تصميم: أحمد بلال- المنصة
نجحت الإمارات في إعلان نفسها نموذجًا لحداثة عربية جديدة من داخل منطقة ميؤوس من تخلفها

حديث الاستخلاج والاستحمار

من يملك الخليج؟!

منشور الخميس 14 أيار/مايو 2026

تكررت في الشهور الأخيرة ملاحم المكايدة الخليجية-المصرية على وقع الحرب الإيرانية، والنشاط المفرط للأجهزة الاستخباراتية والإعلامية العالمية، حيث يضع الجميع أصابعه في المنطقة، إلى جانب حماسة المثقفين والكتاب من الطرفين، المتحفزين دائمًا للدفاع عن الهوية الوطنية والسيادة واسم فخامة الرئيس وسيرة جلالة الملك.

كلُّ طرفٍ يكيد للآخر بما يراه قذىً في عينه، بينما لا يرى الخشبة التي تخترق عينيه إلى أحشائه. تُشعل أحاديث المكايدة النعرات القبلية والوطنية، فتجعل الحوار الضروري بين النخبة السياسية والثقافية المصرية والخليجية مستحيلًا ومؤجلًا، لأن كل طرف يفضل أن يكون أداةً للكيد بدلًا من مواجهة الأسئلة الحقيقية، التي يؤدي مجرد طرحها لحرمانه من الامتيازات، وربما الزج به في المنفى أو السجن أو إسقاط الجنسية أو حتى التقطيع بالمنشار.

لكني هنا سأحاول القفز فوق معركة المكايدة، للاشتباك مع مقال نُشر مؤخرًا في جريدة "عمان" للأستاذ سليمان المعمري، حمل عنوان "القاهرة تكتب، وبيروت تطبع، والخليج يُستَخْلَج!"

والاستخلاج مصطلح يصف نظرة بعض المثقفين العرب الاستعلائية لنظرائهم الخليجيين، انطلاقًا من صور نمطية كلاسيكية؛ كأن يفتتح الروائي المصري يوسف زيدان أمسيته في النادي الثقافي بمسقط عام 2015 بعبارة "مش عندكم معيز ونقعد كده في القمر".

سبب كتابة المعمري للمقال هو تغطيته لندوة افتراضية أقيمت في الدوحة في أبريل/نيسان الماضي تحت عنوان "تحولات الوعي المعرفي: من الاستشراق الكلاسيكي إلى الاستخلاج المعاصر"، أدارها الباحث اليمني فوزي الغويدي، وشارك فيها الروائي والباحث العُماني محمد اليحيائي، والباحثة السعودية ميساء الخواجة، والكاتب والصحفي الكويتي إبراهيم المليفي، والإعلامي العراقي المقيم في موسكو سلام مسافر.

من الرق للكفالة

ينقل المعمري آراء المشاركين في الندوة إلى جانب تحليلات رموز ثقافية خليجية أخرى، وكلها بررت الآراء الناقدة للسياسات الخليجية بأنها نتيجة الحقد على دول الخليج لأنها حققت قفزات سريعة بسبب النفط أو بسبب استقبالها قواعد عسكرية أمريكية.

ويكتب المعمري، بحكم انتمائه إلى سلطنة عُمان التي تتخذ أحيانًا مواقفَ مختلفةً عن السياق الخليجي العام، قائلًا: أصوات كثيرة في العالم العربي وحتى في الخليج، تطالب دول الخليج بإنهاء وجود القواعد العسكرية الأجنبية. ولا أظن مثقفًا حرًا، خليجيًا كان أو عربيًا، يمكن أن يرفض ذلك.

ثم يختم مقاله محذرًا من أن "خطورة 'الاستخلاج' لا تكمن فقط في أنه يسيء إلى صورة الخليج، بل في أنه قد يدفع الخليجيين أنفسهم إلى تعريف ذواتهم عبر رد الفعل. لذلك لا يكفي أن نفضح النظرة المتعالية، بل أن نبني معرفة خليجية بذاتها، أكثر ثقةً واتساعًا وعدلًا، لا ترد التنميط بتنميط مضاد، ولا تستبدل مركزيةً قديمةً بمركزية جديدة".

أريد أن أوضح للأستاذ سليمان أنها أولًا ليست نظرة متعالية، بل نظرة احتقار، مثلما قد يحتقر أي إنسان أو مثقف شريف أي ثقافة قبلية تفخر بتاريخ قائم على الاستعباد، وتمارس نظام الكفالة، وترفض القيم الإنسانية العليا مثل المساواة والحرية بين جميع البشر، وتستخدم الخصوصية الثقافية لتبرير انتزاع الحقوق الأساسية للمعلمين والعمال الذين بنوا مدن الخليج.

علامَ يحقدون؟

أما القفزة الاقتصادية التي حققتها دول الخليج، فترجع أولًا إلى مئات آلاف العبيد الذين جُلبوا من أفريقيا للعمل في غوص اللؤلؤ ومزارع النخيل، من منتصف القرن التاسع عشر حتى ستينيات القرن الماضي، حين أُلغيت العبودية رسميًا في معظم دول الخليج واستُبدل بها نظام الكفيل.

منذ ذلك الوقت، قدّم ملايين العمال العرب والآسيويين حياتهم وتعليمهم، الذي حصلوا عليه مجانًا في بلدانهم، لبناء تلك المدن الخليجية، وما زالوا يقدمون، دون أن يصبحوا مواطنين كما هو الحال في الدول الحديثة. بل يُستنزف جهدهم وتُستهلك أعمارهم حرفيًا ومجازيًا، ويجبرون على الانخراط في علاقات عمل استبدادية، بلا حق في إنشاء نقابات أو اتحادات، ولا تتم مساواتهم بزملائهم من الخليجيين.

يعمل الصحفي العربي أو العامل الآسيوي في الوظيفة نفسها مع زميله الخليجي، لكن يستحيل أن يتلقى الراتب نفسه أو يتمتع بالحقوق والامتيازات ذاتها. وفي أي لحظة يمكن ترحيله ومصادرة أمواله وممتلكاته، كما حدث ويحدث مؤخرًا مع العمال الباكستانيين المرحلين من الإمارات، أو حتى المواطنين الذين سُحبت جنسياتُهم واستُوليَ على حسباتهم البنكية كما حدث ويحدث في الكويت.

هذه ليست مسألة أحقاد، بل غضب من عدم المساواة، ومن إصرار مثقفي الخليج على تجاهل هذه المسألة، والتحجج بالخصوصية الثقافية، بينما لا في الإسلام ولا العروبة ما يبرر التفرقة بين البشر أو تطبيع العنصرية على أساس الدم والقبيلة.

لأن ما يريده بعض مثقفي الخليج ليس تبادلًا ثقافيًا، بل نوع من التواطؤ الجمالي

ثم إن المعمري انتقد انزعاج الروائية المصرية سلوى بكر من تسمية المزيد من شوارع مصر بأسماء رموز خليجية، لكن الواقع أن هناك مدنًا وشوارع كاملةً في مصر تحمل أسماء حكام الخليج، من مدينة الشيخ زايد إلى شارع فيصل، لأن حكام الخليج أصلاً لا يقبلون الاحتفاء بأي رموز خليجية من خارج عائلاتهم الحاكمة/المالكة.

فهل سيسعد المعمري لو أطلقت مصر أسماء مثقفين خليجيين على شوارعها؟ ماذا لو قررت محافظة دمياط مثلًا تسمية أحد ميادينها باسم ثورة ظفار، بصفتها إحدى ثورات التحرر الملهمة؟ هل ستعتبر سلطنة عُمان الأمر احتفاءً أم مكايدة؟ ولو حملت إحدى دورات معرض القاهرة الدولي للكتاب اسم عميد الأدب الخليجي، الروائي السعودي عبد الرحمن منيف، الذي عاش ومات منفيًا في دمشق ودُفن جثمانه هناك، هل سيُنظر إلى ذلك كاحترام متبادل؟

ما يريده بعض مثقفي الخليج ليس تبادلًا ثقافيًا، بل نوعٌ من التواطؤ الجمالي: أدب يهادن السلطة، ويغرق في التاريخ والفلكلور، ويؤجل أسئلة الحرية والعدالة. أما الاحتفاء فيجب أن يذهب لمن يستحقه: لمن دافع عن حق الشعوب في التعبير والخيال والحرية، لا لمن كان وزيرًا أو أميرًا يسرق القصائد وينسبها لنفسه.

لمن بناها

حين يتحدث المعمري وزملاؤه من أبناء القبائل الخليجية المتمتعين بامتيازات الجنسية عن "ثقافة خليجية" أو "أدب خليجي"، ماذا يقصدون؟

في مقالها  "على أطلال الأدب القومي أو عن أدب يكتبه الغرباء"، تفكك منى كريم فكرة الأدب الوطني في الخليج، كاشفةً الطبيعة الإقصائية الزائفة لهذا المصطلح. فما يُسمى بالأدب الخليجي لا يشمل إلا من تنطبق عليهم شروط الانتماء القانوني والقبلي، بينما تُستبعد منه أصوات تعيش في قلب المكان: البدون، المهاجرون، العمال، والكتّاب الذين يكتبون بلغات أخرى.

التحديات العسكرية والسياسية التى تواجه دول الخليج تتطلب خيالًا جديدًا

هؤلاء، رغم مشاركتهم في تشكيل الحياة اليومية، يُدفعون إلى الهامش، كأنهم عابرون في فضاء هم من صنعه. وهذه السلطة المدعومة بالقواعد الأمريكية ومظلتها السياسية، هي من تحدد ما هو "خليجي" وما هو "غريب"، بحيث لا يكون الغريب هو القادم من الخارج، بل من يُفرض عليه أن يبقى غريبًا داخل المكان الذي يسكنه.

نحن هنا نتحدث عن عائلات من ثلاثة أجيال أو أكثر، وُلدت وتعلمت وعملت وبنت الخليج، ومع ذلك لا تمنح الحد الأدنى من الحقوق، ولا يُسمح لها بالمشاركة في تعريف الثقافة التي تنتمي إليها. لذا، ربما علينا قبل الحديث عن "الاستخلاج"، أن نفكِّر في الثقافة الخليجية خارج الصورة الرسمية: خارج الثوب الأبيض للرجال والعباءة السوداء للنساء، وخارج الطقوس المصممة لعروض الفخر الوطني.

إعادة تخيل الخليج لا يمكن أن تتم دون الاعتراف بأن ما نعتبره مركزًا ليس سوى اختيار سياسي، وأن الثقافة الخليجية الحقيقية أوسع بكثير من هذا المركز. وبعض الأصوات المتعلمة والعاقلة في عدد من دول الخليج تدرك حقيقة هذا الأمر، وأصبحت تنادي بشكل علنى بتغييرات جذرية في نظم الإقامة والتجنيس، آخرها مقال سلطان القاسمي، الذي دعى إلى تجنيد المقيمين وضمهم إلى الجيش الوطني، مع وعود بمسارات تجنيس أفضل وأسرع.

التحديات العسكرية والسياسية التى تواجه دول الخليج تتطلب خيالًا جديدًا، وتصورات خارج فكرة "المواطن الصافي" ووهم النقاء. رأينا في الحرب الأخيرة من ماتوا في الجيش الكويتى وكانوا "بدون"، وفي الإمارات وقطر والبحرين رأينا العمال المهاجرين هم من يسقطون شهداء ومصابين بينما يدافعون عن البلاد وسكانها ويضحون بحياتهم لتستمر الحياة في المدن التي بنوها.

فإذا كان المقيم مستعدًا أن يموت دفاعًا عن هذا المكان، فكيف يُمنع من أن يعيش فيه كمواطن؟ وإذا كان يُطلب منه أن يحمل السلاح، فكيف يُحرم من حمل الاسم؟

أتفق تمامًا مع مقال سليمان المعمري في ضرورة مقاومة ورفض "الاستخلاج"؛ الخليج ليس الصورة التي تسوق له. ليس المول والبنايات الزجاجية الشاهقة، بل مَن بنوا تلك البنايات وسكنوها. هو العامل الذي مات ولم يُذكر اسمه. هو الشاعر الآسيوي الذي كتب بلغة لا تُقرأ هنا. هو الإنسان الذي حُرم من الجنسية ولم يُحرم من الخيال.

وإذا كان هناك طريق واحد لنجاة الخليج، فهو هذا: أن يعترف أخيرًا بمن صنعوه. لا كضيوف. ولا كأيدٍ عاملة. بل كأصحاب حق ومكان.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.