تصميم: سيف الدين أحمد، المنصة 2026
مسلسلات رمضان 2026 تروي جانبًا آخرَ من الحكاية عن أب مقهور لحرمانه من أبنائه بعد الطلاق

نظرة أخرى لقوانين الرؤية.. دراما رمضان تصالح الآباء

منشور الثلاثاء 24 آذار/مارس 2026

قبل عامين من الآن، تابع ملايين المصريين بتوتر مسلسل تحت الوصاية، الذي وثق معاناة حنان عبد الحميد/منى زكي وهي تحاول حماية طفليها من جشع أسرة زوجها الراحل، ومعاناتها في نقلهما من مدرسة إلى أخرى، أو التصرف في الميراث، بسبب القيود القانونية.

فتح المسلسل نقاشًا طويلًا وظهرت مطالب بتغيير قوانين الولاية، بحيث تكون للأم سلطة أكبر في إدارة شؤون صغارها عند وفاة الأب أو غيابه، باعتبارها الأقدر على تحديد احتياجاتهم والأكثر حرصًا على مستقبلهم.

أزمات الأم بعد الطلاق ظهرت خلال السنوات العشر الأخيرة في الكثير من المسلسلات، التي تناقش بشكل كامل أو ضمن خطٍّ دراميٍّ رئيسيٍّ معاناتها مع طليق متسلط يستخدم الأبناء أداة للضغط عليها، أو لا يهتم بهم أصلًا وهو مُختفٍ ليتزوج أو يسافر للعمل، فيما تضطلع الأم بالدورين معًا.

ثم فجأة؛ حدثت "ريمونتادا" في الموسم الرمضاني الحالي، ثلاثة مسلسلات دفعة واحدة: كان ياما كان والمتر سمير وأب ولكن، تروي جانبًا آخرَ من الحكاية عن أب مقهور لحرمانه من أبنائه بعد الطلاق، وزوجة متعنتة متلاعبة بالقانون، يفوق اهتمامها بالمال حرصها على سعادة أبنائها وسلامتهم بالقرب من والديهما.

على عكس مواسم سابقة انحازت دراما رمضان 2026 للرجال

ربما تأثر كتاب المسلسلات بالفيديو الذي انتشر قبل أشهر قليلة على السوشيال ميديا لأب يحاول مقابلة ابنته التي لم يرها منذ 11 عامًا لأن طليقته وأسرته يمنعونه بالقوة، أو قصص وحكايات أخرى لحرمان الآباء من حقهم في الرؤية لسنوات، لدرجة أن الأبناء نسوا ملامحهم. لكن اللافت؛ أن اثنين من هذه المسلسلات كتبتهما نساء؛ "كان ياما كان" تأليف شيرين دياب، و"أب ولكن" تأليف ياسمين كامل وسيناريو وحوار ماريان هاني، ما يعني أنها ليست لكتاب يدافعون عن قضايا بني جنسهم.

بالتأكيد هناك أمهات يعانين وآباء سيئون، لكن الأكيد أيضًا أنها ليست قاعدة، فهناك آباء يرغبون فعلًا في الاضطلاع بدورهم تجاه أبنائهم بعد الطلاق، لكن الأمهات وقوانين الحضانة والرؤية تمنعهم.

قانون جائر

الطلاق يحدث، وسيظل يحدث، وغالبية الدراسات تؤكد أن حياة الطفل إذا عاش بشكل هادئ بين منزلين لأبوين منفصلين، أفضل من حياته داخل منزل واحد يسوده التوتر والكراهية. لكن أكثر من 50 دراسة خرجت عن كبريات الجامعات العالمية، تؤكد أيضًا على أهمية بقاء الأب في حياة ابنه بعد الطلاق، حيث يؤدي هذا الحضور إلى انخفاض الاكتئاب والسلوك العدواني وتحسن الأداء الدراسي.

القوانين الحالية في مصر لا تضمن للأب هذا الحضور  أبدًا ما لم ترغب الأم فيه. بعد الطلاق تحتفظ الأم بحضانة الأبناء حتى سن الخامسة عشرة، وخلال هذه الفترة تحتفظ بالولاية التعليمية أيضًا، وتستطيع أن تمنع الأب من رؤية أبنائه حتى يحصل على حكم بالرؤية لثلاث ساعات أسبوعيًا في مركز شباب أو مكان عام، مع ثغرات كثيرة يمكنها استغلالها للتحايل على هذه الرؤية العابرة التي لا تسمح أصلًا بأي علاقة سوية بين الأب وأبنائه.

القانون الحالي يفترض ضمنيًا أن الأب عنصر ثانوي في حياة الطفل بعد الطلاق

حتى ترتيب الأب في جدول من تؤول إليهم الحضانة شديد العبث، حيث يحتل المركز السادس عشر في الجدول بعد أقارب من نوعية الخالات وبنات الأخت غير الشقيقة، وهو وضع تنفرد به مصر حتى بين الدول العربية والإسلامية التي تضع الأب في المرتبة الثانية بعد الأم مباشرة مثل قطر والسعودية والمغرب، وتمنحه صلاحيات أكبر بكثير فيما يتعلق بالولاية، بينما تعتمد الإمارات مثلًا نظام الحضانة المشتركة، ولا تمنح لأحد الوالدين الحضانة منفردًا.

القانون الحالي يفترض ضمنيًا أن الأب عنصر ثانوي في حياة الطفل بعد الطلاق، فبعد أن كان الأب شريكًا في التربية قبل الانفصال يجد نفسه فجأة محصورًا في دور الزائر العابر، دون قدرة حقيقية على المشاركة في القرارات اليومية أو متابعة تفاصيل حياة أبنائه، وبمرور الوقت قد تتحول هذه العلاقة المحدودة إلى علاقة شكلية، خاصة مع صغر سن الأطفال وعدم قدرتهم على الحفاظ على صلة قوية بشخص لا يرونه إلا على فترات متباعدة، هذا إن افترضنا أن الأم ستحترم الرؤية الأسبوعية ولن تتحايل عليها.

ليست حربًا

التعميم في هذه الحالة فخ، والقضية ليست في شيطنة طرف وتنزيه الآخر، بل البحث عن صيغة تحقق مصلحة الطفل أولًا، فكما أن هناك آباءً يشكون من حرمانهم من رؤية أبنائهم، هناك أيضًا أمهات يتحملن وحدهن أعباء التربية والإنفاق في ظل غياب الأب أو تقاعسه عن أداء واجباته، وبين الحالتين تتعدد القصص الإنسانية التي لا يمكن اختزالها في نموذج واحد.

المجتمع نفسه بدأ يعيد التفكير في شكل العلاقة بين الوالدين بعد الطلاق

جوهر المشكلة ليس فقط في نصوص القانون، بل في الثقافة الاجتماعية التي تجعل الطلاق في كثير من الأحيان بداية لحرب طويلة بين الزوجين، يُستخدم فيها الأبناء كأداة ضغط أو وسيلة للانتقام، في وقت يحتاجون فيه إلى مجهود أكبر من كل الأطراف لمساعدة الأطفال على تفهم الوضع الجديد وعدم التأثر سلبًا به.

ربما تكون القيمة الحقيقية للجدل الذي تثيره الدراما هذا العام إعادة تسليط الضوء على سؤال مهم: هل يمكن تطوير قوانين الأحوال الشخصية لتُحقق قدرًا أكبر من التوازن بين حقوق الأب والأم؟ والبداية يجب أن تكون الاعتراف بأن النظام الحالي يحتاج مراجعة هادئة بعيدًا عن لغة الاتهامات المتبادلة، لأن أي محاولة لإقصاء أحد الوالدين من حياة الطفل لن تؤدي في النهاية إلا إلى إفقار حياته عاطفيًا ونفسيًا.

قد يرى البعض أن المسلسلات بالغت قليلًا في رسم صورة الأب المظلوم هذا العام، لكنها بالغت أيضًا في سنوات سابقة في تصوير الأم الضحية، والأهم أن ما تكشفه هذه الأعمال في النهاية هو أن المجتمع نفسه بدأ يعيد التفكير في شكل العلاقة بين الوالدين بعد الطلاق، وفي كيفية حماية الأطفال من أن يصبحوا ضحايا لصراعات الكبار.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.