تصميم: يوسف أيمن- المنصة

هنا والآن.. جرأة المقاومة بالحب الحميمي

منشور الأحد 29 آذار/مارس 2026

في الحروب والأوبئة وغيرهما من لحظات القسوة الإنسانية؛ تصبح الفوضى روتينًا يوميًا ومعها يسود العبث. وعندما يصبح الموت حدثًا يوميًا يعتاده الناس؛ لا يبحث العاديون عن البطولة بقدر بحثهم عن معنى يخصُّ اللحظة الحالية ليدعم استمرار مقاومتهم والتمسك بحياتهم في ظل تناثر الأشلاء. 

في رواية سلالات منقرضة للكاتب ملاك رزق (2022)، التي تدور أحداثها في خضم الحرب الأهلية اللبنانية وتعاصر أحداثًا مثل مجزرة صبرا وشاتيلا، يجد الشاب بخيت -الممزق بين الحرب والفقر والغربة وهو يشهد على أكثر درجات القسوة من حوله- طوق نجاته في فتاةٍ عرفها من المقاومة. أنقذ الحب روحه وسط الرصاص والصواريخ والانهيار الجماعي.

والحب ليس شعورًا مُجرَّدًا؛ لأن المتعة الجسدية من تمثّلاته؛ فضلًا عن صلاحيتها لأن تصبح بذاتها ملاذًا يدفن فيها المرء كل قسوة العالم من حوله. مساحة صغيرة لا تتجاوز كتفين، لكنها أوسع وأرحب من كل الطرقات والمدن الضائعة في الحزن والظلمة. تأوهات حميمية وتلاحم جسدي يجعل الاثنان واحدًا قادرًا على تجاهل أصوات القنابل ولو لدقائق.

لكن هل نعي أن الشعور بالحب واستقرار الحياة الجنسية ليس ترفًا، تحديدًا في الظروف غير العادية؟!

رقصة مشتركة في الحروب والأوبئة

الحب في الحرب

مع استمرار الإنجاب في غزة خلال الحرب؛ تهكّم كثيرون بمن يستطيعون ممارسة الجنس على وقع القصف داخل المخيمات. "همَّ ف إيه ولا ف إيه"، تساؤل ساخر طُرح بعد ملاحظة أخرى، ساخرة أيضًا، عن "فيتش الخيام". سخرية -ركّزت غالبًا على النساء كالعادة- تعكس استغرابًا وعدم فهم لضرورة الأفعال الحميمية في مثل تلك الظروف، وتستخفّ بمشاعر الحميمية واحتياجات البشر في أشد الظروف قسوة.

منذ فترة والتقارير الصحفية تهتم بأسئلة عن حياة الغزيين، ومن بينها سؤال الحميمية والعاطفية. قد يبدو السؤال صادمًا للبعض أو حتى غير ملائم أمام هول ما يحدث، لكنه طبقًا لعدد من الشهادات يظل سؤالًا جوهريًّا؛ لأن الحرب لا تُعلق إنسانية البشر، ولا تُلغي احتياجاتهم النفسية والعاطفية.

وأثار بودكاست بعنوان "كيف تولد النساء في غزة تحت القصف" جدلًا واسعًا، إذ وضحت دكتورة إسراء صالح طرق الحب والحميمية التي يلجأ إليها الأزواج أثناء الحرب. فعلى سبيل المثال؛ في المدارس التي تضم النازحين اتفق الأهالي على تحديد غرفة ذات خصوصية للأزواج. وفي المخيمات خُصصت خيام للأزواج الذين يحتاجون الانفراد ببعضهم البعض، لأن لحظات الحميمية هنا، وهي تشبع احتياجًا نفسيًا وجسديًا، فعل مقاومة وإشباع لاحتياج نفسي وجسدي يزداد إلحاحه مع امتداد الحرب.

شهدت فترة الحرب العالمية الثانية ارتفاعًا لافتًا في معدلات الزواج

لكن هذا لا يتعلق بالفلسطينيين في غزة فقط؛ فإذا عدنا إلى الحرب العالمية الثانية؛ سنجد عشرات الحكايات التي تتشابك فيها مشاعر الحب خلال الحرب، وعلى نحو خاص فكرة القرب الجسدي الحميمي، ففي رسائل الجنود إلى زوجاتهم، حضرت أحلام القبلة الأولى بعد العودة، واستدعاءات القرب الحميمي كتعويض عن الغياب والخطر.

كما شهدت تلك الفترة ارتفاعًا لافتًا في معدلات الزواج، إذ واجه كثير من الرجال والنساء رعب القنابل واضطراب الحياة اليومية بمزيد من التمسك بالشراكة، والسعي إلى الأمان والطمأنينة عبر القرب والحميمية.

شغلتني الفكرة؛ ليس فقط الحب في المخيمات تحت القصف، ولكن في كل اللحظات الاستثنائية. السؤال نفسه طُرح قبل سنوات مع الجائحة. لذلك؛ شاركته بصوت عالٍ مع نساء في غزة ولبنان ومصر، وفهمت ما يمكن أن تمنحه الحميمية من راحة ودعم في مواجهة الأخبار السيئة وأصوات القصف، التي يحاول المُحبّون التغطية عليها بأصواتهم، وأيضًا ما قدّمه الحب من طمأنينة في مواجهة مخاوف الفقد التي صاحبت كورونا.

ممارسة الحب شفاء 

حتى في أوقات الضغط النفسي تنقذنا العلاقة الحميمية. يمكن أن تمنح لحظات قرب عابرة من الشريك قدرة على الاستمرار، لأن العلاقة بين الصحة النفسية والحياة الجنسية متبادلة ومعقدة؛ فالجنس عامل مهم ومفيد في تحسين الحالة المزاجية، لكنه بالطبع ليس حلًا سحريًا ولا يكفي وحده لإنهاء الاكتئاب.

العلاقة الحميمة والمودة الجسدية لا تحسّن المزاج في اللحظة فقط، بل تمتد آثارها لليوم التالي بشكل تراكمي

تشير ريبيكا كوبر سميث، المعالجة النفسية والمتخصصة في التثقيف الجنسي بجامعة نورث وسترن، إلى أن النشوة تُغرق الدماغ بالأكسجين ومواد كيميائية محفزة للمشاعر الجيدة مثل الأوكسيتوسين والدوبامين الذي يخفف الألم ويعزز المتعة.

وفي دراسة استمرت 36 أسبوعًا على 58 امرأة، تبيّن أن العلاقة الحميمة والمودة الجسدية لا تحسّن المزاج في اللحظة فقط، بل تمتد آثارها لليوم التالي بشكل تراكمي. لكن العامل الحاسم لم يكن الفعل نفسه بقدر ما كان وجود شريك محب؛ إذ لم تُنتج الممارسات الفردية التأثير ذاته.

ويؤمن دكتور توماس ستوك أن للجنس قوة علاجية، وأن بإمكانه تحسين الصحة العامة، "يعمل كتمرين خفيف يحسّن صحة القلب ويخفض الضغط، ويعزّز المناعة، وينظّم الهرمونات عبر زيادة الإندورفينات والأوكسيتوسين اللذين يرفعان المزاج ويقللان التوتر، ونفسيًا، يخفّف الجنس التوتر، ويحسّن تقدير الذات، ويقوي الروابط العاطفية بين الشريكين".

احتقار الجنس واحتقارنا معه

صاغ ميشيل فوكو في كتابه تاريخ الجنسانية ما عُرف بـ "الفرضية القمعية"، بوصفها نقدًا لفكرة قمع الجنس منذ القرن السابع عشر. وتساءل خلالها عن علاقة السلطة بالجنس: هل جرى تحريمه فعلًا؟ وهل مُنع الحديث عنه؟ ولماذا إذن تكاثرت الخطابات حوله؟ ثم طرح تصورًا يرى أن السلطة لم تقمع الرغبة أو الجسد، بل أعادت تعريفهما وحددت أشكالهما المقبولة ضمن هويات بعينها؛ أي أنها لا تقول لا، بل تقول تكلّم، ولكن بهذه الطريقة.

عادل إمام وسعاد حسني من فيلم المشبوه إخراج سمير سيف (1981)

ربط فوكو بين الجنس ومفهوم السلطة الحيوية، باعتباره جزءًا من المسألة الديموغرافية والسياسية والأخلاقية، أي أداة مركزية لإدارة السكان، بحيث تعمل السلطة على إنتاج فرد يراقب نفسه بنفسه، فيغدو الجسد ذاته موقعًا لممارستها.

وصم الحديث عن الجنس في أوقات الأزمات داخل الثقافة العربية نتاجٌ لعلاقة متكاتفة بين الأخلاق الجماعية وخطابات السلطة التي تميل إلى المظهر المحافظ واحتقار الحياة أو عدم الاعتراف بأحقية أن يمارس الإنسان إنسانيته بشكل عام. وفي ترتيب سلم القيم المجتمعية، يُنظر إلى الجسد ورغباته نظرة احتقار أو انحراف أخلاقي تزداد في الأوقات القاسية التي يتعارض معها مفهوم المتعة كما تتناقض مع خطابات التضحيات والموت والفناء. 

الأمر كذلك يتعلق بتاريخ طويل من انحياز المجتمع لأفكار ضبط الجسد؛ فخلق أفرادًا طيعة تشعر بالذنب على ممارسة إنسانيتها الطبيعية، بل وتعيد إنتاج السلطة الذاتية على نفسها وهي تطلب من الآخرين تبرير أنفسهم. ويرى فوكو مثلًا سلطة الانضباط بأنها تختلف عن العبودية التي يتملك فيها السيد جسد العبد، بل تهدف إلى مزيد من التحكم، تحكم الفرد في جسده وقمعه وجعله أكثر تبعية وطاعة للمجتمع من حوله. 

إحدى من شاركت معهم سؤالي قادمة من منزل تتفاخر فيه النساء بانقطاع علاقتهن الجنسية مع أزواجهن ولا يبقى بينهما سوى "طبق الأكل" قالت لي "طول الوقت بيعيبوا على الراجل اللي بيدفن أبوه ويروح ينام في حضن مراته، كأنه مش حزين". هن غير مدركات لكون العلاقة هي طوق نجاة.

أعتقد أن المشكلة تكمن في التربية على عداء الجنس؛ فلو اعترفت المرأة بأنها تحب ممارسة الجنس تُعتبر "خاطية"، وإذا طلبت من زوجها تصبح في موقف محرج أو مشكوك في نوايها لذا يمارس الجميع سلطة على أنفسهم، متخليين عن المساحة الصغيرة التي يمكنهم فيها استعادة كلماتهم، جسدهم، ووجودهم الكامل، يعيدون ترتيب أنفاسهم، حتى ولو للحظات، في مواجهة الحروب، الأوبئة، أو الألم الصامت الذي يحيط بها.


(*) أسماء مستعارة بناءً على طلب أصحابها.