برخصة المشاع الإبداعي، ويكيبيديا
المرشد الأعلى السابق للثورة الإسلامية في إيران، علي خامنئي

ولاية الفقيه من خميني إلى ما بعد خامنئي.. تنطفئ النار المقدسة أم تزيد اشتعالًا؟

منشور الاثنين 16 آذار/مارس 2026

في يوم الخميس، الأول من فبراير 1979، حطّت طائرة "إيران إير" في مطار طهران، وعلى متنها رجلٌ عجوزٌ بعمامة سوداء وعباءة مكسوة بالصمت، وبرفقته 120 صحفيًا. لم يكن روح الله موسوي الخميني يعود إلى وطن، بل كان يذهب بخطوات ثابتة ليَكتُب التاريخ. حين سأله الصحفي الفرنسي بيتر جينينجز على متن الطائرة عمّا يشعر به بعد خمسة عشر عامًا من المنفى، أجاب ببرود جعل العالم يتوقف لحظة: لا شيء.

في رأيي، إجابته ليست نابعة من بلادة المشاعر، بل كانت تعبيرًا عن رجلٍ لا يرى في الشخصي مرجعًا، لأن الشخصي -ربما بالنسبة له- كلّه ذاب في المشروع العقدي والسياسي الذي قضى عمره في صياغته.

لكن، ما الذي يجعل من شيخ درس الفقه في حوزات النجف وقُمْ زعيمًا لثورة أطاحت بواحدة من أعرق الملكيات في المنطقة؟ وكيف تحوّل مفهوم فقهي شبه هامشي -ولاية الفقيه- إلى نظام حكم يحكم دولةً لديها ما يقارب التسعين مليون نسمة حتى اليوم؟ هذه أسئلة لا تجيب عنها السير الذاتية ولا الروايات الدعائية المضادة، إنما تجيب عنها سوسيولوجيا السلطة الدينية، أو بعبارة أخرى تلك الأسئلة: كيف تنبثق الشرعية من حقل رمزي كالدين؟ وكيف تتحوّل إلى هياكل سياسية قمعية؟

لماذا الخميني؟

لا يمكن فهم الخميني بمعزل عن إيران الشاه. كانت إيران في خمسينيات وستينيات القرن الماضي تعيش ما يمكن تسميته حالة تحديث عنيفة، أو بتعبير الفيلسوف والناقد السياسي الإيراني جلال الأحمد، حالة الغربزدگي "الاستلاب الغربي" أو "الغربنة". كان محمد رضا بهلوي يدفع بلاده بعنف نحو العلمنة، مستعينًا بجهاز أمني وحشي هو السافاك، ومستندًا إلى ثروة نفطية ضخّت في عروق الاقتصاد دمًا ساخنًا لكنه غير متوازن، مما أدى للصدام العنيف مع رجال الدين.

وصول الخميني إلى إيران في 1 فبراير 1979

ما أنتجه هذا المسار لم يكن المجتمعَ الحديث الذي حلم به الشاه، بل أنتج بنيةً اجتماعيةً بالغة الهشاشة: برجوازية تقليدية تشعر بأن التحديث يهدد وجودها الاقتصادي، وعلماء دين يرون سلطتهم الرمزية تتآكل تحت أقدام التغريب، وجموعًا من الفلاحين المُهجَّرين الذين توافدوا على المدن ليجدوا أنفسهم في أحزمة الفقر المحيطة بطهران الفاخرة، تائهين بين هوية مدنية لم تستوعبهم وريف لا يستطيعون العودة إليه. هذه الكتلة الاجتماعية الثلاثية -البازارية والحوزوية والمُهمَّشة الحضرية - كانت بحاجة لخطاب يجمعها، ولوجه يمثّلها. الخميني كان هذا الخطاب وهذا الوجه معًا.

لا تعتبر عالمة الاجتماع الأمريكية ثيدا سكوكبول في تحليلها للثورة الإيرانية أنها ثورة دينية بالمعنى الحرفي، بل ثورة اجتماعية حوّل الخميني بنجاح استثنائي حوافزها الاقتصادية والسياسية إلى لغة دينية قادرة على تعبئة قطاعات واسعة من السكان.

لكن سكوكبول تُضيف تحفّظًا مهمًا: لم يكن الإسلام السياسي نتيجةً حتميةً لتلك الظروف؛ كانت ثمة سيناريوهات بديلة يسارية وقومية، غير أن هشاشة تلك البدائل في مواجهة الشبكات المؤسسية للحوزات الدينية، مع كاريزما الخميني وقدرته التنظيمية، هي ما رجّح الكفّة.

كان أهم استنتاج قدمته سكوكبول هو اعترافها الاستثنائي بأن الثورة الإيرانية، على عكس الثورات التاريخية الكبرى السابقة، هي ثورة "صُنعت عمدًا". لقد كان هناك حراك مدني حضري مقصود، وقيادة أيديولوجية واضحة، وتعبئة جماهيرية غيّرت مجرى التاريخ دون الحاجة إلى انتفاضات فلاحية أو حروب خارجية مسبقة.

الخميني لم يستحضر موقفًا إسلاميًا قديمًا بل أنتج نظامًا فقهيًا جديدًا قدمه بوصفه الحقيقة الإسلامية الكاملة والوحيدة

في عام 1970، وهو يُحاضر في النجف الأشرف، ألقى الخميني سلسلة محاضرات جمعها لاحقًا في كتاب سيغدو من أكثر الكتب الفقهية السياسية إثارةً للجدل في التاريخ الإسلامي الحديث هو الحكومة الإسلامية: ولاية الفقيه. الأطروحة كانت جريئةً إلى حدّ الصدمة لكثير من زملائه العلماء: وهي إنه في غياب الإمام المعصوم الغائب، تنتقل ولايته الكاملة -لا الاستشارية فحسب، بل السياسية والقضائية والتشريعية- إلى الفقيه الجامع للشروط.

من الناحية السوسيولوجية، ما فعله الخميني هو توظيف مفهوم ماكس فيبر عن الكاريزما في سياق بنيوي مؤسسي. فيبر كان يرى أن السلطة الكاريزمية أشدّ هشاشةً من غيرها لأنها مرتبطة بشخص، وأنها لكي تستمر لا بدّ أن تخضع لما سمّاه التقييد الروتيني/Routinization.

كان السؤال: كيف يتم العثور على قائد جديد حين يكون القائد الأول مختارًا بعناية مفارقة للطبيعة لا تُورث؟ الحل (السوسيو سياسي) يكمن في ابتكار قواعد (قانونية أو فقهية) تنقل القدسية من شخص القائد الفرد إلى المنصب الذي يشغله، لتصبح الطاعة للمؤسسة لا للشخص.

طبق الخميني هذا المضمون بنجاح باهر، إذ ربط الكاريزما الشخصية بالمؤسسة الفقهية عبر عقيدة ولاية الفقيه، ثم ربط المؤسسة الفقهية بالدستور عبر مجلس صون الدستور ومقام المرشد الأعلى. هكذا ضمن أن الثورة لن تموت بموت زعيمها، بل أصبحت هيكلًا دستوريًا يُعيد إنتاج نفسه.

ما يثير الانتباه أن عددًا كبيرًا من كبار مراجع الشيعة رفضوا هذه الأطروحة صراحةً، من أبي القاسم الخوئي إلى علي السيستاني لاحقًا. فالتقليد الفقهي الشيعي السائد كان يميل نحو الانفصال عن السياسة لا السيطرة عليها.

يشير هذا إلى أن الخميني لم يستحضر موقفًا إسلاميًا قديمًا، بل أنتج نظامًا فقهيًا جديدًا قدمه بوصفه الحقيقة الإسلامية الكاملة والوحيدة. لقد قام الخميني بتعبير علماء الاجتماع بـاختراع تقليد.

الوجه الآخر للمقدس

لا تستطيع أي قراءة موضوعية تجاهل الثمن الباهظ لسردية السلطة الجديدة. حين استقرّ الخميني في السلطة، كانت الثورة قد بدأت تأكل أبناءها: اليساريون الذين قاتلوا جنبًا إلى جنب مع الإسلاميين وجدوا أنفسهم فجأةً أمام تهمة محاربة الله. مجاهدو خلق نُكّل بهم. الأكراد قُوبلوا بحملات عسكرية. وفي الثمانينيات، شهدت السجون الإيرانية مجازر لا تزال ملفّاتها في معظمها مغلقة، وكان الخميني قد أصدر أوامره بها صراحةً ما عُرف بإعدامات 1988.

كان الخميني مقتنعًا أن الجهاد ضد "المفسدين في الأرض" ليس ترفًا أيديولوجيًا، إنما واجب ديني يُشرّع العنف ويُقدّسه.

يرتبط موقف الخميني بما يُسمّيه عالم الاجتماع الديني مارك يورجنسماير الإرهاب المقدس: حين يُعيد الإطار الديني تصنيف العنف من جريمة إلى عبادة، وعليه فإن المنظومة الأخلاقية التي تكبح العنف في السياق العلماني تصبح غير ذات صلة، لأن مرجعية الحكم تنتقل من القانون الوضعي إلى الأمر الإلهي. لا يعني هذا أن الدين بطبعه عنيف، بل يعني أن الدين -حين يتحوّل إلى أيديولوجيا سياسية شاملة- يصبح قادرًا على إنتاج العنف بنفس الدرجة التي قد تنتجه بها الأيديولوجيات العلمانية التوتاليتارية.

حين مات الخميني في يونيو/ حزيران 1989، طُرح السؤال الكبير: هل تصمد الثورة في غياب مؤسسها؟ الإجابة جاءت بنعم، لكن بتحوّلات جوهرية، فلم تكن خلافة علي خامنئي انتقالًا سلسًا، إنما دليل على أن نظام ولاية الفقيه نجح فعلًا فيما أراد له الخميني، أن يكون الفقيه قابلًا للاستبدال لأن السلطة في المنصب لا في الشخص.

وريث بلا كاريزما

في يونيو 1989، وبينما كانت إيران لا تزال تُشيّع الخميني، كان على مجلس خبراء القيادة أن يتخذ في ساعات قرارًا سيرسم مستقبل الجمهورية الإسلامية. الاسم الذي برز كان مفاجئًا حتى لكثير من المطّلعين. علي خامنئي، الرئيس وقتها، الذي لم تتجاوز درجته الفقهية مرتبة الحجة، وهي مرتبة متوسطة في التسلسل الهرمي الديني الشيعي تبعد كثيرًا عن مرتبة "المرجع" التي يشترطها النظام نظريًا لتولّي منصب المرشد الأعلى، الحلّ كان بسيطًا بقدر ما كان مثيرًا للجدل، رُفعت مرتبته إلى "آية الله" في اليوم ذاته تقريبًا الذي عُيّن فيه.

افتقر خامنئي لكاريزما سلفه، كما افتقر لدرجته الفقهية العليا التي تمنحه الطاعة الروحية المطلقة. لكن، رغم البداية الهشة، كان لثلاثة عقود أدقّ وأعقد من مجرد الاستناد إلى البيروقراطية، لقد طوّر شكلًا هجينًا من السلطة يجمع الشرعية المؤسسية بكاريزما معاد بناؤها تدريجيًا، لا بالحضور الشخصي، بل بالهيمنة على آليات إنتاج الخطاب الديني الرسمي.

الإمام آية الله الخميني

حين تولّى خامنئي السلطة، كان يواجه معادلةً شبه مستحيلة، أن يملأ مكانًا رمزيًا لم يكن مُهيَّأ له، في مواجهة مؤسسة دينية لم تعترف به مرجعًا، وفي ظل شعب لا يزال يرى في الخميني الظلّ المقدس الذي لا يُستبدل. استخدم خامنئي عدة استراتيجيات لحل هذه المُعادلة.

الاستراتيجية الأولى كانت ما يمكن تسميته: احتكار الخطاب الخميني. بدلًا من أن يحاول الظهور بمظهر مختلف أو مستقل، استثمر خامنئي كل طاقته في تقديم نفسه الوصيَّ الأمين والمُفسّر الحصري لإرث الخميني وفكره. هذا التوظيف منحه شرعية مُستعارة تجاوز بها في البداية غياب الشرعية الذاتية، بل باعتباره من يعلم وحده ما أراده الإمام حقًا.

الاستراتيجية الثانية كانت الحرب. كانت حرب الثماني سنوات مع العراق قد انتهت قبل تولّيه، لكن ذاكرتها ظلّت حاضرة.

وظّف خامنئي هذه الذاكرة توظيفًا بارعًا: جعل من "الدفاع المقدس" خطابًا دائم الحضور حيث اعتبرها، أي الحرب الإيرانية العراقية، من أكثر الأحداث عقلانية في تاريخ بلاده، ليُضفي على كل قرار سياسي، من الملف النووي إلى التدخل في سوريا إلى الحرب الجارية مع أمريكا وإسرائيل، طابع الحرب الدفاعية الوجودية التي تُسقط أي مُعارضة بوصفها تخاذلًا أو خيانة. جعلت هذه الآلية من السلطة الاستثنائية سلطةً عادية، وفي حالة طوارئ دائمة.

الاستراتيجية الثالثة، والأكثر عمقًا، كانت إعادة هيكلة المجال الديني نفسه. على مدى عقود، عمل خامنئي على دعم العلماء الموالين له في الحوزات، وتجفيف مصادر تمويل المراجع المستقلة، وتأسيس مراكز دينية موازية تحت سيطرة الدولة. النتيجة الاجتماعية لهذا المسار هي ما يُسمى بـالمأسسة البيروقراطية للدين، أي إخضاع الحقل الديني لمنطق الدولة البيروقراطية بدلًا من تركه يعمل بمنطقه الداخلي الخاص.

لم يعد الهدف الأساسي نشر التشيع بل خلق أذرع ردع استراتيجي وخوض المعارك بعيدًا عن الجغرافيا الإيرانية

سياسيًا، عوّض خامنئي افتقاره للكاريزما الجماهيرية بـ نقل مركز ثقل السلطة في إيران من المؤسسة الدينية التقليدية، التي لم يثق بولائها المطلق، إلى الحرس الثوري الإيراني. لم يقتصر هذا التحول على الجانب الأمني، بل شمل الجانب الاقتصادي.

تحول الحرس الثوري، من خلال مؤسسات مثل مقر خاتم الأنبياء للإعمار، إلى إمبراطورية اقتصادية تبتلع مقاولات البنية التحتية، والمواني، وقطاعات الاتصالات، والنفط. هكذا نجح خامنئي في تحويل الجمهورية عمليًا من "دولة ثيوقراطية شعبوية" إلى "دولة أمنية-عسكرية عميقة" تتخفى تحت غطاء ديني.

في تقرير للمعهد الدولي للدراسات الإيرانية بعنوان الإيرانيون وتسييس الألقاب العلمائية، كانت إجابة أحد الملالي الصغار على سؤال من الذي يختار الولي الفقيه؟ هي "الكلاشينكوف". أما على الصعيد الخارجي، أعاد خامنئي صياغة العقيدة الجيوسياسية لإيران. فقد حوّل رؤية الخميني الرومانسية حول تصدير الثورة الإسلامية إلى استراتيجية أمنية براجماتية تُعرف بـالدفاع الأمامي (المستمر).

أدركت طهران ضعف قدراتها العسكرية التقليدية أمام التفوق التكنولوجي الغربي والإسرائيلي، فاعتمدت على بناء شبكة معقدة من الفاعلين ما دون الدولة (الوكلاء والميليشيات في لبنان مثل حزب الله، والعراق، وسوريا، واليمن) عبر فيلق القدس الذي لم يعد الهدف الأساسي نشر التشيع، بل خلق أذرع ردع استراتيجي وخوض المعارك بعيدًا عن الجغرافيا الإيرانية لحماية المركز وبقاء النظام الحاكم في طهران.

العقل الاستراتيجي خلف القناع الديني

أحد الأخطاء المتكررة في تحليل خامنئي هو اختزاله في رجل دين يحكم بدوافع عقدية صافية. الصورة الأقرب للحقيقة، استنادًا إلى تتبع قراراته على مدى ثلاثة عقود، هي أنه سياسيٌّ استراتيجي من الطراز الأول يستخدم اللغة الدينية بكفاءة بارعة، لكنه يعمل في إطار حسابات براغماتية تتعلق بإدامة النظام والنفوذ الإقليمي وتوازن القوى الداخلية.

مثالٌ واحد يكفي للتدليل، في الانتخابات الرئاسية عام 2005، صعود أحمدي نجاد الذي بدا في بداياته متعارضًا مع الاتجاهات الإصلاحية، لكن حين أصبحت لديه شعبية مستقلة وقراءات شبه مستقلة للخطاب الديني الوطني، سرعان ما وجد نفسه في مواجهة مفتوحة مع خامنئي.

تكرّر هذا النمط مع رفسنجاني ومع خاتمي ومع موسوي: كل من تجاوز حدًّا معينًا من الاستقلالية، بصرف النظر عن توجهه الأيديولوجي، وجد نفسه في مواجهة مع خامنئي. الثابت الوحيد لدى خامنئي ليس الأيديولوجيا، بل: ألا يصبح أحدٌ منافسًا محتملًا.

هذا النمط يُعرف بـالتفرد السلطوي/Authoritarian Singularity، وهو نمط يختلف جوهريًا عن الديكتاتورية التقليدية التي تعمل بالحكم المباشر. لم يحكم خامنئي دائمًا حكمًا مباشرًا، بل سيطر على فضاء السياسة الإيرانية بحيث لا تصل أي قوة إلى حدٍ يُهدد مركزية موقعه. كما لعب دور المُحكَّم الأخير في الصراعات الداخلية، وهذا الموقع "التحكيمي" منحه قوةً تفوق قوة الحكم المباشر لأنه جعله ضروريًا لجميع الأطراف.

تمدد خامنئي الإقليمي أنتج توازنًا يُتيح للنظام الإيراني تبرير حالة الطوارئ الداخلية المستمرة

ما يجعل تحليل خامنئي ضرورةً لأي قارئ عربي هو أن نفوذه لم يتوقف عند الحدود الإيرانية. فالاستراتيجية الإقليمية التي أطّرها خامنئي، عبر دعم حزب الله والحشد الشعبي والحوثيين وفصائل فلسطينية متعددة، هي بامتياز استراتيجية "القوة الناعمة بتعبير جوزيف ناي والصلبة"، أي استخدام الخطاب الديني والهوية المقاومتية لبناء شبكات نفوذ عابرة للحدود، مع تقديم دعم عسكري وأمني حقيقي يجعل هذه الشبكات قوةً فاعلة في ميادين القتال الفعلي.

المفارقة أن لهذا التمدد نتائج متناقضة. في لبنان والعراق، نجح نسبيًا في بناء حضور استراتيجي شبه دائم وإلى الآن (مع تهديدات مُحتملة بسقوط حزب الله). لكنه في الوقت ذاته رسّخ الاستقطاب المذهبي الذي كان يمكن توظيفه من قِبل قوى إقليمية أخرى لاحتواء النفوذ الإيراني، وهذا بالضبط ما جرى في سياق الاستعداء السعودي الإماراتي على مدى عقود.

أفضي هذا المنطق إلى نتيجة غريبة، تمدُّد خامنئي الإقليمي أنتج توازنًا يُتيح للنظام الإيراني تبرير حالة الطوارئ الداخلية المستمرة، لأن الحرب الباردة الإقليمية تُرسّخ خطاب "التهديد الدائم" الذي يُسوّغ أي قيود على الحريات الداخلية.

من دولة الفقيه إلى جمهورية الحرس الثوري

في الأخير، يُمكن القول بأنه إذا كان الخميني أسَّس شرعية النظام الإيراني على وهج الكاريزما الثورية المطلقة وابتكار عقيدة "ولاية الفقيه" لتحويل الدين إلى أيديولوجيا تعبئة شاملة، فإن خامنئي أعاد هندسة هذه الشرعية لتستند إلى البيروقراطية الصلبة، والقبضة الأمنية، والردع الإقليمي.

لم يعد النظام الإيراني اليوم يحيا بقوة الجذب الروحي، لكن بقدرته على إدارة التناقضات، واستدامة حالة "الطوارئ المقدسة"، وتحويل الجغرافيا الإقليمية إلى خطوط دفاع أمامية.

والسؤال المفتوح الذي تتركه سوسيولوجيا السلطة الإيرانية اليوم، ونحن نقترب حتمًا من نهاية حقبة الخميني وخامنئي الأب والابن، هو: هل يمكن لهذه البنية الهجينة أن تنجو من تناقضاتها الداخلية بغياب "المُحكِّم الأخير"؟ (حتى كتابة هذا المقال لم يظهر مجتبى خامنئي)، وهل ينجح النظام في إعادة إنتاج مرشد جديد بآليات بيروقراطية للمرة الثانية تُرضى العالم الخارجي خاصة أمريكا وإسرائيل؟

أم أن غطاء العباءة والعمامة سيسقط كليًا، لتجد هذه البنية نفسها في مواجهة مباشرة ومكشوفة مع مجتمع إيراني أنهكته الشعارات المقدسة، والعزلة الدولية، والأزمات الاقتصادية الخانقة؟ التاريخ وحده، ربما القريب جدًا، وليس الفقه، مَن يملك الإجابة.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.