تصميم شريف سليمان، المنصة
تفاقم الديون

لماذا يتصدر الحديث عن مبادلة الديون تصريحات مدبولي؟

منشور الخميس 8 كانون الثاني/يناير 2026

وجدت الحكومة في إبرام صفقات مثل رأس الحكمة حلًا سريعًا لأزمة تفاقم الديون الخارجية، فانتهجت سياسة تخصيص الأراضي للاستثمار الخليجي وتخصيص عوائدها لسداد الالتزامات التي لا تزال متفاقمة، ما يدفع للبحث عن طرق أخرى لدرء عبء الديون.

خلال الأسابيع الأخيرة كرر رئيس الوزراء مصطفى مدبولي تصريحاته حول آلية مبادلة الديون؛ هذا النوع من الاتفاقات التي كانت تتولاها وزارة التعاون الدولي منذ سنوات، لكنها لم تلق اهتمامًا كبيرًا بسبب محدودية الاتفاقات التي وُقعّت، والتي لم تتجاوز بضع مئات من الملايين، في مقابل دين خارجي بأكثر من 160 مليار دولار.

يظهر من التصريحات الرسمية، وما أكدته لنا مصادر من وزارة التعاون الدولي، أن الحكومة تستهدف التوسع في هذه الاتفاقات خلال الفترة المقبلة بما يعزز من دورها في تخفيف الديون، وإن أشار خبراء إلى أن افتقاد الاتفاقات السابقة للشفافية يحول دون الحكم على جدوى أثرها المالي والتنموي.

الصين طرف جديد في المعادلة

بالكاد اقترب حجم الديون التي بادلتها مصر مع شركاء دوليين خلال السنوات السابقة من المليار دولار؛ هذا المبلغ المحدود تراكم عبر عقود من الاتفاقات التي أبرمت مع شركاء أوروبيين بالأساس منذ 2001.

من فعاليات مؤتمر المناخ بشرم الشيخ 2022

هذا رغم ما حظيت به اتفاقات مبادلة الديون من دعم قوي من الدولة المصرية مع إطلاق وزارة التعاون الدولي بدءًا من 2022 برنامجًا تحت اسم نوفي في العام الذي استضافت فيه مصر مؤتمر COP-27، المعني بقضايا المناخ العالمي، الذي كان مناسبة سانحة للترويج لمبادلة الديون بتمويلات تدعم الأنشطة الصديقة للبيئة في مصر، وهو ما لم يثمر عن اتفاقات ضخمة لمبادلة الديون، إذ انحصرت الآلية في اتفاقات محدودة مع الأوروبيين، ألمانيا على الأخص.

لكن خلال السنوات الأخيرة برزت الصين شريكًا جديدًا للمبادلة.

ويكشف مصدر مطلع على ملف مبادلة الديون بوزارة التعاون الدولي لـ المنصة أنهم يستهدفون تحويل جزء من الديون المستحقة للصين، والمقدّرة بنحو 8 مليارات دولار، إلى تمويل محلي بالجنيه المصري لمشروعات تنموية ذات أولوية، بما يسهم في تخفيف الضغوط على النقد الأجنبي ويعزز مسار التنمية المستدامة.

بالفعل بدأ التشاور مع الصين في هذا الشأن منذ توقيع مذكرة تفاهم في أكتوبر/تشرين الأول 2023 على هامش منتدى الحزام والطريق، أعقبها توقيع الاتفاق الإطاري للمرحلة الأولى في يوليو/تموز 2025 خلال زيارة رئيس مجلس الدولة الصيني إلى القاهرة.

ويتوقع المصدر، الذي فضل عدم نشر اسمه، أن يكون الاتفاق من أضخم اتفاقات المبادلة لمصر، ولكون برنامج التعاون المصري الصيني في مراحله الأولية فإن هذا يجعل من الصعب الإعلان عن قيمة محددة للمرحلة الأولى أو المشروعات التي سيتم تنفيذها.

قليلًا باتجاه الغرب

الانجذاب شرقًا نحو الصين لم يلغ دور الشركاء الأوروبيين، فحسب المصدر يجري حاليًا التفاوض على مبادلة ديون بقيمة 100 مليون يورو خلال العام الجاري.

يشير المسؤول المطلع في وزارة التعاون الدولي إلى أن الاتفاق الأوروبي الجديد، وإن كان محدودًا، فإنه يحظى بدعم قوي من الاتحاد الأوروبي، حيث أكد على المضي في تنفيذ مبادلة الديون مع مصر ضمن اتفاق الشراكة الاستراتيجية الشاملة الذي أُبرم في 2024.

وينوه المصدر بأن الاتفاقات السابقة كان لها أثر تنموي واسع، إذ مُوّلت برامج مبادلة الديون نحو 120 مشروعًا حتى عام 2023، بإجمالي 720 مليون دولار ، ووصلت لـ900 مليون في يوليو/تموز الماضي، وشملت مشروعات في التعليم، والطاقة المتجددة، والمياه والصرف الصحي، والأمن الغذائي.

ديون السنوات السابقة لا تزال تفرض فوائد تستهلك جزءًا كبيرًا من الإيرادات الحكومية

تكتسب اتفاقات مبادلة الديون أهميتها في الوقت الراهن من ازدياد ضغوط خدمة الدين، وكما يرى رئيس شركة راية للاستشارات المالية هاني أبو الفتوح، فإنه مع تضخم قيمة الأقساط وفوائد الدين، أصبح من الصعب الاقتراض مجددًا من أجل سداد التزامات الماضي، بالتالي هناك حاجة لطرق بديلة لتخفيف فاتورة الديون.

ينوه أبو الفتوح بأن مؤشر صافي سداد الديون يعبر عن الضغوط الحالية، لكونه يمثل الفارق بين الالتزامات القائمة علينا خلال سنة وما سيتدفق إلينا من ديون جديدة، وهذا المؤشر ارتفع في 2024-2025 إلى 3.5 مليار دولار، مقابل 2.5 مليار في العام السابق.

ويشدد لـ المنصة على أن مصر، وإن بدأت مؤخرًا في تقليل الاعتماد على الاستدانة المفرطة، مع مسار انخفاضي محتمل للديون، فإن ديون السنوات السابقة لا تزال تفرض علينا فوائد تستهلك جزءًا كبيرًا من الإيرادات الحكومية، لذا هناك حاجة مستمرة لجذب استثمارات أجنبية مباشرة غير مرتبطة بالديون.

وتعكس بيانات أول أربعة أشهر من العام المالي الحالي 2026/2025 أن قيمة الفوائد المدفوعة عن الدين العام، الذي يشمل ديونًا محلية وخارجية، تجاوزت قيمة إيرادات الموازنة خلال الفترة نفسها، ما يعكس استنزافًا قويًا للإيرادات.

وتتفق الاقتصادية بشركة "دي إف إيه" في الإمارات حنين المهدي، في تصريح لـ المنصة، مع أن اتفاقات مبادلة الديون قد تكون فرصة لتخفيف الدين الخارجي بدون التنازل عن الأصول العامة، إذ أثارت قضايا مشابهة جدلًا واسعًا في مصر منذ اتفاق رأس الحكمة 2024.

تؤكد حنين المهدي على أن مبادلات الديون من أجل التنمية في صورتها الحديثة تُعد أدوات تمويل سيادية وليست معاملات ملكية، فلا يحصل الدائنون بموجبها على حصص ملكية أو حقوق سيطرة أو أصول في كيانات عامة أو خاصة، ويقتصر المقابل على التزامات إنفاق تنموي.

ولا توجد بيانات منشورة عن الطريقة التي طُبقت بها اتفاقات مصر السابقة في مجال مبادلة الديون، لكنَّ واحدًا من الإفصاحات القليلة المنشورة وهو تقرير عن التعاون المشترك بين مصر وألمانيا في 2022، أظهر أن الأخيرة تنازلت عن جانب من ديونها لمصر، وتولى البنك المركزي تحويل مبالغ الديون الملغاة بالجنيه المصري، على أن تلتزم الحكومة بإنفاق هذه المبالغ على مشروعات يُتفق عليها بين الجانبين، وبذلك تكون مصر خففت عن نفسها التزامًا بالعملة الصعبة.

لا تضمن حنين المهدي تكرار النموذج الألماني في باقي الاتفاقات، حيث لا يوجد نموذج موحد، إذ تختلف الاتفاقات باختلاف نوع الدين وعدد الأطراف المعنية، فضلًا عن آليات المتابعة والتقييم.

المخاطر الكامنة 

في مقابل الصورة البراقة التي تُقدم بها وزارة التعاون الدولي اتفاقات مبادلة الديون، تحذر داليا وهدان الأستاذ المشارك للسياسات العامة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، من غياب الشفافية في الكثير من الاتفاقات، ما يجعل من الصعب الحكم على جدواها سواء على التنمية أو في تخفيف ضغوط الدين الخارجي.

سريلانكا منحت الصين امتيازًا سخيًا على موانيها يمتد لـ99 عامًا مقابل إسقاط جزء من ديونها

توضح داليا وهدان أن مصر بدأت اتفاقات مبادلة الديون في عام 2001 مع إيطاليا، وهو ما نتج عنه مشروعات في محميات طبيعية مثل وادي الحيتان بالفيوم. ورغم النجاح، لم تُعلن وثيقة الاتفاق، واكتفى الطرف الحكومي بمذكرة تفاهم دون عقد مبرم تفصيلي، كما لم يصدر تقرير لقياس الأثر بعد انتهاء المشروعات.

وتنتقد غياب الشفافية عن الاتفاقات التالية؛ حيث وقعت مصر اتفاقًا مع ألمانيا لتمويل أنشطة المناخ والتنمية، ولم يُنشر نصه أيضًا، ولم تُعرف شروط المنح أو حجمها. كما أصدرت مصر في 2020 سندات خضراء، لكن التقارير الحكومية ركزت على كفاءة عملية الطرح دون إصدار تقييم حقيقي للأثر البيئي حتى الآن.

بناءً على السوابق التاريخية، تحذر أستاذة السياسات العامة من أن يكون غرض هذه الاتفاقات مجرد إعادة هيكلة لديوننا الخارجية بعدما وصلت لمستويات غير مستدامة، وليس تمويل التنمية؛ "الغرض الأساسي للمبادلة هو دعم الدول المدينة في تسديد مديونياتها والحفاظ على تصنيفها الائتماني حتى تستطيع الحصول على استثمارات أو ديون جديدة. وكذلك منع انفلات حجم الديون المعدومة التي قد تؤثر سلبًا على أسواق المال العالمية".

لا نعرف الكثير عن اتفاق مصر القادم مع الصين، وهل سيكون سيكون مشابهًا لاتفاقاتنا السابقة مع الأوروبيين، بمعنى مبادلة الديون بالإنفاق على التنمية، أم سيكون مثل حالة سريلانكا الشهيرة التي منحت الصين امتيازًا سخيًا على موانيها يمتد لـ99 عامًا مقابل إسقاط جزء من ديونها. ستكشف الأيام المقبلة ما إذا كان الشريك الصيني سيخفف من حدة الأزمة المصرية أم أن الشيطان يكمن في التفاصيل.