ترامب رئيس العالم حتى إشعار آخر
بدأ الأسبوع الثالث للحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران ولا تزال التقديرات تتضارب بين من يتوقعون بدء العد التنازلي لنهاية قريبة لها بعد فشل توقعات ترامب ونتنياهو بانهيار النظام الإيراني فور اغتيال كبار قادته، على رأسهم المرشد الأعلى علي خامنئي، وبسبب ما لحق بالاقتصاد العالمي من خسائر متصاعدة، وبين من يتوقعون استمرارها بعد توسع جبهاتها لتشمل عشر دول في منطقة بينها كبرى مصدِّري النفط.
ما يلفت النظر في هذه الحرب أن إدارة ترامب اتخذت قرار بدئها دون حتى التشاور مع حلفائها الأوروبيين التقليديين. ولم يكن خافيًا امتعاض قادة بريطانيا وفرنسا وألمانيا وبقية الدول الأوروبية الكبرى من قرار ترامب الذي اتخذه مع نتنياهو فقط، من دون وضع مصالحهم في الاعتبار أو حتى منح حلفائه الوقت لإجلاء الدبلوماسيين ورعاياهم من دول الخليج، التي كان الجميع يعرف أن إيران ستحولها إلى مسرح للعمليات فور بدء الهجمات الأمريكية-الإسرائيلية.
حرب ترامب
رغم اضطرار حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين إلى الانخراط تدريجيًا في الحرب بحكم ما يربطهم بدول الخليج من اتفاقات دفاع مشترك، فإنه لم يصدر حتى الآن أي دعم رسمي من دولة أوروبية لهذه المغامرة العسكرية.
كما لم يُظهر ترامب اهتمامًا بحشد دعم داخلي لحربه المشتركة مع إسرائيل ضد إيران، فلم يطلق حملات لشرح أهدافها للأمريكيين، ولا سعى للحصول على موافقة الكونجرس المنقسم تقريبًا بالتساوي، مفضلًا توصيف ما تقوم به القوات الأمريكية في إيران منذ 28 فبراير/شباط باعتباره "عملية عسكرية" لا "حربًا" تتطلب موافقة المشرعين، وهو النهج نفسه الذي اتبعه في عمليات عسكرية سابقة في سوريا واليمن وإيران، وكذلك في واقعة اختطاف واحتجاز رئيس فنزويلا السابق نيكولاس مادورو، وصولًا إلى نيجيريا.
يعد ترامب فوزه في الانتخابات الأمريكية قبل عام تفويضًا للقيام بكل ما يرغب خلال سنوات حكمه الأربعة، واثقًا من الدعم المطلق من قاعدته الشعبية، حتى وإن خرجت بعض الأصوات منتقدة مغامراته العسكرية المتواصلة، لتناقضها مع تعهداته لأنصاره في حركة MAGA بعدم خوض حروب خارجية لا تخدم المصالح الأمريكية ولا تلبي مطالبهم بالتركيز على الداخل وقضاياه مثل الاقتصاد والهجرة.
ترامب قرر ببساطة ألا يكتفي برئاسة أمريكا ونصّب نفسه رئيسًا للعالم حتى إشعار آخر
لكن الجديد في هذه الحرب هو العامل الإسرائيلي؛ إذ قرر ترامب، للمرة الأولى منذ قيام الكيان الصهيوني، خوض حرب مشتركة معه، وهو ما أسهم على نحو غير مسبوق في إثارة جدل داخلي، حتى داخل الأوساط الجمهورية، بشأن السماح لإسرائيل، وهي دولة صغيرة، بفرض أولوياتها على الولايات المتحدة.
جاء تبرير ترامب لبدء الحرب مثيرًا لاستغراب الأمريكيين وبقية العالم إذ انتقل من دعم ثورة الشعب الإيراني ضد حكومته، مرورًا بالقضاء على برنامجها النووي الذي سبق وصرح في يونيو/حزيران الماضي بعد حرب الـ12 يومًا أنه قد تم "محوه بالكامل"، ثم القضاء على برنامجها الصاروخي ودعمها لما يعرف بـأذرع المقاومة التي تصنفها واشنطن منظمات إرهابية مثل حزب الله وحماس والحوثيين، نهاية بمبررات تعود إلى تاريخ انطلاق الثورة الإيرانية عام 1979 واحتجاز الدبلوماسيين الأمريكيين في طهران بجانب البعد الشخصي المتمثل في محاولة الإيرانيين اغتياله.
تكلفة المغامرة
قرر ترامب ببساطة ألا يكتفي برئاسة أمريكا، ونصَّب نفسه رئيسًا للعالم حتى إشعار آخر، وهي نفس الرؤية التي قدمها عند تشكيل "مجلس السلام" الذي كان من المفترض أن يشرف على تطبيق خطته لوقف إطلاق النار في قطاع غزة وتحقيق السلام في الشرق الأوسط، لكنه قرر توسيع صلاحياته لتشمل تسوية كل نزاعات العالم بعيدًا عن المؤسسات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة التي تعوق تحقيق أهدافه. وهذا هو ببساطة مفهوم ترامب للنظام العالمي الجديد الذي تهيمن فيه الولايات المتحدة بالقوة العسكرية والاقتصادية على العالم.
يدرك قادة العالم نرجسية ترامب المفرطة، لكن المصالح التي تربط دولهم بالولايات المتحدة، بما في ذلك الصين وروسيا، إلى جانب ثقل الاقتصاد الأمريكي، واستمرار اعتماد الأوروبيين على واشنطن في مواجهة روسيا وحربها المتواصلة في أوكرانيا، كلها عوامل حالت حتى الآن دون بروز معارضة دولية حقيقية للحرب الأمريكية الإسرائيلية المتواصلة ضد إيران.
اقتصر حراك مجلس الأمن الدولي تجاه التصعيد العسكري الأخير على قرار يتيم استهدف إدانة طهران لعملياتها ضد دول الخليج العربي. والمفارقة هنا تكمن في خلو القرار من أي إشارة لمبادرة واشنطن وتل أبيب بالهجوم الأول على إيران؛ وهي النقطة التي لم يثرها سوى المندوبين الروسي والصيني. ورغم تحفظهما، آثر الطرفان عدم استخدام حق النقض (الفيتو) لتجنب الصدام مع المصالح الخليجية.
لم نشهد مظاهرات تخرج في دول العالم لمعارضة الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران
وهنا يبرز بعدٌ آخر لافت في هذه الحرب باهظة التكاليف على العالم بأكمله، وهو افتقاد النظام الإيراني للتعاطف على الصعيد الدولي، والذي يرجع إلى طبيعته الدينية المتشددة وما يرفعه من شعارات منذ الإطاحة بالشاه السابق الموالي للولايات المتحدة قبل نحو خمسة عقود، فضلًا عن عمليات القمع المتواصلة لأي معارضة شعبية داخلية.
من الصعب على أي قوة سياسية تضع الديمقراطية وحقوق الإنسان كأولوية مبدئية أن تجد أرضية مشتركة مع النظام الإيراني؛ نظرًا لآلية الحكم التي ترهن اختيار القادة والعملية الانتخابية بموافقة هيئات دينية غير منتخبة. يضاف إلى ذلك سجل النظام المثير للجدل فيما يخص حقوق المرأة، والضمانات القضائية، والحريات الأساسية للمواطنين.
النصر المستحيل
مر ما يزيد عن أسبوعين على بدء الحرب وتعرض إيران لعمليات قصف واسعة أدت إلى مقتل ما يزيد عن 1300 إيراني، كثير منهم مدنيون وأطفال، إذ تستهدف مناطق غير عسكرية مثل ما حدث في بداية الحرب بقصف مدرسة للبنات. كما توسعت إسرائيل في حربها لتطال لبنان، ما أدى لمقتل أكثر من 800 لبناني وتشريد نحو مليون مواطن، غير أننا لم نشهد مظاهرات معارضة للحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران في أي من دول العالم، على عكس ما شهدته مدن العالم المختلفة من حشود ضد حرب الإبادة الإسرائيلية ضد غزة على مدار عامين.
غياب التعاطف الدولي لم يغير الحقائق القائمة على الأرض، من بينها أن النظام الإيراني رغم سجله القمعي بلا شك ما زال يحظى بتعاطف قطاع لا بأس به من الشعب الإيراني وهو ما يتزايد مع تواصل القصف الأمريكي والإسرائيلي. ووفقًا لمحللين عسكريين، فإن الحملة العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية تثبت مجددًا صعوبة تحقيق هدف التخلص من نظام بعينه عبر شن حملة جوية موسعة حتى وان استمرت أسابيع، وأنه كما في حالة غزو واحتلال العراق فإن الخيار الوحيد هو الاعتماد على قوات برية ضخمة لتحقيق ذلك.
مجريات الحرب أثبتت مجددًا أن القوة العسكرية المفرطة ليست الطريق الوحيد لتحقيق النصر
وإذا كان احتلال العراق قد تطلب ما بين 100 إلى 150 ألف عسكري أمريكي، ارتفعت بالطبع لاحقًا تحت وطأة هجمات المقاومة العراقية، فإن غزو دولة ضخمة مثل إيران التي يزيد عدد سكانها على 90 مليون نسمة، سيتطلب ضعف هذا الرقم على الأقل من القوات العسكرية الأمريكية، ما يجعل هذا الخيار مستبعدًا.
تثبت مجريات الحرب مجددًا أن القوة العسكرية المفرطة ليست الطريق الوحيد لتحقيق النصر، وأن دولة مثل إيران التي لا يمكن مقارنة إمكاناتها العسكرية بما تمتلكه الولايات المتحدة وإسرائيل من قنابل نووية وتكنولوجيا حديثة، لا تزال قادرة باستخدام أسلحة رخيصة مثل الطائرات المسيرة والصواريخ العمياء القصيرة والطويلة المدى على إلحاق خسائر مؤلمة بأعدائها.
كما أن مسرح العمليات يلعب لصالح إيران وليس الولايات المتحدة وإسرائيل. فالحرب الحالية لا تدور في جبال أفغانستان أو في أدغال الكونغو وأقاليم السودان وإثيوبيا التي تعاني الفقر المدقع، ولكن معاركها تحتدم فوق برميل بارود بالمعنى الحرفي للكلمة يتمثل في مخزون هائل من النفط والغاز. إذ إنه في حال إحساس إيران بخطر حقيقي، يسهل على النظام وبإمكانات بسيطة إشعال كل حقول ومصافي النفط في الخليج وقصف محطات تحلية المياه ودفع أنصاره للقيام بأعمال إرهاب وتفجيرات في مدن الأبراج العالية والثراء الوفير ملحقة بها أضرارًا فادحة.
إن المعطيات الميدانية، وصمود النظام الإيراني، وحجم الشلل الذي أصاب الاقتصاد العالمي جراء الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، فضلًا عن التهديد الوجودي الذي يلاحق دول الخليج؛ كلُّها عوامل تؤكد أن ترامب سيسعى لطي صفحة الحرب، ولو تطلب الأمر بضعة أيام إضافية ليخرج معلنًا نصرًا زائفًا. ومع ذلك، فإن تداعيات هذه الحرب على النظام الدولي وإعادة رسم خرائط المنطقة ستظل حاضرة لسنوات طويلة، ولن تمرَّ كمجرد عملية عسكرية أو مغامرة خاطفة كما توهّم رئيس العالم.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.
