى لتفكيك الإعلام المستقل وملاحقة كوادره، مطالبة بإلغائه ووقف الإغلاق والإفراج عن المحتجزين، كما وصفه النائب الديمقراطي الأمريكي دون باير بأنه "تصعيد خطير"، وطالب السلطات المصرية بالتراجع عنه.
وأعربت لجنة حماية الصحفيين/CPJ عن غضبها إزاء الحكم، مطالبة بإلغائه وإنهاء الحملة المتصاعدة ضد الصحافة المستقلة. واعتبرت سارة قداح، المديرة الإقليمية للجنة، أن الحكم "ضربة مدمرة لحرية الصحافة في مصر، ورسالة مباشرة تهدف إلى تفكيك الإعلام المستقل في البلاد".
وأدانت أحزابٌ معارضةٌ الحكمَ، وقال الحزب المصري الديمقراطي في بيان له أمس الأربعاء إنه يتابع بقلق بالغ الحكم الصادر بحق لينا عطا الله، مشددًا على أن القضية لا تخص صحفية أو مؤسسة بعينها، بل تطرح سؤالًا جوهريًا حول مستقبل حرية الصحافة في مصر، وحدود العلاقة بين تنظيم العمل الإعلامي وضمان استقلاله.
ورأى الحزب أن أي خلاف حول إجراءات الترخيص أو استيفاء المتطلبات القانونية يجب أن يُعالج عبر مسارات إدارية وقانونية واضحة وشفافة تكفل حق الاستكمال والتظلم والطعن، دون التوسع في المساءلة الجنائية في مسائل تُحسم بالآليات المختصة و تطبق علي الجميع دون تمييز و هو ما يتسق تماماً مع النصوص الدستورية التي تكفل حرية الصحافة.
بدوره أعلن حزب الدستور في بيان له أمس الأربعاء تضامنه مع لينا عطا الله، ورفضه إغلاق موقع مدى مصر، مطالبًا بمراجعة آثار الحكم عبر المسارات القانونية المتاحة، وإعادة النظر في التشريعات والممارسات التي تقيد حرية العمل الصحفي، بما يضمن للصحفيين والإعلاميين أداء رسالتهم دون خوف أو ترهيب، ويجعل من الدعوات إلى احترام الدستور وتوسيع المجال العام واقعًا ملموسًا.
وتضامن حزب العيش والحرية (تحت التأسيس) مع صحفيي موقع «مدى مصر» ورئيسة تحريره، معتبرًا الحكم بإغلاق الموقع امتدادًا لما جرى مع منصة «متصدقش»، التي تعرض كامل فريق تحريرها للاعتقال، في سياق يضيّق المساحة المتاحة للعمل الصحفي المستقل، ويضع المؤسسات والعاملين فيها أمام تهديدات تمس حقهم في العمل، وحق المجتمع في المعرفة والوصول إلى الحقائق.