تصميم: سيف الدين أحمد، المنصة 2026
تراهن إسرائيل على الاتفاقيات الإبراهيمية

رهانات الحلف الإسرائيلي مع "الممالك الإبراهيمية"

منشور الاثنين 6 نيسان/أبريل 2026

للمرة الثانية هذا العام، يتحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن مساعي دولته لتدشين "تحالفات إقليمية" لمواجهة ما يصفه بـ"التهديدات المشتركة".

المرة الأولى التي طرح فيها هذا التصور كانت قبيل العدوان الأمريكي - الإسرائيلي على إيران بأيام، حين استغل زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي لعرض مشروع "منظومة سداسية" تضم دولًا عربيةً وآسيويةً وإفريقيةً، إلى جانب اليونان وقبرص، في محاولة لبناء محور عابر للجغرافيا لمواجهة ما سمَّاه "المحاور الراديكالية"، في إشارة مزدوجة إلى إيران وحلفائها، "المحور الشيعي الجريح"، من جهة، و"التكتل السني الآخذ في التشكل" من جهة أخرى.

أما المرة الثانية فجاءت في خضم الحرب، بعد تلقيه نبأ مقتل خمسة جنود إسرائيليين في عملية نوعية نفذها حزب الله في جنوب لبنان؛ في تلك اللحظة، لم يتحدث نتنياهو عن الرد العسكري فقط، بل أعاد طرح فكرة "التحالف الإقليمي"، كاشفًا أن دولًا عربيةً "أبدت استعدادها الصريح للقتال إلى جانب إسرائيل".

اللافت أن نتنياهو ربط حديثه بتحذيرات سابقة وجهها إلى قادة عرب من "المشروع التوسعي الإيراني"، مدعيًّا أنه أبلغهم بأن طهران "ستحتل أرضهم وتسقط ممالكهم حين تملك القدرة على ذلك".

دعاية مسمومة

تصريحات نتنياهو لم تكن موجهةً لتهديد إيران، ولا لإقناع الداخل الإسرائيلي بأن بلاده ليست وحدها في المواجهة، بل لتعميق الانقسام داخل الإقليم، وشق صفوفه، ودفع بعض أنظمته إلى الارتماء في أحضان تل أبيب تحت وطأة الخوف.

من هنا يمكن فهم استخدامه لمصطلح "الممالك"، إذ لا يتحدث الرجل عن دول بقدر ما يشير إلى أنظمة تخشى على عروشها، وتبحث عن حماية، حتى وإن جاءت من عدو تاريخي.

لم يُستغرب أن تتزامن تصريحات نتنياهو مع موجة دعوات صريحة من نخب خليجية للتحالف مع إسرائيل؛ خرج ضاحي خلفان، رئيس شرطة دبي السابق والمقرب من دوائر صنع القرار في الإمارات، بسلسلة تغريدات على إكس يدعو فيها دول الخليج لـ"توثيق التعاون مع إسرائيل".

صار العدو التاريخي للأمة شريكًا محتملًا بل بديلًا عن "أشقاء" يجرى الطعن فيهم

ذهب خلفان أبعد من ذلك، حين اعتبر الهجوم الأمريكي - الإسرائيلي على إيران يستهدف "القضاء على آلات دمار صُنعت للهيمنة الفارسية"، مشيدًا بما وصفه بـ"الدول الصديقة" في الغرب، ومؤكدًا أن "لا خير البتة" في الدول "الشقيقة".

تصريحات خلفان وغيره تكشف عمق التحول الذي أصاب وعي بعض النخب الخليجية، إذ اختلطت الحسابات والتقديرات، فصار العدو التاريخي للأمة شريكًا محتملًا، بل بديلًا عن أشقاء يُجرى الطعن فيهم، وأصبح التعويل على هذا العدو خيارًا مطروحًا في مواجهة جار تجمعنا به روابط التاريخ والجغرافيا والمصير المشترك.

عندما كشف نتنياهو، نهاية فبراير/شباط الماضي، عن سعيه لتدشين هذا التحالف، التزمت العواصم العربية الصمت؛ لا تأكيد ولا نفي. اليوم لم يُحتج إلى عناء لمعرفة "الممالك" المقصودة، فدول الخليج التي تستضيف قواعد عسكرية أمريكية تحولت منذ بداية العدوان على إيران إلى أهداف مباشرة للصواريخ الإيرانية، بما كشف هشاشة مظلة الحماية الخارجية، وأعاد طرح سؤال الاعتماد على الخارج.

سياسة وسلاح وتطبيع

بالنظر إلى خريطة التطبيع في الخليج، لا نجد سوى الإمارات والبحرين اللتين تقيمان علاقات رسمية مع إسرائيل. غير أن تتبع مسار هذه العلاقات يكشف تجاوزها حدود التمثيل الدبلوماسي والتبادل الاقتصادي إلى بناء شراكات أمنية وعسكرية واستخباراتية عميقة.

وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يوقعان معاهدة السلام، 15 سبتمبر 2020

في الحالة الإماراتية، لم تعد أوجه التعاون مع إسرائيل سرًا، فالتنسيق الأمني والعسكري تحول إلى مسار معلن يتسارع إيقاعه، كان آخره الاتفاق الذي أُعلن عنه في أغسطس/آب الماضي بين مجموعة "إيدج" الإماراتية وشركة "إلبيت سيستمز" الإسرائيلية لشراء طائرات مسيّرة من طراز "هرميس 900"، مع ما يصاحبه من نقل للتكنولوجيا وتوطين جزئي للصناعات الدفاعية.

ويشير تقرير صادر عن معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى إلى أن العلاقة بين أبوظبي وتل أبيب انتقلت من مستوى "التطبيع الدبلوماسي" إلى "التطبيع الدفاعي"، بما يحمله ذلك من تداعيات مباشرة على توازنات القوة في الخليج.

وفقًا للتقرير، لم يقتصر التعاون على صفقات التسليح إنما امتد إلى بناء منظومات دفاعية متكاملة، حيث زودت شركات إسرائيلية الإمارات بنظام الدفاع الجوي "سبايدر"، قبل أن يتطور الأمر إلى نشر منظومة "باراك" داخل أراضيها، مرورًا بتنفيذ تدريبات بحرية مشتركة، والعمل على تطوير سفن مسيّرة، وصولًا إلى مشاركة طائرات "ميراج 2000-9" الإماراتية في مناورات جوية متعددة الجنسيات إلى جانب القوات الأمريكية والإسرائيلية في اليونان، في مؤشر واضح على عمق التنسيق العملياتي بين الأطراف الثلاثة.

وتلفت الباحثة إليزيبث دينت، في التقرير ذاته، إلى أن هذا التعاون لا يتوقف عند حدود التسليح والتدريب، بل يمتد إلى تبادل المعلومات الاستخباراتية بشأن ما يُعرف بـ"التهديدات المشتركة"، عبر منصة تنسيق استخباري تحمل اسم "كريستال بول"، تركز بشكل خاص على مجالات الأمن السيبراني، بما يعكس انتقال العلاقة إلى مستوى أكثر حساسية وتعقيدًا.

أما البحرين، التي تستضيف أكبر قاعدة بحرية أمريكية في المنطقة، فقد مضت في الاتجاه ذاته، وعززت تعاونها الأمني مع تل أبيب منذ زيارة وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق بيني جانتس في عام 2022، التي شهدت توقيع اتفاقات أمنية.

وفي العام نفسه، نقلت تقارير صحيفة عن مسؤول بحريني رفيع المستوى قوله إن جهازي "الموساد" و"الشين بيت" الإسرائيليين كانا يدرّبان ضباط الاستخبارات البحرينية، وهو ما تلاه انخراط متزايد في ترتيبات إقليمية تقودها واشنطن تحت عناوين مثل "حماية الملاحة" و"الأمن البحري".

مواقف متباينة

في المقابل، تبدو المملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان وقطر والكويت خارج هذا المسار، كلٌ لأسبابه. فالسعودية لا تزال تتحفظ على الالتحاق بقطار "الاتفاقات الإبراهيمية"، ليس فقط لحسابات السياسة، بل أيضًا لثقلها الديني قائدةً للعالم السني، وهو ما يفرض عليها قدرًا من التريث وعدم الاندفاع، على الأقل في هذه المرحلة؛ غير أن هذا الموقف يظل محل شد وجذب مع الولايات المتحدة، التي لا تخفي رغبتها في دفع الرياض إلى حسم خيارها.

فيما تشعر مسقط، التي لعبت دور الوسيط في المفاوضات بين واشنطن وطهران، أنها تعرضت لخديعة، بعدما انتهت جولات التفاوض إلى عدوان عسكري، ما دفع وزير خارجيتها بدر البوسعيدي إلى إدانة الهجوم ورفض الانخراط في أي ترتيبات تطبيعية، فضلًا عن رفض المشاركة في مجلس السلام الذي أسسه ترامب.

أمريكا التي تملأ قواعدها العسكرية المنطقة لم تتمكن من حماية حلفائها

أما قطر، التي استُهدفت عاصمتها في محاولة اغتيال لقادة من حركة حماس قبل شهور، فالعلاقة بينها وبين تل أبيب لا تزال متوترة، في حين تظل الكويت، شعبًا ومؤسسات، من أكثر الدول العربية رفضًا للتطبيع.

في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن "تحالف نتنياهو" لا يتجاوز في مرحلته الحالية إطار التعاون القائم بالفعل بين إسرائيل وكل من الإمارات والبحرين، مع محاولات حثيثة لجر أطراف أخرى إلى هذا المسار تحت ضغط الحرب ومخاوفها.

حذر مصري

لم تكن تلك هي المحاولات الأولى لإقامة تحالف يضم دولًا من المنطقة إلى جانب إسرائيل، ففي 2022، سعت إدارة جو بايدن عبر وزير خارجيتها أنتوني بلينكن إلى إنشاء تكتل إقليمي يضم إسرائيل وعددًا من الدول العربية، فيما عُرف بـقمة النقب، بهدف تشكيل لجان أمنية لمواجهة تهديدات إيران، وإنشاء شبكة إنذار مبكر.

قمة النقب، مارس 2022

رغم مشاركة مصر في القمة إلى جانب الإمارات والبحرين والمغرب، فإنها سارعت إلى التأكيد على لسان وزير خارجيتها آنذاك سامح شكري أن مشاركتها لا تستهدف إنشاء تحالف موجه ضد أي طرف، وأن هدفها يظل دعم عملية السلام وإقامة الدولة الفلسطينية.

كان ذلك الموقف تعبيرًا عن إدراك مصري لمخاطر الانزلاق إلى تحالفات مشبوهة تضع "العدو الاستراتيجي الأول" في موقع الشريك الأمني.

اليوم، ومع تصاعد الحرب، عاد هذا الإدراك إلى الواجهة، إذ دعا وزير الخارجية بدر عبد العاطي مرارًا إلى تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك، باعتبارها الإطار الأنسب لحماية الأمن القومي العربي، بعيدًا عن الارتهان لقوى خارجية أثبتت التجربة أنها لا توفر الحماية بقدر ما تعيد إنتاج التهديد.

فأمريكا التي تملأ قواعدها العسكرية المنطقة، لم تتمكن من حماية حلفائها، بل جعلتهم في مرمى النيران؛ وإسرائيل، التي تُقدم كشريك محتمل، لم تُخف يومًا أطماعها التوسعية، ولا مشروعها القائم على إعادة رسم حدود المنطقة بما يخدم تفوقها.

مع ذلك، تبدو بعض النخب الخليجية ماضية في خيار التحالف مع تل أبيب، مدفوعة بما تراه "خيبة أمل" من مواقف دول عربية، أو رهانًا على "تفوق عسكري وتكنولوجي إسرائيلي"، غير أن هذا الرهان، في جوهره، ليس سوى إعادة إنتاج لفكرة الاحتماء بالأعداء، وهي فكرة أثبتت التجربة فشلها.

هكذا، وعلى وقع الخوف من التهديدات الإيرانية، وإغراء الحماية الإسرائيلية، تمضي بعض "ممالك" المنطقة نحو الانخراط في هذا التحالف الذي لا يقوم على التكافؤ، بل على التبعية؛ تحالف فيه الطرف العربي تابع، والطرف الإسرائيلي سيد ممسك بالزمام، تستبدل معه وصايةً إسرائيليةً مباشرةً بالوصاية الأمريكية.

الرهان على تحالفات أمنية وعسكرية مع الأعداء سيبقى خاسرًا، لا سيما مع نوايا معلنة وأطماع موثقة للعدو. أما البديل الحقيقي، فيكمن في بناء مظلة حماية إقليمية مستقلة، تُستثمر فيها إمكانات دول المنطقة العسكرية والاقتصادية والديموغرافية، بعيدًا عن أوهام الحماية الخارجية وتكلفتها الباهظة.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.