الخلاصة| لماذا توسّع القتال بين الجيش السوري و"قسد"؟
تجدد مطلع الشهر الجاري القتال بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية "قسد" الكردية، في أعقاب ضغوط متصاعدة ووساطة أمريكية لانسحاب الأخيرة من أجزاء تسيطر في شمال شرق البلاد.
وسط الاشتباكات، وجه الرئيس السوري أحمد الشرع نداءً للجمهور الكردي جمع بين لغة تصالحية تجاه المدنيين الأكراد ونداءات للانشقاق عن قسد، مع الاعتراف بالحقوق الكردية "داخل دولة سورية موحدة".
توٍّجت هذه الخطوات باتفاقٍ لوقفِ إطلاق النار يوم الأحد الماضي، نصَّ على دمج قوات قسد كأفراد داخل الجيش السوري، وهي خطوة محورية في مسعى الشرع لتعزيز السيطرة على أراضٍ ذات أهمية استراتيجية واقتصادية وغنية بالموارد.
لكنَّ وقف إطلاق النار لم يستمر أكثر من 24 ساعة، ليعود القتال بالقرب من سجنين تديرهما قسد في مناطق سيطرتها، ما أسفر عن مقتل تسعة مقاتلين على الأقل من قسد وسمح لقرابة 120 معتقلًا من تنظيم داعش بالهروب، أعيد اعتقال معظمهم لاحقًا.
ما دور قسد في سوريا ما بعد الأسد؟
تحتل قسد موقعًا محوريًا وهشًا في النظام السوري ما بعد بشار الأسد. وكانت تحظى بدعم مالي وعسكري من الولايات المتحدة منذ عام 2015، وتلعب دورًا محوريًا في حملة واشنطن ضد داعش.
وبعد الإطاحة بنظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، برز الشرع، الجهادي السابق وزعيم "جبهة تحرير الشام" التي قادت إسقاط النظام، رئيسًا للفترة الانتقالية. وخلال أشهر حكمه سعى لإبعاد بلاده عن روسيا وإيران مقابل الاقتراب من الولايات المتحدة وأوروبا. خاصة أن أمريكا وإسرائيل تريان في سوريا موحدة تحت قيادة "متعاونة" حليفًا إقليميًا وبوابةً لدولة غنية بالموارد وذات موقع استراتيجي هام.
بدأ التصاعد الجديد في الأزمة بإعلان الجيش السوري مطلع الشهر الجاري، المناطق ذات الأغلبية الكردية في حلب والخاضعة لسيطرة قسد "مناطق عسكرية مغلقة" وشرع في استعادتها، وردت قوات سوريا الديمقراطية بقصف مواقع الجيش، ما أنهى وقفًا لإطلاق النار دام شهورًا.
ثم لجأ الشرع، الذي نال إشادة دولية بسبب خطابه المتزن، إلى تقديم الصراع كمشروع وطني تقوده شعارات التعددية ولكن في ظل سلطة مركزية تحت قيادته.
كيف حاول الشرع كسب الجمهور الكردي؟
في 12 يناير/كانون الثاني الجاري، مع استمرار القتال، سجّلت القناة الكردية الناطقة بالعربية "شمس" مقابلة مع الشرع أذاعت مقتطفات دعائية منها. متحدثًا مباشرةً إلى المشاهدين الأكراد؛ أشاد الرئيس السوري بصمودهم وصَوَّر مظالمهم كجزء من التاريخ المشترك للقمع في سوريا.
لكن قناة "شمس" لم تبث المقابلة قط. وقال مديرها العام إيلي ناكوزي إن تصريحات الشرع، لا سيما هجومها على الشخصيات السياسية الكردية، تتسبب في تأجيج التوترات بل وشبهها بـ"إعلان حرب".
بعد أيام، تسرَّبت المقابلة وبثتها قناة الإخبارية السورية، فحظيت باهتمام واسع ربما ما كانت لتحصل عليه لولا المنع. ورغم أن العديد من الأكراد أدانوا التصريحات عبر الإنترنت؛ وصلت رسالة الشرع للجمهور الكردي بشكل عام.
في المقابلة وجه الشرع انتقاداته نحو قسد، مؤكدًا أن الحقوق السياسية والثقافية الكردية مكفولة بموجب الدستور، وأن المواجهة المسلحة غير ضرورية إلا إذا "استخدم شخص ما القضية الكردية لمصالح حزبية أو شخصية".
وفي مخاطبته الزعيم الكردي العراقي مسعود بارزاني، جادل الشرع بأن نموذج حكومة إقليم كردستان لا يمكن تكراره في سوريا.
كيف حاول الشرع توحيد الجيش؟
في 16 يناير، حثت وزارة الدفاع السورية مقاتلي قسد على الانشقاق ووضع أنفسهم تحت حماية الجيش السوري. ورغم حذف البيان لاحقًا من بعض المنصات الرسمية؛ انتشر على نطاق واسع عبر الإنترنت.
وسرعان ما ذكرت وسائل الإعلام الحكومية وجود "طلبات عديدة" من أعضاء قسد يسعون للانشقاق. هذه الادعاءات تزامنت مع الضغط العسكري المستمر والدعوات الدولية لانسحاب قسد من حلب.
رسائل الشرع أكدت أن الانحياز الكردي لدمشق شرط للحماية والشمول السياسي. قيل للانشقاقيين إن قرارهم سيحفظ "حياتهم ومستقبلهم" وأن "وطنهم يرحب بهم، في أي وقت وأي مكان".
في اليوم نفسه، أصدر الشرع المرسوم الرئاسي رقم 13، الذي وعد بمنح السوريين الأكراد حقوقًا مدنية وثقافية متساوية. اعترف المرسوم باللغة الكردية كلغة وطنية، وأوجب تدريسها في المدارس، واعترف رسميًا بالأعياد والتقاليد الكردية.
ماذا حدث لوقف إطلاق النار؟ ولماذا لم يصمد؟
في 18 يناير، أعلنت دمشق وقسد وقف إطلاق النار بموجب اتفاقية من 14 نقطة تحدد إدماج قوات قسد في الدولة السورية، مقابل انسحاب قسد من المناطق التي تسيطر عليها إلى مناطق شرق الفرات، وسيطرة الحكومة على الحدود والموارد، واستمرار التعاون ضد الجماعات المتطرفة.
في البداية، صُوِّر وقف إطلاق النار على أنه انتصار للشرع، مما أظهر استراتيجيته في الجمع بين الضغط العسكري والتنازلات الرمزية. لكنه أيضًا ضيق الفضاء السياسي للحكم الذاتي الكردي خارج الأطر التي تُقرها الدولة.
منح الاتفاق للشرع ميزات كثيرة بالإضافة إلى ما اعتبر انتصارًا عسكريًا إذ بات له الحق في الوصول إلى الموارد الطبيعية التي لا تزال تحت سيطرة قسد.
وبينما رحب بعض الأكراد باعتراف الشرع بالهوية الكردية، عارض الكثيرون التنازلات التي قدمها قادة قسد ورفضوا الاندماج في الجيش السوري كأفراد.
انهارت المحادثات بين الشرع وقائد قسد مظلوم عبدي في اليوم نفسه، بعد رفض عبدي مطالب الاستسلام غير المشروط، واتهم الطرفان بعضهما بخرق وقف إطلاق النار.
وفي 20 يناير، أعلن الشرع عن "تفاهم" بين الحكومة السورية وقسد لوقف إطلاق نار لمدة أربعة أيام والالتزام باتفاقية 18 يناير.
تصطدم رؤية الشرع لدولة سورية مركزية بشكل مباشر مع مطالب الأكراد بالحكم الذاتي. وتخفق وعوده بالوحدة في معالجة التحديات الهيكلية التي تدفع هذه الصراعات.