معركة أصحاب الأرض
لأنهم خبراء في تزوير التاريخ، وقلب الحقائق، وصناعة سرديات بديلة تحلُّ محلَّ الواقع؛ لم يجد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر حاجةً إلى إنكار الاتهامات التي حاصرت حكومته بانتهاك القانون الدولي، ومخالفة الاتفاقيات الموقعة مع الجانب الفلسطيني، حين صادقت على قرارات تجيز تسجيل أراضٍ بالضفة الغربية باعتبارها "أراضيَ دولة"، في خطوةٍ تفتح الباب أمام تحويل ملكيتها رسميًا إلى السلطات الإسرائيلية.
الخطوة، التي تُعدُّ سابقةً منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967، ووصفها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش بأنها "ثورة استيطاني"، اعتبرها ساعر في كلمته أمام مجلس الأمن الأسبوع الماضي "حقًا تاريخيًا مثبتًا وموثقًا للشعب اليهودي".
وفي رده على انتقادات ممثلي الدول الأعضاء لما وصفوه بـ"تقنين" الاستيطان غير الشرعي، قال ساعر إن الوجود اليهودي في إسرائيل لم ينقطع منذ أربعة آلاف عام. مضيفًا "وجودنا في أرضنا التاريخية، بما فيها يهودا والسامرة، لا ينتهك القانون الدولي.. الحقيقة البسيطة هي أننا السكان الأصليون لأرض إسرائيل".
كانت تسمى فلسطين
كلمة ساعر دفعت مندوب فلسطين لدى الأمم المتحدة، السفير رياض منصور، إلى التأكيد على أن أرض فلسطين "ملك للشعب الفلسطيني وليست مطروحة للمساومة أو البيع"، وشدد على أن "جهود إسرائيل لن تحوِّلنا إلى شعبٍ بلا أرض"، لافتًا إلى أن الاستيطان، ومصادرة الأراضي، وهدم المنازل، ليست سوى أدوات في مشروع هدفه النهائي "الضم".
على الجانب الآخر، وفي القدس، كان رئيس الوزراء الأسبق نفتالي بينيت يشرح ما أسماه "عقيدة الخوف"؛ فالعالم، في نظره، يجب أن يخشى إسرائيل لا أن يحبها.
تحدث ترامب أكثر من مرة عن "صغر مساحة إسرائيل" وضرورة توسيعها
بينيت، الذي يُفترض أنه من أبرز معارضي حكومة اليمين الإسرائيلي، قال أمام مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية إنه توصل إلى قناعة مفادها أن العالم لن يحب إسرائيل، "ما نحتاجه أن يخشانا أعداؤنا ويحترمنا أصدقاؤنا.. لقد جربنا مسألة 'أحِبُّونا' لمدة ثلاثة آلاف عام تقريبًا ولم تنجح".
هنا تتبدى المفارقة؛ الحكومة والمعارضة في إسرائيل يتشاركان الأساس الفكري ذاته، كلاهما يؤمن بأن فلسطين هي "الوعد الإلهي لشعب الله المختار"، وأن الأرض الممتدة بين نهر الأردن والبحر المتوسط هي "أرض اليهود منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام"، وأنهم عادوا إليها لا باعتبارهم محتلين، بل بوصفهم "السكان الأصليين"، وأنها قبل عودتهم كانت أرضًا بلا شعب.
ينكر ساسة إسرائيل، حكومةً ومعارضةً، وجودَ الشعب الفلسطيني المتجذر في أرضه منذ آلاف السنين، ويروجون لكذبةٍ لا يصدقها سوى حلفائهم صهاينة الغرب، مفادها أن فلسطين لم يسكنها قبل سايكس–بيكو ووعد بلفور وقرار التقسيم سوى مجموعات متفرقة من "الأغيار" الذين يجب إما إخضاعهم ليعيشوا بلا حقوق تحت السيادة الإسرائيلية، أو ترحيلهم، أو إبادتهم إن لم يقبلوا أيًّا من الخيارين.
تتطابق هذه العقيدة مع تنظير رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في كتابه مكان بين الأمم: إسرائيل والعالم، وهو يعزو أحقية اليهود بكامل فلسطين التاريخية إلى ما يعتبره تعهدًا دوليًا في معاهدة فرساي، شمل، بحسب طرحه، ضفتي نهر الأردن.
وحين لا تكفي الحجة التاريخية، يستدعي نتنياهو مبررات الأمن والعمق الاستراتيجي، مُدعيًا أن العودة إلى حدود يونيو 1967 تعني تعريض إسرائيل لخطر الزوال، وأن عرضها الذي لا يتجاوز 65 كيلومترًا من النهر إلى البحر يجعلها في وضع "هش" يستحيل الدفاع عنه، فما بالك لو قبلت بأن تكون هذه المسافة 15 كيلومترًا فقط، حينها لن يكون بمقدورها العيش طويلًا.
الإدارة الأمريكية الحالية تتبنى الرؤية ذاتها، فالرئيس ترامب تحدث أكثر من مرة عن "صغر مساحة إسرائيل"، وضرورة توسيعها، فيما ذهب سفيره لدى تل أبيب مايك هاكابي إلى ما هو أبعد، حينما أقر بحق إسرائيل "التوراتي" ليس في الضفة الغربية فحسب، بل في كل المناطق الواقعة بين النيل والفرات.
لا ترى الحكومة الإسرائيلية في إرهاب المستوطنين جرائمَ تستوجب المحاسبة والعقاب، بينما الاعتداءات المتصاعدة في الضفة الغربية من حرق منازلَ وسرقة أراضٍ واعتداء على المدنيين، ليست انفلاتًا أمنيًا، بل ترجمة عملية للعقيدة الإحلالية الإبادية التي نظّر لها نتنياهو في كتابه المشار إليه.
يبرر نتنياهو اضطهاد بل إبادة كلِّ أقليةٍ تطالب بكيان يمثِّلها "إذا كانت كل أقلية تشكل خطرًا فعليًا على سلامة ووجود الدولة التي تعيش فيها، فلا بد أن تبحث الأغلبية في هذه الدول عن طريق لقمع وضغط مثل هذه الأقليات، أو ربما لتصفيتها في النهاية"، وفق ما أورده في كتابه.
نازية دون قناع
عقيدة نتنياهو ورفاقه لا تختلف كثيرًا عن العقيدة النازية، حسب وصف وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق موشى يعالون، الذي وصف ما يقوم به المستوطنون تحت رعاية الشرطة الإسرائيلية بـ"التطهير العرقي".
ويرى يعالون في تغريدة له على إكس، أن هدف موجات الهجوم على الفلسطينيين بما تتضمنه من قتل وحرق للممتلكات تهدف إلى جعل حياة الفلسطينيين بائسة حتى يقبلون بتهجيرهم من أرضهم وتوطين اليهود مكانهم، متسائلًا "اسألوا مجددًا لماذا اتهمت الحكومة بـ'التطهير العرقي؟'"، مشيرًا إلى أن أيديولوجيةَ تفوِّقِ اليهود التي أصبحت مهيمنةً في الحكومة الإسرائيلية، تشبه العقيدة العنصرية النازية.
يعالون يتبنى ما طرحه رئيس الكنيست الأسبق إبراهام بروج الذي اعترف في كتابه لننتصر على هتلر بأن البنى السياسية والاجتماعية والقومية الأكثر شبها لإسرائيل هي بنى ألمانيا النازية.
يوضح بورج أن المجتمع الإسرائيلي العسكري وموقفه من غير اليهود يشبه الأوضاع السياسية والاجتماعية التي مهدت الطريق لوصول هتلر والنازية في ألمانيا؛ ويتحدث في كتابه عما يسميه ""غسل الكلمات" في دولة الاحتلال "الجيش الإسرائيلي العدواني يدعى جيش الدفاع والسلاح اليهودي طاهر، كأنهم يقولون إنه إذا قتلت بسلاح طاهر فإن كل شيء حلال".
غير أن أصوات يعالون وبورج تبقى نشازًا في مجتمع اتجه بقوة نحو اليمين خلال العقدين الأخيرين، وأفرز في انتخابات 2022 ائتلافًا هو الأكثر تطرفًا في تاريخ الدولة العبرية.
كان الصراع قبل تلك الانتخابات بين تيار يريد تكريس نظام أبارتهايد يُبقي الفلسطينيين محاصرين في كانتونات ويمكن الاستعانة بهم كعمال أو عبيد أرض، وتيار آخر يرى أن الفلسطينيين لا يستحقون سوى التهجير أو الإبادة، وجاءت النتائج لترجّح كفة التيار الأخير.
رغم كل ما انكشف خلال الأعوام الأخيرة من مواقفَ معلنةٍ لا تتحدث فقط عن ضم الضفة الغربية ورفض قيام الدولة الفلسطينية بل عن "حق" إسرائيل في اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه أو إبادته إذ رفض، لا تزال أنظمة عربية تتحدث عن "حل الدولتين"، وتطرح صيغًا تلفيقية تتجاهل أن الطرف الآخر لا يعترف أصلا بحق الشعب الفلسطيني في الوجود.
المواقف الرسمية العربية، التي تتعارض كليًا مع الرؤى الإسرائيلية، ليست سوى محاولة للهروب من مواجهة الواقع المرير، أو القفز فوقه، ذلك الواقع الذي تسعى تل أبيب إلى فرضه على الشرق الأوسط، والذي أعلن بنيامين نتنياهو صراحة أنه يعمل على إعادة رسم خرائطه بما يخدم مشروعه التوسعي.
عبر ثمانية عقود، لم تنجح إسرائيل في تحويل الفلسطيني إلى طارئ في وطنه. لا الضم الزاحف في الضفة، ولا الحصار وحروب الإبادة في غزة، ولا صفقات التطبيع المجاني، ولا الدعم الغربي غير المحدود، استطاعت اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه أو محو هويته. فأصحاب الأرض لم يتوقفوا يومًا، بصمودهم وثباتهم ومقاومتهم، عن الدفاع عن حقهم، ولم يسمحوا بأن تتحول قضيتهم إلى هامش.
معركة "أصحاب الأرض" لن تُحسم في مجلس ترامب للسلام ولا في أروقة الأمم المتحدة، بل على الأرض؛ مع استمرار مقاومة العدو الغاصب، وبقدرة الفلسطينيين على فرض حضورهم في معادلة الصراع.
ستبقى المعركة مفتوحة حتى يأتي يوم المواجهة الأكبر، حين تدرك دول المحيط العربي أن الأطماع الصهيونية لن تتوقف عند حدود فلسطين، وأن من يظن أنه ينأى بنفسه عن النار سيجدها مشتعلة في عقر داره، وأن أكل الثور الأبيض سيفتح شهية الذئب لالتهام باقي القطيع.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.
