التكلفة المرتفعة للأسعار المنخفضة| صادرات الخدمات المصرية
شهدت مصر في الربع الثالث من عام 2025 وصول العجز التجاري السلعي مع بقية العالم، الذي يستبعد الخدمات والتحويلات المالية، إلى أعلى معدل تاريخيًا ليتخطى حاجز 14 مليار دولار في ربع السنة. حدث هذا بالرغم من النمو الكبير في الصادرات الزراعية والصناعية الذي ناقشناه في المقالين الأول والثاني من هذه السلسلة. زيادة العجز السلعي تؤكد ما توصل إليه المقالان عن انخفاض قيمة صادراتنا الزراعية والصناعية مقارنة بما تستهلكه من موارد.
ما أنقذ الاقتصاد المصري في ظل هذا العجز لم تكن الزيادة الكبيرة في الصادرات الصناعية والزراعية، بل تحقيق مصر أرقامًا قياسيةً على مستوى السياحة، وتحويلات المصريين في الخارج. هذان البندان باتا وسيلة رئيسية لتصحيح الاختلالات العنيفة في ميزان المدفوعات التي يتسبب فيها العجز الكبير في الميزان التجاري السلعي ومدفوعات الديون الخارجية المتزايدة.
في هذا المقال الختامي، نعيد قراءة بيانات أبرز صادراتنا الخدمية، تحديدًا السياحة، داخل الإطار الذي صغناه على مدار الحلقتين السابقتين، أي الحكم على الصادرات على أساس استنزاف الموارد، ثم نقدم تصورًا إجماليًا عن ضرورة إعادة ترتيب الأولويات التصديرية في الفترة المقبلة.
الخدمات والتحويلات: بنود الإنقاذ
جذب القطاع السياحي نحو 19 مليون سائح في عام 2025، وهو رقمٌ كبيرٌ يُحَقَق لأول مرة بعد مرور أكثر من عقد ضائع على السياحة في أعقاب ثورة يناير تراجعت فيه التدفقات السياحية بشدة. وفقًا لبيانات البنك المركزي، ارتفعت إيرادات السياحة بنسبة 16.3% لتصل إلى 16.7 مليار دولار في العام المالي 2024/25 مقابل 14.4 مليار دولار في العام الذي يسبقه، وجاء هذا النمو مدفوعًا بزيادة عدد السائحين وعدد الليالي السياحية بنسبة 16.3% لتصل إلى 179.3 مليون ليلة.
تشكل صادرات الخدمات المصرية نحو 45% من إجمالي صادراتنا إلى العالم، وتأتي على رأس تلك الخدمات السياحة والنقل (تحديدًا قناة السويس). تشكل الخدمات كذلك الجزء الأكبر من إيرادات مصر الدولارية، وهي البند الوحيد في الحساب الجاري (الذي يضم الميزان التجاري السلعي والخدمي) الذي نحقق فيه فوائض تساعد في سد العجز الكبير بالميزان التجاري السلعي.
وفقاً لبيانات السنة المالية 2024/25، شهد فائض ميزان الخدمات ارتفاعًا بنسبة 5.4% ليصل إلى حوالي 15.1 مليار دولار، مقارنة بنحو 14.4 مليار دولار في العام السابق، وجاءت هذه الزيادة بشكل رئيسي نتيجةً لارتفاع إيرادات السياحة، وفقًا لتقرير البنك المركزي عن الوضع الخارجي للاقتصاد المصري.
بينما تحاول الخدمات ترميم صورة ميزان المدفوعات، زاد العجز التجاري على أساس سنوي إلى 51.0 مليار دولار (ما يمثل 14.0% من الناتج المحلي الإجمالي)، من أصل إجمالي حجم تجارة سلعية يقدر بـ131.4 مليار دولار، وتقتصر نسبة مساهمة الصادرات في هذه التجارة على 44.1%.
السياحة وتحويلات المصريين بالخارج مسكنات تجعل استمرار نزيف الميزان التجاري ممكنًا
إذا أضفنا تحويلات المصريين في الخارج، التي وصلت أيضًا لحدود قياسية عند 40 مليار دولار تقريبًا، إلى إيرادات السياحة، نجد أنهما مجتمعان يغطيان تقريبًا عجز الميزان التجاري السلعي. في المقابل، أظهر قطاع النقل، وهو يشكل القطاع الثاني من خدماتنا المصدرة بعد السياحة، تراجعًا حادًا في إيرادات قناة السويس بنسبة 45.5% لتصل إلى 3.6 مليار دولار فقط، مقابل 6.6 مليار دولار في العام السابق. ويعود ذلك إلى اضطرابات حركة الملاحة في البحر الأحمر التي أجبرت شركات الشحن على تغيير مساراتها.
تُعد إذًا السياحة وتحويلات المصريين بالخارج مسكنات تجعل استمرار نزيف الميزان التجاري ممكنًا، وهو النزيف الناتج عن تصدير سلع منخفضة القيمة وعالية التلوث مثل الأسمنت والأسمدة، واستيراد جزء كبير من استهلاكنا الغذائي والسلع الوسيطة والطاقة، مما يخلق نوعًا من التوازن الهش الذي يسمح بتأجيل المواجهة مع تلك الاختلالات العميقة.
هذه التدفقات المالية الضخمة توفّر سيولة أجنبية للوفاء بالتزامات ائتمانية خارجية (تسديد أقساط وفوائد الديون) قد تتخطى الـ50 مليار دولار في السنة. فضلًا عن ذلك وجود هذه الموارد يجعل الاستنزاف المادي والبيئي محتملًا لأنه يوفر السيولة اللازمة لاستيراد الغاز المدعوم من الدولة الذي يُستخدم في مصانع الأسمنت، ويجعل سعرها النهائي منخفضًا بشكل مصطنع، ومن ثم تصبح تنافسية في الأسواق الدولية.
بتعبير آخر، فإن الخدمات توفر دعمًا ماليًّا غير مباشر للصناعات الملوثة السهلة، فلولا هذه التدفقات الكبيرة لما استطاع الاقتصاد الاستمرار في توفير العملة الصعبة اللازمة لاستيراد الغاز وتثبيت أسعار الطاقة للمصانع كثيفة الاستهلاك.
السياحة تستهلك موارد أيضًا
بينما تصنف مصر ضمن أكبر 30 وجهة عالميًا من حيث إجمالي الإيرادات السياحية، تعد متأخرة فيما يخص إنتاجية الموارد (كمية الموارد المستهلكة لكل دولار من الإيرادات) في قطاع السياحة، حيث تقع مصر بمرتبة متأخرة في مؤشر الاستدامة البيئية للسياحة في مؤشرات المنتدى الاقتصادي العالمي مقارنة بوجهات سياحية أخرى تدر عوائد أكبر بضغط مواردي وبيئي أقل.
لا تجني صادرات السياحة الأموال بدون استهلاك موارد، فثمة خطأ شائع يقع فيه الكثيرون عند تقييم الإنتاج الخدمي، وهو اختزاله في كونه نشاطًا "غير ملموس" لا يترك أثرًا ماديًا يذكر؛ ولهذا السبب يتبنى العديد من أنصار النمو الأخضر (الذي يفترض إمكانية زيادة الناتج المحلي مع خفض الانبعاثات الكربونية) مقولة مفادها أن تركز النمو الاقتصادي في قطاع الخدمات سيؤدي إلى تخفيض الأثر البيئي. غير أن هذا التصور يتجاهل أن أي خدمة تُقدم، مهما بدت غير ملموسة، عادة ما يستند إنتاجها على سلاسل توريد طويلة ومعقدة من الإنتاج الملموس واستهلاك الموارد.
دعنا نأخذ الذكاء الاصطناعي مثالًا. تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي وتدريبها يتطلبان مراكز بيانات عملاقة تستهلك كميات هائلة من الطاقة الكهربائية، وتستنزف ملايين الجالونات من المياه العذبة يوميًا لأغراض التبريد، فضلًا عن حاجتها الشرهة للمعادن النادرة التي تُستخرج عبر عمليات تعدين مدمرة للبيئة في دول الجنوب العالمي.
السياحة صناعة كثيفة الموارد على عكس ما توحي به... يستهلك السائح متوسطًا يبلغ 400-500 لتر
فبينما تحتكر شركات التكنولوجيا في "المركز" العوائد النقدية الضخمة، تترك خلفها بصمة مائية وكربونية وبيئية كبيرة تدفع دول الأطراف ثمنها من أمنها المائي وبيئتها المحلية. في ظل هذا تسعى مصر لتكون مركزًا دوليًّا لمراكز البيانات. وهي خدمات تستهلك المياه والطاقة بكثافة رغم الشح المائي الذي نعاني منه، فضلًا عن كوننا مستوردًا صافيًا للطاقة منذ سنوات.
السياحة أيضًا تعتبر صناعة كثيفة الموارد على عكس ما توحي به، فإذا نظرنا لاستهلاك المياه العذبة، يستهلك المواطن المصري نحو 100 لتر مياه يوميًا، بينما يستهلك السائح في مصر متوسطًا يبلغ 400-500 لتر بسبب المياه المستخدمة في ملء حمامات السباحة وري المساحات الخضراء في المنتجعات السياحية، وترتفع تلك النسبة في بعض المراكز السياحية مثل شرم الشيخ لتتراوح من 400 إلى 850 لترًا للفرد. جزء كبير أيضًا من التوسع العقاري الحالي مرتبط بالسياحة، ويعد القطاع العقاري أكثر قطاع من حيث كثافة استهلاك الموارد من بين كل القطاعات الاقتصادية.
ما البديل الأفضل للصادرات؟
بشكل عام، إذا أخضعنا القطاعات الثلاث، الزراعة والصناعة والسياحة، تحت معيار الموارد سنجد أنفسنا مضطرين لاستبعاد العديد من أنماط التصدير التي تحظى بدعم وإشادة كبيرة من الدولة في الوقت الراهن.
الميزة النسبية الحقيقية لمصر يجب أن تتركز في الصادرات "كثيفة العمالة" التي لا تستنزف الموارد الطبيعية
ربما يتعارض هذا الاستنتاج مع الحماس الذي تبديه الحكومة أو مجتمع الأعمال لصادرات البرتقال والإسمنت والمنتجعات الساحلية وغيرها، لكن المفارقة أن هذا الخطاب بات يتصادم حتى مع مبادئ التجارة الحرة التي وضعها ديفيد ريكاردو منذ نحو قرنين من الزمان؛ فمنطق الميزة النسبية الذي يفترض أن يحكم مبادئ التجارة الدولية، يفرض على الدولة أن تضحي بمبادئ السيادة الاقتصادية والاكتفاء الذاتي مقابل أن تتخصص في إنتاج وتصدير السلع التي تمتلك فيها وفرةً في عناصر الإنتاج، بينما تستورد ما تعاني فيه من ندرة. بهذا المنطق علينا أن ننظر أولًا لما نعانيه من فقر مائي حاد وعجز في استيراد الطاقة قبل أن نفكر في أشكال التصدير المشار إليها.
إن الميزة النسبية الحقيقية لمصر يجب أن تتركز في الصادرات "كثيفة العمالة" التي لا تستنزف الموارد الطبيعية مثل المنتجات الحرفية واليدوية (تعد إيطاليا وإيران وفرنسا من النماذج البارزة في هذا الإطار)، أو في قطاع الخدمات الحيوية كخدمات الرعاية الصحية والتمريض والتعليم، فضلًا عن مجالات الثقافة والفنون، فهذه المجالات تعتمد على "الثروة البشرية" المتوفرة لدينا بكثرة.
حتى السياحة ليست كلها سواءً على مستوى العائد على الموارد، ويجب أن يكون نموذجنا السياحي شديد الحساسية لإشكالية الموارد من خلال التركيز على السياحة الثقافية والفنية والدينية والبيئية والعلاجية بدلًا من سياحة المنتجعات وحمامات السباحة وملاعب الجولف التي تستهلك معدلات كبيرة من الطاقة والمياه.
تؤثر السياحة أيضًا على التركيبة المحصولية في مصر. في كتابه حكم الخبراء، تطرق الأكاديمي الشهير تيموثي ميتشل لكيفية تأثير السياحة على استغلال الموارد في قطاع الزراعة، من خلال تخصيص موارد كثيرة لإنتاج اللحوم رغم حاجتها الشرهة للمياه على حساب المحاصيل الأساسية التي يستهلكها المصريين في غذائهم اليومي.
تكمن المشكلة الرئيسية لسياسات الاقتصاد الشائع في تجاهلها المنهجي لسؤال الموارد عند تصميم استراتيجيات النمو ودعم التصدير وتخفيض العملة لتعزيز تنافسية الصادرات، إذ تُبنى هذه السياسات على افتراض أن المياه والطاقة والموارد الطبيعية مصادر لا تنضب، رغم الزعم الشهير بأن علم الاقتصاد يختص بالاستغلال الأمثل للموارد المحدودة.
هذا التجاهل لا يؤدي فقط إلى تعميق العجز الهيكلي والتبادل البيئي اللا متكافئ، بل يضع الاقتصاد في مسار خطير يعتمد على قطاعات كثيفة الكربون في لحظة تاريخية يزداد فيها التضييق الضريبي والتنظيمي عالميًا على الانبعاثات، ما يهدد بتآكل تنافسية هذه القطاعات مستقبلًا.
إن الاستمرار في هذا النهج يعني مقايضة قصيرة النظر بين سيولة محدودة آنية واستنزاف حاد طويل الأمد، بينما يتطلب الخروج الحقيقي من الأزمة إعادة توجيه السياسات نحو نموذج يضع ندرة الموارد في قلب الحساب الاقتصادي، ويُعطي أولويةً للعمل والمعرفة والثقافة بوصفها الأصول الأكثر وفرة واستدامة في مصر.
بالطبع لا يوجد مخرجٌ مستدامٌ لمواجهة اختلالات علاقتنا الاقتصادية مع العالم الخارجي بدون السيطرة على الديون، فأزمة الديون التي تصل التزاماتها إلى عشرات المليارات من الدولارات سنويًّا تفرض علينا تسييل أصولنا الطبيعية بأثمان بخسة للوفاء بالتزاماتنا. فتراتبية العملات تجعل عملات المركز الرأسمالي أداة لاستنزاف الموارد الطبيعية من الأطراف، حيث تضطر البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل لتجريف مواردها الحيوية لتأمين تدفق عملات تزداد قيمتها باستمرار، مما يحول "الديون السيادية" إلى أداة لاستخراج الموارد من الأطراف لصالح المركز.