تصميم: أحمد بلال، المنصة 2026
مزيد من الحروب يشعلها ترامب

أسلحة ترامب الفاسدة.. القنابل في طهران والانفجارات في واشنطن

منشور الثلاثاء 10 آذار/مارس 2026

جاءت ابنتي التي لم تكمل عامها الثاني عشر لتريني مقطع فيديو لسقوط صاروخ إيراني على هدف في تل أبيب. كانت تشرح بحماس تفاصيل الفيديو الذي أرسله أحد زملائها في المدرسة عبر جروب واتساب خاص، وبعد قليل من البحث في الفيديوهات والرسائل السابقة اكتشفت أن التلاميذ يتعاملون مع هذه الأحداث كأنهم مشجعون في مباراة كرة قدم ينحازون تمامًا للجانب الإيراني.

كارمن التي لا تعرف شيئًا عن السياسة ولا خلفيات الصراع، ترى الأمر واضحًا وبسيطًا، دولة كبرى تمتلك كل أدوات القوة والتدمير، شنت حربًا على دولة أخرى أضعف، وفي اليوم الأول من هذه الحرب قصفت مدرسة قتلت عشرات الفتيات في مثل سنها، كيف يكون القاتل في هذه الحالة شخصًا جيدًا؟

سكرين شوت من فيديو نشره ترامب على تروث سوشيال، 19 أكتوبر 2025

في الجانب الآخر من الكوكب، في الولايات المتحدة ذاتها، تتحدث تقارير عن تحالف غريب للغاية يجمع نشطاء يساريين وشخصيات من حركة MAGA ومؤثرين على منصة تيك توك، جميعهم ضد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وبدأت تُطرح أسئلة كانت محرمة حتى وقت قريب عن نفوذ إسرائيل في واشنطن وسيطرتها على قرارات إدارة ترامب.

بينما كشفت تقارير أخرى عن أصوات داخل التيار الترامبي نفسه تحذر من التورط في حرب جديدة بالشرق الأوسط. وفي عالم البودكاست الذي يتابعه ملايين الشباب الأمريكيين ممن ولدوا بعد حربي أفغانستان (2001) والعراق (2003)، بدأ يتشكل خطاب انعزالي يرى أن الولايات المتحدة لم تتعلم بعد دروس الحربين، ويدعو لتجنب صراع واسع مع إيران.

لافت جدًا حجم التأييد والتعاطف الذي تلقاه إيران في هذه الحرب. تعاطف واسع يضم كل الأجيال ويمتد من الشرق الأوسط إلى الأقصى ومن أوروبا إلى الولايات المتحدة، تختلف فيه الدوافع وتتشابه الاستنتاجات. هذه حرب ظالمة، غيرُ مبررة، تقودها إسرائيل وتكتفي الولايات المتحدة بدور التابع.

رأس الذئب الطائر

تشرح حكاية شهيرة للحكيم إيسوب (620 ق.م-564 ق.م) كيف أطار الأسد رأس الذئب الذي أغضبه، فتعلم الثعلب الحكمة، وارتضى الخضوع للأسد، بدلًا من مصير الذئب.

لكن المفارقة أن هذا المشهد، الذي يُراد به إخافة الآخرين، يولّد أثرًا معاكسًا أحيانًا؛ إذ لا يرى المتفرجون فيه مجرد تحذير، بل قسوة القوة حين تستعرض نفسها على جسد خصمها. وفي لحظة كهذه، يتشكل التعاطف مع الذئب مقطوع الرأس، لا حبًا فيه بالضرورة، بل نفورًا من مشهد الردع نفسه.

ربما يفسر ذلك جانبًا من المزاج في الشارع العربي اليوم، فالتعاطف مع إيران في هذه الحرب لا ينبع بالضرورة من اتفاق مع سياساتها، بقدر ما يعكس حساسية تاريخية لدى المنطقة تجاه استعراض القوة ومحاولات جعل طرفٍ ما عبرةً للآخرين، حتى لو كان لشعوب المنطقة تحفظات تصل لحد العداء مع ممارسات هذا الطرف وسياساته، ناهيك عن الخلافات الدينية والمذهبية معه.

مجرد تخوف إسرائيل من نواياك يكفي لبدء الحرب ضدك

كل عواصم الشرق الأوسط مشروع طهران جديدة، إيران لم تبدأ بضرب إسرائيل، لم ترد حتى بشكل مناسب على حدث بحجم اغتيال قاسم سليماني، ابتلعت وفاة رئيسها في حادث تحطم طائرة تتحدث كل المؤشرات على أن إسرائيل تقف وراءه، لم تنخرط في أحداث 7 أكتوبر ولم تسمح لأذرعها في المنطقة بتجاوز قواعد الاشتباك المعروفة سلفًا، والبعض حتى يلومها على ذلك، لم ترفض أي دعوة للحوار وقدمت تنازلات كثيرة حتى تتجنب هذه اللحظة لكنها جاءت.

ما الذي يمنع أن يحدث ذلك في أي عاصمة شرق أوسطية أخرى؟ مجرد امتلاك السلاح أو حتى السعي لامتلاكه صار تهمة، مجرد السعي لتطوير القدرات العسكرية جريمة، مجرد تخوف إسرائيل من نواياك يكفي لبدء الحرب ضدك، لا يتطلب الأمر قرارًا من مجلس الأمن ولا شرعية دولية، مجرد مكالمة هاتفية بين ترامب ونتنياهو.

لذلك تبدي غالبية شعوب المنطقة التعاطف مع إيران وتتمنى لو تخرج من هذه الحرب منتصرة، فذلك يعني أن انتصار الشر ليس حتميًا.

سياسة الوجه المكشوف

"نحن بحاجة إلى وصول كامل إلى النفط، سوف نبيع النفط، وسوف تقوم شركات النفط بالدخول وإعادة بناء نظامهم"، هذا ما قاله ترامب وهو يتحدث عن القصف الأمريكي لفنزويلا الذي انتهى بخطف الرئيس مادورو وسجنه في الولايات المتحدة.

"إيران وفنزويلا تمتلكان نحو 31% من احتياطي النفط في العالم، وسنكون في شراكة مع هذا الاحتياطي، وهذا كابوس للصين" هذا ما قاله السيناتور الجمهوري البارز ليندسي جراهام وهو يتحدث عن الحرب على إيران، هو نفسه الذي اعتبر في تصريحاته أن الحرب مع إيران حرب دينية ستحدد مستقبل المنطقة لألف عام.

حتى وقت قريب كانت الولايات المتحدة تغلف حروبها بشعارات وأهداف نبيلة من نوعية "نشر الديمقراطية"، "محاربة الإرهاب"، "حماية الأقليات". جميعنا كان يعلم أنها مجرد لافتات تتوارى خلفها الأهداف الحقيقية للحرب، لكنها في الوقت نفسه كانت مبررات مقنعة لغير المهتمين وغير المطلعين على التفاصيل، ومسكنات قوية لضمائر كارهي الحروب بأن وراءها هدفًا أسمى.

الأكيد أن أمريكا فقدت الكثير من سمعتها وهيبتها في هذه الحرب

منذ جاء ترامب تغيَّر الوضع وأصبحت التصريحات تخرج بهذا الوضوح والمباشرة والوجه المكشوف، لدينا أكبر قوة عسكرية في العالم وهناك دول تمتلك ثروات كبيرة فلم لا ننهبها؟ عقيدتنا أنه يجب أن تنتصر إسرائيل على أعدائها، فلماذا لا نعلن ذلك ونحارب معها؟ حتى عندما يحاولون تسويق أهداف أخرى للحرب مثل تهريب المخدرات في حالة فنزويلا، أو البرنامج النووي في حالة إيران، يتعجلون بدء الحرب قبل اتخاذ الإجراءات الشكلية في مثل هذه الحالات.

مثلًا عندما قررت أمريكا غزو أفغانستان، ورغم وجود مبرر قوي في يدها بعد أحداث 11 سبتمبر، ذهبت إلى المؤسسات الدولية لاستصدار قرار بشن الحرب، وعندما لم تنجح في ذلك شكلت تحالفًا دوليًا شاركت فيه دول كبرى مثل بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وكندا وأستراليا، ودول صغيرة مثل مونتنيجرو ولاتفيا شارك بعضها بـ20 جنديًا.

وقبل غزوها للعراق خاضت جولات كثيرة بخصوص البرنامج النووي العراقي، وتفتيش من الوكالة الدولية، وجلسات في مجلس الأمن كنا نتابعها على الهواء وعرفنا فيها اسم محمد البرادعي لأول مرة، وعندما فشلت أيضًا في استصدار قرار من مجلس الأمن أو حتى الناتو شكلت تحالفًا باسم تحالف الراغبين شنت تحت مظلته الحرب.

لم تفعل الولايات المتحدة ذلك عن ضعف، كان بوسعها شن الحرب منفردة، لكن تدرك أهمية وجود مبرر أخلاقي للحرب أولًا، وغطاء دولي ثانيًا، لإضفاء الشرعية على أي تحرك عسكري.

عدم اهتمام إدارة ترامب بهذه "الشكليات"، وضع أمام الجميع أسئلة صعبة ومحرجة، والإمعان في إظهار التبعية لإسرائيل أثار غضب مؤيديها قبل معارضيها ومحبي إسرائيل قبل كارهيها، وإصرارها على التباهي بالقوة لا يروق الأجيال الجديدة التي غالبًا ما تتعاطف مع الطرف الأضعف.

قد تُحقق الولايات المتحدة انتصارًا كاسحًا على إيران، وقد تخسر الحرب، أو تنتهي هذه الجولة دون منتصر ومهزوم. لكن الأكيد أن أمريكا فقدت الكثير من سمعتها وهيبتها في هذه الحرب، وبعد أن كان الحلم الأمريكي يراود كل شاب في وقت ما، والأعلام الأمريكية تُطبع على القمصان وترفع على البيوت، سنكون قريبًا أمام جيل جديد يعتبرها الشر المطلق والإمبراطورية التي آن لحكمها أن يزول.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.