رسائل أمل في زمن الهزيمة
عوامل كثيرة تتضافر لقتل الأمل في أي إصلاح ديمقراطي أو تحسين للأوضاع الاجتماعية للقطاعات الأوسع من المصريين. فمن انتخابات برلمانية خاضعة لهندسة دقيقة لا تسمح بتسرب المعارضة للبرلمان، إلى ملفات السجناء وقضايا الرأي والحريات التي توقف الحديث عنها يأسًا من حلها، حتى أن لجنة العفو الرئاسي التي أنعشت التوقعات بحلحلة ملف السجناء توقفت أخبارها، إلى إجراءات اقتصادية، آخرها رفع أسعار الوقود، تدفع كل يوم شرائح جديدة تحت خط الفقر.
لكن رغم كل ما يدعو لليأس، تحملُ بعض الرسائل وميضَ أمل لا ينقطع رغم خفوته.
غضب العاملين بأجر
رغم السياسات الأمنية التي تسعى بكل الأدوات لقمع أي محاولة للتعبير، تشق الحركة الاجتماعية طريقها ببطء، لكن بثبات، بما ينفي بشكل قاطع أسطورة خضوع الشعب المصري لسياسات الإفقار والنهب والتبعية دون أدنى مقاومة.
الأرقام تؤكد ذلك ففي عام 2023 شهدت مصر حوالي 79 احتجاجًا عماليًا، زادت إلى 170 احتجاجًا عام 2024، قبل أن تصل إلى 222 خلال العام الماضي، حسب مرصد الاشتراكيين الثوريين.
اللافت أن نحو 95% من الاحتجاجات تنصبُّ على تطبيق الحد الأدنى للأجر؛ أي إعادة توزيع الثروة في المجتمع، وحق التعيين، وهو مطلب يتحدى شروط صندوق النقد بتأبيد العمل المؤقت دفاعًا عما يسميه العمل المرن، أي الرأسمالية غير الملتزمة بأي حقوق للعاملين.
تشي الأخبار المتداولة عن احتجاجات العمال خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي بتصاعد النضالات الاجتماعية دفاعًا عن لقمة العيش، بالمقارنة باحتجاجات العام الماضي، وتشير الملامح العامة لها إلى أنها في المنحنى الصاعد، بل وتتوسع جغرافيًا، وتدخل إلى قطاعات جديدة. كما يمكن ملاحظة وجود شبكة تنظيمية بين العمال من فروع ومحافظات مختلفة، مثل احتجاج عمال شركة مياه الشرب والصرف الصحي في فروع مختلفة بمحافظات مختلفة، في نفس التوقيت بنفس المطالب، وهذا تطور مهم.
يلاحظ أيضًا طول النفس وهو ما تجسد في عودة عاملات شركة وبريات سمنود بمحافظة الغربية لاستخدام سلاح الإضراب قبل أيام ضد تأخر صرف رواتبهن، وحقوقهن في العلاج والتأمينات، رغم حملات الحبس والفصل إثر احتجاجاتهن قبل عامين للمطالبة بتطبيق الحد الأدنى للأجور.
كان القبض على عاملات من منازلهن واقتيادهن إلى السجن وعرضهن على النيابة، التي قررت بعد فترة الإفراج عنهن، سابقة في تعامل الأمن مع الحركة العمالية، رغم هذا دفع تدهور الأوضاع المعيشية العاملات للإضراب مجددًا، والصمود حتى استجابة الإدارة بعد يومين من الإضراب، بصرف راتب شهر فبراير/شباط قبل عيد الفطر مباشرة.
عاملات وبريات سمنود مجرد مثال لما قد تفضي إليه موجة ارتفاع الأسعار الراهنة، خصوصًا مع إعلان الحكومة عزمها رفع الحد الأدنى للأجور، لأنه سيضع الحركة العمالية أمام هدف واضح وقانوني تكافح من أجل تحقيقه. هذه خبرة العام الماضي، حيث سجل شهر نوفمبر/تشرين الثاني أعلى منحنيات الاحتجاج مع بدء سريان قانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025 الذي ألزم أصحاب الأعمال بتطبيق الحد الأدنى.
في هذا السياق، يمكن فهم التعديلات التشريعية المفاجئة المقترحة على قانون المنظمات النقابية العمالية وحماية حق التنظيم النقابي رقم 213 لسنة 2017، التي تستهدف مد الدورة النقابية لخمس سنوات، وتفتح الباب أمام استمرار اللجان النقابية الحالية فترة إضافية، وتأجيل الانتخابات العمالية المرتقبة.
ورغم التدخلات الإدارية والأمنية الواسعة، تعد الانتخابات العمالية فرصة مهمة لطرح قضايا العمال وتغيير القيادات النقابية الصفراء وضخ دماء جديدة، كما أن مد فترة الدورة النقابية إلى خمس سنوات بدلًا من أربع يزيد من هيمنة البيروقراطية النقابية على الحركة العمالية.
تململ المهنيين
تستهدف الأنظمة السلطوية دائمًا النقابات المهنية، إما للسيطرة عليها أو تفريغها من مضمونها وأهدافها وأبعادها وقياداتها عن العمل المهني والسياسي الذي يمكن أن يفضي إلى تشبيكات تهدد النظم أو حتى تحقق مصالح المنتمين إلى تلك التنظيمات.
بناءً على ذلك يمكن فهم الاحتفاء بنتائج انتخابات نقابة المهندسين الأخيرة، التي خسر فيها مرشح السلطة وحزب مستقبل وطن هاني ضاحي رغم الحشد الحكومي لصالحه، وفاز مرشح تيار الاستقلال محمد عبد الغني بمنصب النقيب. تعكس هزيمة المرشح الحكومي المزاج الرافض للرموز المحسوبة على السلطة بين المهنيين، كما حدث من قبل في نقابة الصحفيين.
غير أن مهمة النقيب المحسوب على تيار الاستقلال محمد عبد الغني لتحويل النقابة من مؤسسة إدارية إلى كيان يدافع عن مصالح المهندسين في مواقع عملهم، بالغة الصعوبة، فالانتصار لم يكن كاملًا، فقد فاز التيار الموالي للحكومة بأغلبية مجلس النقابة، بسبب إحباط غالبية المهندسين وعزوفهم عن التصويت.
ومن المهندسين يمتد الحراك إلى خريجي الكليات الطبية، الذين واجهوا سياسات التقشف، وقدموا تضحياتٍ كانت قاصرةً من قبل على الحركة العمالية.
قبل شهر ألقي القبض على ثلاثة أطباء من خريجي دفعة 2023 (طبيبا أسنان وصيدلي)، بسبب تنظيم حملة إلكترونية ورفع دعاوى قضائية، وطلبات إحاطة برلمانية، ضد قرار وزارة الصحة المفاجئ باعتماد مبدأ تكليف خريجي الكليات الطبية للعمل في المستشفيات الحكومية حسب احتياجاتها، وبدءًا من دفعة عام 2023، على عكس النظام الساري منذ عام 1974 القاضي بتكليف كل خريجي الكليات الطبية.
الأطباء الثلاثة اتهمتهم نيابة أمن الدولة بالانتماء إلى "تنظيم إرهابي"، رغم أن أحدهم مسيحي، والثاني مرشح لخوض انتخابات النقابة العامة لأطباء الأسنان المقررة، الشهر المقبل، والثالث هو المتحدث الرسمي باسم دفعة أطباء الأسنان لعام 2023 المغدورة.
نضالُ الأطباء يتخطى حاجز المطلب الاقتصادي المباشر إلى معارضة صلب سياسات الليبرالية المتوحشة التي تسعى إلى تقليص أعداد العاملين في الجهاز الحكومي.
دفاعًا عن حق التنظيم، يتواصل نضال المهنيين، إذ نظم الدكتور المعلم محمد زهران حملةَ جمع تفويضات لتخويله بإدارة نقابة المعلمين، إثر تعنت خلف زناتي نقيب المعلمين المقرب من الحكومة وعرقلته تنفيذ حكم قضائي بالدعوة لإجراء انتخابات في النقابة التي تديرها لجنة إدارية منذ عام 2014.
في فيديو بثه على فيسبوك، قال زهران إنه تعرض للمساومة لإبعاده عن الشأن النقابي، وعندما رفض، قُدّمت بلاغات ضده في نيابة أمن الدولة.
زهران صاحب التجربة اللافتة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، حظي بدعم شعبي كبير في دائرة المطرية بالقاهرة رغم ضعف إمكاناته، وعانى، حسب زعمه، من عمليات تزوير واسعة لإسقاطه، ولجأ للقضاء لاستعاده حقه في كرسي الدائرة.
وتشكل معركة المعلمين لتحرير نقابتهم حلقةً في نضال العاملين بأجر من أجل انتزاع نقابات مستقلة تدافع عن مصالحهم وتدين بالولاء للعاملين فقط.
التشبث بالأرض
على مستوى نضال الأهالي ضد تغول السلطة التنفيذية ومساعيها لطردهم من السكن والأرض لصالح كبار المستثمرين المصريين والعرب، يقدم أهالي الوراق للعام التاسع على التوالي ملحمةً نضاليةً في مواجهة خطط التطوير الاستثمارية. وتحت عمليات الحصار والتطفيش الجارية على قدم وساق، نظم الأهالي إفطارًا جماعيًا كبيرًا في شهر رمضان أكدوا فيه تمسكهم بأرضهم، كما لم ينسوا إعلان تضامنهم مع فلسطين المحتلة.
ويخوض أهالي منطقتي طوسون بالإسكندرية ووقف طبطباي، المعروف بالمنيل القديم، في حي المنيل بمصر القديمة بالقاهرة، معركتين ضد عمليات إزالة وإخلاء واسعة النطاق.
عمليات الإخلاء تمس حق السكان في السكن الآمن، وهو حق يكفله الدستور، وتضعهم بين خيارين: إما التهجير من منازلهم، أو التوقيع على تعويضات تحت ضغط.
المقاومة الفردية
إلى جانب أشكال المقاومة الجماعية المنظمة، تتعدد أشكال المقاومة الفردية، ويوسع الباحث الإيراني آصف بيات هذا المنظور للمقاومة من خلال عمله على دراسة التفاعلات اليومية في دول مختلفة من بينها مصر.
يشير بيات في كتابه الحياة السياسة: كيف يغير الناس العاديون الشرق الأوسط إلى أن كثيرًا من المخالفات القانونية أو الممارسات اليومية العادية مثل افتراش الباعة للأرصفة أو حركة النساء في المجال العام لا يُنظر إليها على أنها فعل سياسي، لكنها في الحقيقة المساحة التي ينتزع بها الناس حقوقهم في ظل غياب أفق سياسي للتعبير عن هذه المطالب والاحتياجات.
للتعبير عن هذا الشكل اللاسياسي من المقاومة، يصك مصطلح quiet encroachment الذي يمكن ترجمته إلى "التوسع أو التعدي الهادئ"، ليصف أشكالًا من المقاومة لا تنطلق من هدف سياسي محدد بل تقوم على "أفعال مباشرة وغير جماعية يقوم بها أفراد متفرقون للحصول على ضروريات حياتهم في شكل هادئ وغير قانوني".
قد تخبو مقاومة سياسات الإفقار والتهميش والتكميم لكنها تولد من جديد، ودورات التمرد والقمع المتكررة في مصر تتواصل، طالما بقيت التناقضات الأساسية بدون حل. نعم الثورة هزمت بالفعل، لكنها راكمت ذاكرة تنظيمية، ودروسًا عن طبيعة السلطة، ترثها الحركات اللاحقة، التي بدأت تتبلور بالفعل، كما يبدو في رسائل الأمل السابقة.
يبقى على الشباب الساعي للتغيير دراستها وفهمها تمهيدًا للاشتباك معها، وأن يتحلى بتفاؤل الإرادة، وطول النفس، فمشوار الألف ميل يبدأ بخطوة. دعونا نحلم.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.


